
لم تكن المدارس يومًا مجرد جدرانٍ أربعة تُحصر بين جنباتها المقاعد والتراجم، ولا لوح أسود تُكتب عليه المعادلات وتُمحى نهاية النَّهار. المدرسة في جوهرها الأصيل هي )مشغل الحياة الأول(، والرحم الذي تتشكل فيه ملامح الشغف الإنساني قبل أن تترسخ فيه معلومات الكتب.ومن هنا، يأتي النشاط المدرسي ليفتح شباكًا ضخمًا يهبّ منه الهواء النقي داخل الفصول. إنه ليس مجرد )ساعة تفريغ طاقة(، أو ملءِ فراغ في الجدول الدراسي كما يظن البعض، بل هو الشرارة الأولى التي تكتشف )الفنان، والرياضي، والكاتب، والقيادي(.
في المسرح المدرسي، يتعلم الطفل كيف يقف أمام الجمهور بثقة ويمتلك شجاعة التعبير؛ وفي الإذاعة المدرسية، يتدرب على صياغة الفكرة وحسن الإلقاء؛ وفي الملاعب، يدرك معنى العمل الجماعي وقيمة الهزيمة قبل لذة النصر؛ وفي المعارض الفنية والمبتكرات الصغرى، يلامس خياله الواقع ليصنع شيئًا بيده. إن التعليم الحقيقي هو الذي يخاطب العقل والروح والجسد في مصفوفة واحدة. وتهميش النشاط المدرسي هو رهان ٌخاطئ يُنتج أجيالاً تحفظ العلوم ولكنها تفتقد مهارات الحياة.
صناعة المستقبل لا تبدأ فقط من تحصيل درجات الامتحانات النهائيّة، بل تبدأ من تلك اللحظة التي يكتشف فيها الطالب شأنًا يُبدع فيه خارج كتاب المقرَّر.. فدعوا المدارس تتنفس بالفن، والرياضة، والحوار، ليخرج منها الإنسان مكتملاً.


