ثقافة

نجيب الحصادي.. حين يصبح السؤال مشروعاً

مفتاح ميلود

الراحل‭ ‬نجيب‭ ‬الحصادي‭ ‬لم‭ ‬يكتفِ‭ ‬يومًا‭ ‬بأن‭ ‬يكون‭ ‬فيلسوفًا‭ ‬يضيف‭ ‬رأيًا‭ ‬إلى‭ ‬تاريخ‭ ‬الأفكار،‭ ‬ولا‭ ‬أستاذًا‭ ‬جامعيًا‭ ‬يؤدي‭ ‬مهمته‭ ‬في‭ ‬التدريس،‭ ‬كان‭ ‬مشغولاً‭ ‬بما‭ ‬يسبق‭ ‬الأفكار‭ ‬كلها‭: ‬كيف‭ ‬يتكوّن‭ ‬الحكم‭ ‬في‭ ‬أذهاننا؟‭ ‬وكيف‭ ‬نعرف‭ ‬أننا‭ ‬لا‭ ‬نخدع‭ ‬أنفسنا‭ ‬ونحن‭ ‬نظن‭ ‬أننا‭ ‬نعرف؟‭.‬

عاد‭ ‬إلى‭ ‬ليبيا‭ ‬بعد‭ ‬تكوين‭ ‬أكاديمي‭ ‬رفيع‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬حاملاً‭ ‬سؤال‭ ‬العقلانية‭ ‬العلمية،‭ ‬ثم‭ ‬أخذ‭ ‬السؤال‭ ‬يتسع‭ ‬في‭ ‬تجربته،‭ ‬حتى‭ ‬خرج‭ ‬من‭ ‬حدود‭ ‬فلسفة‭ ‬العلم‭ ‬إلى‭ ‬الأخلاق‭ ‬والهوية‭ ‬والآخر‭ ‬والعيش‭ ‬المشترك‭ ‬وقضايا‭ ‬المجتمع،‭ ‬في‭ ‬بحثٍ‭ ‬مستمر‭ ‬عن‭ ‬الشروط‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬الإنسان‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬الفهم،‭ ‬وأقل‭ ‬استعدادًا‭ ‬للوقوع‭ ‬في‭ ‬أسر‭ ‬الوهم‭.‬

من‭ ‬أبرز‭ ‬أعماله‭ ‬كتاب‭ )‬حساسات‭ ‬التفكير‭ ‬الناقد‭: ‬المفهومية،‭ ‬واللغوية،‭ ‬والمنطقية‭(‬،‭ ‬الذي‭ ‬يمثل‭ ‬واحدًا‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬أعماله‭ ‬التصاقًا‭ ‬بمشروعه‭ ‬في‭ ‬تأسيس‭ ‬التفكير‭ ‬الناقد‭ ‬بوصفه‭ ‬ممارسة‭ ‬عقلية‭ ‬ومنهجاً‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الأفكار‭ ‬واللغة‭ ‬والحجج‭. ‬كما‭ ‬كتب‭ ‬في‭ ‬فلسفة‭ ‬العلم‭ ‬والعقلانية‭ ‬العلمية،‭ ‬واشتغل‭ ‬على‭ ‬قضايا‭ ‬المنطق‭ ‬والحجاج،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬اهتمامه‭ ‬بالفلسفة‭ ‬الأخلاقية‭ ‬والأسئلة‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالهوية‭ ‬والمجتمع‭ ‬والعيش‭ ‬المشترك‭.‬

لم‭ ‬يقتصر‭ ‬عطاؤه‭ ‬على‭ ‬التأليف،‭ ‬إذ‭ ‬شمل‭ ‬الترجمة‭ ‬والتحقيق‭ ‬والبحث‭ ‬الأكاديمي‭ ‬والمقالات‭ ‬الفكرية‭ ‬والمحاضرات‭ ‬والندوات،‭ ‬وهي‭ ‬مجالات‭ ‬أتاحت‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬يخرج‭ ‬بالفلسفة‭ ‬من‭ ‬حدود‭ ‬المتخصصين‭ ‬إلى‭ ‬فضاء‭ ‬أوسع‭. ‬تعامل‭ ‬مع‭ ‬الفلسفة‭ ‬باعتبارها‭ ‬أداة‭ ‬لفحص‭ ‬الواقع‭ ‬ومساءلة‭ ‬المسلمات‭. ‬وفي‭ ‬المجال‭ ‬الأكاديمي،‭ ‬ارتبط‭ ‬اسمه‭ ‬بالتدريس‭ ‬والبحث‭ ‬والإشراف‭ ‬العلمي،‭ ‬وأسهم‭ ‬في‭ ‬تكوين‭ ‬أجيال‭ ‬من‭ ‬الطلاب‭ ‬والباحثين،‭ ‬كما‭ ‬شارك‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬الثقافية‭ ‬والفكرية‭ ‬الليبية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬المحاضرات‭ ‬والحوارات‭ ‬والمقالات‭ ‬والمبادرات‭ ‬المعرفية‭.‬

وكان‭ ‬التفكير‭ ‬الناقد‭ ‬الخيط‭ ‬الأكثر‭ ‬حضوراً‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأنشطة،‭ ‬باعتباره‭ ‬مدخلاً‭ ‬إلى‭ ‬تكوين‭ ‬شخصية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬التمييز‭ ‬والتحليل‭ ‬وفحص‭ ‬الادعاءات،‭ ‬ولا‭ ‬تأخذ‭ ‬الأفكار‭ ‬لمجرد‭ ‬شيوعها‭.‬

أما‭ ‬مشروعه‭ ‬الأوسع،‭ ‬فيمكن‭ ‬اختصاره‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬نقل‭ ‬التفكير‭ ‬من‭ ‬كونه‭ ‬اختصاصًا‭ ‬أكاديميًا‭ ‬إلى‭ ‬كونه‭ ‬ثقافة‭ ‬عامة‭.‬

ومن‭ ‬هذه‭ ‬الزاوية‭ ‬تأتي‭ ‬أهمية‭ ‬إنشاء‭ ‬مركز‭ ‬نجيب‭ ‬الحصادي‭ ‬للتفكير‭ ‬الناقد‭ ‬بعد‭ ‬رحيله،‭ ‬فالمشروع‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬بتخليد‭ ‬اسم‭ ‬عالم،‭ ‬أو‭ ‬مفكر،‭ ‬وإنما‭ ‬بتحويل‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬انشغالاته‭ ‬الفكرية‭ ‬إلى‭ ‬مؤسسة‭ ‬تستمر‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬والتدريب‭ ‬والنقاش‭ ‬ونشر‭ ‬ثقافة‭ ‬التفكير‭ ‬الناقد‭. ‬ولعل‭ ‬أعمال‭ ‬الحصادي‭ ‬لا‭ ‬تُقرأ‭ ‬منفصلة‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الهمّ‭ ‬المركزي‭: ‬تحرير‭ ‬العقل‭ ‬من‭ ‬التسرع‭ ‬في‭ ‬الحكم،‭ ‬ومن‭ ‬أسر‭ ‬المسلمات،‭ ‬ومن‭ ‬الخلط‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬نرغب‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬صحيحًا‭ ‬وما‭ ‬تثبته‭ ‬الأدلة‭. ‬لذلك،‭ ‬ربما‭ ‬كان‭ ‬أهم‭ ‬ما‭ ‬خلّفه‭ ‬الحصادي‭ ‬ليس‭ ‬كتابًا‭ ‬بعينه،‭ ‬وإنما‭ ‬ذلك‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬ظل‭ ‬يتردد‭ ‬خلف‭ ‬أعماله‭ ‬جميعاً‭: ‬كيف‭ ‬نفكر‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬أفضل؟‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى