مرايا

كيمو‭ ‬‭.. ‬حين‭ ‬يدفع‭ ‬الأبناء‭ ‬ثمن‭ ‬الطلاق

فايزة العجيلي

لم‭ ‬يكن‭ ‬اختفاء‭ ‬إلياس‭ ‬هشام‭ ‬السباعي،‭ ‬المعروف‭ ‬بـ«كيمو‮»‬،‭ ‬مجرد‭ ‬واقعة‭ ‬أثارتْ‭ ‬القلق‭ ‬وشغلتْ‭ ‬الرأي‭ ‬العام،‭ ‬بل‭ ‬كشف‭ ‬وجع‭ ‬أسرة‭ ‬تعيش‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬آثار‭ ‬الطلاق‭ ‬وتبعاته،‭ ‬حين‭ ‬ينتهي‭ ‬الزواج‭ ‬بين‭ ‬طرفين،‭ ‬لكن‭ ‬لا‭ ‬تنتهي‭ ‬مسؤولية‭ ‬الأبناء‭ ‬ولا‭ ‬تنتهي‭ ‬تداعيات‭ ‬الخلافات‭ ‬على‭ ‬نفوسهم‭.‬

تروي‭ ‬والدته،‭ ‬‮«‬منى‭ ‬الغرياني‮»‬،‭ ‬أنها‭ ‬مطلقة‭ ‬منذ‭ ‬ست‭ ‬سنوات،‭ ‬وتعيش‭ ‬مع‭ ‬ثمانية‭ ‬أطفال،‭ ‬اعتمدتْ‭ ‬خلالها‭ ‬على‭ ‬نفسها،‭ ‬واستأجرتْ‭ ‬منزلًا‭ ‬وأسستْ‭ ‬حياتها‭ ‬من‭ ‬جديد،‭ ‬مؤكدة‭ ‬أن‭ ‬المحكمة‭ ‬منحتها‭ ‬حضانة‭ ‬أطفالها‭ ‬وقضتْ‭ ‬لها‭ ‬بالمؤخر،‭ ‬وبيت‭ ‬الزوجية،‭ ‬بينما‭ ‬لم‭ ‬يُنفذ،‭ ‬بحسب‭ ‬روايتها،‭ ‬سوى‭ ‬جانب‭ ‬النفقة‭.‬

وتقول‭ ‬إن‭ ‬ظروف‭ ‬السكن‭ ‬وعدم‭ ‬الاستقرار‭ ‬أثرتْ‭ ‬في‭ ‬أبنائها،‭ ‬حتى‭ ‬إن‭ ‬بعضهم‭ ‬توقف‭ ‬عن‭ ‬الدراسة،‭ ‬وإنها‭ ‬كانت‭ ‬تحاول‭ ‬دائمًا‭ ‬الفصل‭ ‬بين‭ ‬انتهاء‭ ‬علاقتها‭ ‬بزوجها‭ ‬وبين‭ ‬استمرار‭ ‬مسؤوليته‭ ‬تجاه‭ ‬أبنائه‭. ‬لكن‭ ‬الواقع،‭ ‬كما‭ ‬تروي،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬سهلًا،‭ ‬وظلت‭ ‬الأسرة‭ ‬تدفع‭ ‬ثمن‭ ‬ظروف‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الطلاق‭.‬

ثم‭ ‬جاءتْ‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬قلبتْ‭ ‬حياتها‭ ‬إلى‭ ‬خوف‭. ‬في‭ ‬أحد‭ ‬الأيام‭ ‬تركتْ‭ ‬الأمُ‭ ‬أبناءها‭ ‬لدى‭ ‬والدهم،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تعود‭ ‬لأخذهم‭ ‬بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬عملها‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬‮«‬كيمو‮»‬‭ ‬خرج‭ ‬من‭ ‬المكان‭ ‬بعد‭ ‬مغادرة‭ ‬والده،‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭. ‬في‭ ‬البداية‭ ‬اعتقدتْ‭ ‬أنه‭ ‬ذهب‭ ‬إلى‭ ‬أحد‭ ‬أصدقائه،‭ ‬ثم‭ ‬وصلها‭ ‬مقطع‭ ‬فيديو‭ ‬يظهر‭ ‬فيه‭ ‬في‭ ‬مصيف‭ ‬‮«‬أمواج‮»‬‭.‬

انطلقتْ‭ ‬الأم‭ ‬من‭ ‬غريان‭ ‬تبحث‭ ‬عنه،‭ ‬وعندما‭ ‬وصلتْ‭ ‬إلى‭ ‬المصيف‭ ‬وجدتْ‭ )‬قميصه‭ ‬وشبشبه‭(‬،‭ ‬وانتظرتْ‭ ‬ساعات‭ ‬طويلة،‭ ‬وهي‭ ‬تأمل‭ ‬أن‭ ‬يخرج‭ ‬من‭ ‬البحر‭ ‬ويعود‭ ‬إليها‭.‬

مرت‭ ‬الساعات‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يظهر،‭ ‬وعادتْ‭ ‬إلى‭ ‬منزلها‭ ‬وهي‭ ‬تحمل‭ ‬أسوأ‭ ‬الاحتمالات‭.‬

في‭ ‬اليوم‭ ‬التالي‭ ‬عادت‭ ‬للبحث‭ ‬عنه‭ ‬من‭ ‬جديد،‭ ‬ثم‭ ‬أبلغتْ‭ ‬مركز‭ ‬شرطة‭ ‬تاجوراء‭ ‬عن‭ ‬اختفائه،‭ ‬وانتشرت‭ ‬المناشدات‭ ‬عبر‭ ‬مواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬لتبدأ‭ ‬رحلة‭ ‬بحث‭ ‬بين‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المصايف،‭ ‬حتى‭ ‬وصلت‭ ‬معلومات‭ ‬عن‭ ‬وجوده‭ ‬في‭ ‬مصيف‭ ‬‮«‬هافانا‮»‬‭.‬

وبتدخل‭ ‬الجهات‭ ‬الأمنية،‭ ‬عُثر‭ ‬على‭ ‬‮«‬كيمو‮»‬‭ ‬وتم‭ ‬نقله‭ ‬إلى‭ ‬مركز‭ ‬الشرطة،‭ ‬ثم‭ ‬تسلمته‭ ‬والدته‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬التالي‭. ‬كان‭ ‬حيًّا،‭ ‬لكنه‭ ‬تعرَّض‭ ‬لحروق‭ ‬شديدة‭ ‬في‭ ‬ظهره‭ ‬نتيجة‭ ‬الشمس‭.. ‬وبحسب‭ ‬رواية‭ ‬والدته،‭ ‬قال‭ ‬‮«‬كيمو‮»‬‭ ‬خلال‭ ‬التحقيق‭ ‬إنه‭ ‬لا‭ ‬يريد‭ ‬البقاء‭ ‬لدى‭ ‬والده‭ ‬ويريد‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬أمه،‭ ‬وإنه‭ ‬لم‭ ‬يتصل‭ ‬بها‭ ‬خوفًا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تعيده‭ ‬إليه‭.‬

هنا‭ ‬تتجاوز‭ ‬القصة‭ ‬حادثة‭ ‬اختفاء‭ ‬طفل،‭ ‬لتطرح‭ ‬سؤالًا‭ ‬أكبر‭: ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬مدى‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تصل‭ ‬آثار‭ ‬الطلاق‭ ‬عندما‭ ‬تتحوَّل‭ ‬الخلافات‭ ‬بين‭ ‬الكبار‭ ‬إلى‭ ‬قلق‭ ‬وخوف‭ ‬داخل‭ ‬نفوس‭ ‬الأبناء؟

الطلاق‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬أحيانًا‭ ‬حلًا‭ ‬لا‭ ‬مفر‭ ‬منه،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬مفتوحة‭. ‬فالطفل‭ ‬ليس‭ ‬طرفًا‭ ‬في‭ ‬النزاع،‭ ‬وليس‭ ‬رسولًا‭ ‬بين‭ ‬الأب‭ ‬والأم،‭ ‬ولا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يُجبر‭ ‬على‭ ‬اختيار‭ ‬أحدهما‭.‬

رسالة‭ ‬إلى‭ ‬الآباء‭ ‬والأمهات‭:‬‭ ‬انفصلوا‭ ‬إن‭ ‬استحالت‭ ‬الحياة،‭ ‬لكن‭ ‬لا‭ ‬تجعلوا‭ ‬أبناءكم‭ ‬ينفصلون‭ ‬عن‭ ‬الأمان‭.‬

احموا‭ ‬طفولتهم‭ ‬من‭ ‬الخلافات،‭ ‬واتركوا‭ ‬لهم‭ ‬حقهم‭ ‬في‭ ‬أب‭ ‬وأم،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬يعودا‭ ‬زوجين‭.‬

فقصة‭ ‬‮«‬كيمو‮»‬‭ ‬انتهتْ‭ ‬بعودته‭ ‬سالمًا،‭ ‬لكن‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬حاضرًا‭: ‬كم‭ ‬طفلًا‭ ‬آخر‭ ‬يعيش‭ ‬الخوف‭ ‬بصمت،‭ ‬لأن‭ ‬الكبار‭ ‬لم‭ ‬يستطيعوا‭ ‬أن‭ ‬يفصلوا‭ ‬بين‭ ‬خلافاتهم‭ ‬وحق‭ ‬أبنائهم‭ ‬في‭ ‬الأمان؟‭.‬

الأبناء‭ ‬لا‭ ‬يختارون‭ ‬الطلاق‭.. ‬فلا‭ ‬تجعلوهم‭ ‬يدفعون‭ ‬ثمنه‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى