
لم يكن اختفاء إلياس هشام السباعي، المعروف بـ«كيمو»، مجرد واقعة أثارتْ القلق وشغلتْ الرأي العام، بل كشف وجع أسرة تعيش منذ سنوات آثار الطلاق وتبعاته، حين ينتهي الزواج بين طرفين، لكن لا تنتهي مسؤولية الأبناء ولا تنتهي تداعيات الخلافات على نفوسهم.
تروي والدته، «منى الغرياني»، أنها مطلقة منذ ست سنوات، وتعيش مع ثمانية أطفال، اعتمدتْ خلالها على نفسها، واستأجرتْ منزلًا وأسستْ حياتها من جديد، مؤكدة أن المحكمة منحتها حضانة أطفالها وقضتْ لها بالمؤخر، وبيت الزوجية، بينما لم يُنفذ، بحسب روايتها، سوى جانب النفقة.
وتقول إن ظروف السكن وعدم الاستقرار أثرتْ في أبنائها، حتى إن بعضهم توقف عن الدراسة، وإنها كانت تحاول دائمًا الفصل بين انتهاء علاقتها بزوجها وبين استمرار مسؤوليته تجاه أبنائه. لكن الواقع، كما تروي، لم يكن سهلًا، وظلت الأسرة تدفع ثمن ظروف ما بعد الطلاق.
ثم جاءتْ اللحظة التي قلبتْ حياتها إلى خوف. في أحد الأيام تركتْ الأمُ أبناءها لدى والدهم، على أن تعود لأخذهم بعد انتهاء عملها. إلا أن «كيمو» خرج من المكان بعد مغادرة والده، ولم يعد. في البداية اعتقدتْ أنه ذهب إلى أحد أصدقائه، ثم وصلها مقطع فيديو يظهر فيه في مصيف «أمواج».
انطلقتْ الأم من غريان تبحث عنه، وعندما وصلتْ إلى المصيف وجدتْ )قميصه وشبشبه(، وانتظرتْ ساعات طويلة، وهي تأمل أن يخرج من البحر ويعود إليها.
مرت الساعات دون أن يظهر، وعادتْ إلى منزلها وهي تحمل أسوأ الاحتمالات.
في اليوم التالي عادت للبحث عنه من جديد، ثم أبلغتْ مركز شرطة تاجوراء عن اختفائه، وانتشرت المناشدات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لتبدأ رحلة بحث بين عدد من المصايف، حتى وصلت معلومات عن وجوده في مصيف «هافانا».
وبتدخل الجهات الأمنية، عُثر على «كيمو» وتم نقله إلى مركز الشرطة، ثم تسلمته والدته في اليوم التالي. كان حيًّا، لكنه تعرَّض لحروق شديدة في ظهره نتيجة الشمس.. وبحسب رواية والدته، قال «كيمو» خلال التحقيق إنه لا يريد البقاء لدى والده ويريد العودة إلى أمه، وإنه لم يتصل بها خوفًا من أن تعيده إليه.
هنا تتجاوز القصة حادثة اختفاء طفل، لتطرح سؤالًا أكبر: إلى أي مدى يمكن أن تصل آثار الطلاق عندما تتحوَّل الخلافات بين الكبار إلى قلق وخوف داخل نفوس الأبناء؟
الطلاق قد يكون أحيانًا حلًا لا مفر منه، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى حرب مفتوحة. فالطفل ليس طرفًا في النزاع، وليس رسولًا بين الأب والأم، ولا يجب أن يُجبر على اختيار أحدهما.
رسالة إلى الآباء والأمهات: انفصلوا إن استحالت الحياة، لكن لا تجعلوا أبناءكم ينفصلون عن الأمان.
احموا طفولتهم من الخلافات، واتركوا لهم حقهم في أب وأم، حتى وإن لم يعودا زوجين.
فقصة «كيمو» انتهتْ بعودته سالمًا، لكن السؤال الذي يجب أن يبقى حاضرًا: كم طفلًا آخر يعيش الخوف بصمت، لأن الكبار لم يستطيعوا أن يفصلوا بين خلافاتهم وحق أبنائهم في الأمان؟.
الأبناء لا يختارون الطلاق.. فلا تجعلوهم يدفعون ثمنه.

