مرايا

سعاد‭.. ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬العنف

زاهية‭ ‬المنفي‭ ‬

لم‭ ‬يعد‭ ‬العنفُ‭ ‬ضد‭ ‬المرأة‭ ‬حادثًا‭ ‬عابرًا‭ ‬يمكن‭ ‬اختزاله‭ ‬في‭ ‬خلاف‭ ‬عائلي،‭ ‬أو‭ ‬واقعة‭ ‬خاصة،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬قضيةً‭ ‬تمس‭ ‬كرامة‭ ‬الإنسان‭ ‬وأمن‭ ‬المجتمع،‭ ‬وتستوجب‭ ‬موقفًا‭ ‬واضحًا‭ ‬من‭ ‬الدولة‭ ‬والقانون‭ ‬والمجتمع‭.‬

ومن‭ ‬مدينة‭ ‬طبرق،‭ ‬تبرز‭ ‬قضية‭ ‬‮«‬سعاد‭ ‬الفسي‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تعرضتْ،‭ -‬وفق‭ ‬ما‭ ‬تم‭ ‬تداوله‭-‬،‭ ‬لاعتداء‭ ‬جسدي‭ ‬بالغ‭ ‬الخطورة،‭ ‬خلّفَ‭ ‬إصابات‭ ‬شديدة‭ ‬في‭ ‬الرأس‭ ‬والوجه،‭ ‬والجسد،‭ ‬وأدى‭ ‬إلى‭ ‬فقدانها‭ ‬عينها‭ ‬اليسرى‭. ‬وبينما‭ ‬تبقى‭ ‬تفاصيل‭ ‬الواقعة‭ ‬ومسؤولياتها‭ ‬من‭ ‬اختصاص‭ ‬الجهات‭ ‬القضائية‭ ‬والتحقيقات‭ ‬الرسمية،‭ ‬فإن‭ ‬حجم‭ ‬الإصابات‭ ‬وحده‭ ‬يفرض‭ ‬ضرورة‭ ‬التعامل‭ ‬معها‭ ‬بمنتهى‭ ‬الجدية‭.‬

الأخطر‭ ‬من‭ ‬الاعتداء‭ ‬نفسه‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬تتحوَّل‭ ‬معاناة‭ ‬الضحية‭ ‬إلى‭ ‬مساحة‭ ‬للروايات‭ ‬والتبريرات،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬يُطلب‭ ‬من‭ ‬المرأة‭ ‬الصمت‭ ‬حفاظًا‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬‮«‬ستر‭ ‬العائلة‮»‬‭. ‬فالصمتُ‭ ‬لا‭ ‬يحمي‭ ‬الضحية،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬يمنح‭ ‬المعتدي‭ ‬فرصةً‭ ‬لتكرار‭ ‬فعله،‭ ‬ويكرس‭ ‬ثقافة‭ ‬الإفلات‭ ‬من‭ ‬العقاب‭.‬

المرأةُ‭ ‬التي‭ ‬تتعرَّض‭ ‬للعنف‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬الحماية،‭ ‬والرعاية،‭ ‬والإنصاف،‭ ‬وضمان‭ ‬حقها‭ ‬الكامل‭ ‬في‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬العدالة،‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬التشهير،‭ ‬أو‭ ‬الضغط،‭ ‬أو‭ ‬تحميلها‭ ‬مسؤولية‭ ‬ما‭ ‬تعرضتْ‭ ‬له‭.‬

إن‭ ‬قضية‭ ‬‮«‬سعاد‮»‬‭ ‬يجب‭ ‬ألا‭ ‬تُختزل‭ ‬في‭ ‬منشور‭ ‬تضامني‭ ‬ينتهي‭ ‬بانتهاء‭ ‬التفاعل‭ ‬معه،‭ ‬بل‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬مناسبة‭ ‬لفتح‭ ‬نقاش‭ ‬جاد‭ ‬حول‭ ‬غياب‭ ‬منظومة‭ ‬متكاملة‭ ‬لحماية‭ ‬النساء‭ ‬من‭ ‬العنف،‭ ‬وضرورة‭ ‬سن‭ ‬قانون‭ ‬شامل‭ ‬يجرّم‭ ‬العنف‭ ‬ضد‭ ‬المرأة،‭ ‬ويوفر‭ ‬آليات‭ ‬واضحة‭ ‬للحماية‭ ‬والمساءلة‭.‬

‮«‬سعاد‮»‬‭ ‬ليست‭ ‬وحدها،‭ ‬وكل‭ ‬امرأة‭ ‬تتعرَّض‭ ‬للعنف‭ ‬ليست‭ ‬مطالبة‭ ‬بالصمت‭.‬

فالعدالة‭ ‬لا‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬قاعة‭ ‬المحكمة‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬رفض‭ ‬المجتمع‭ ‬تبرير‭ ‬العنف،‭ ‬ومن‭ ‬إعلاء‭ ‬قيمة‭ ‬الإنسان،‭ ‬ومن‭ ‬التأكيد‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬فوق‭ ‬القانون،‭ ‬ولا‭ ‬عائلة‭ ‬فوق‭ ‬العدالة‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى