ثقافة

محمد بوسويق.. ترحل الذاكرة ويبقى أثرها

مفتاح ميلود

كأنَّ‭ ‬شيئًا‭ ‬من‭ ‬المكان‭ ‬نفسه‭ ‬ينقص،‭ ‬وكأنَّ‭ ‬المدينة‭ ‬فقدتْ‭ ‬نافذة‭ ‬كانتْ‭ ‬تطل‭ ‬منها‭ ‬على‭ ‬زمنها‭ ‬البعيد‭. ‬هكذا‭ ‬بدا‭ ‬رحيل‭ ‬الأستاذ‭ ‬محمد‭ ‬بوسويق‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬البيضاء‭ ‬والجبل‭ ‬الأخضر،‭ ‬غياب‭ ‬رجلٍ‭ ‬لم‭ ‬يعش‭ ‬على‭ ‬هامش‭ ‬مدينته،‭ ‬كان‭ ‬واحدًا‭ ‬من‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬تركوا‭ ‬فيها‭ ‬شيئاً‭ ‬من‭ ‬أعمارهم،‭ ‬ومن‭ ‬ذاكرتهم،‭ ‬ومن‭ ‬صورتها‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تُرى‭ ‬إلا‭ ‬بعين‭ ‬من‭ ‬عاشها‭.‬

كان‭ ‬بوسويق‭ ‬المعلم‭ ‬والتربوي،‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬فرصة‭ ‬لتكوين‭ ‬الإنسان،‭ ‬لذلك‭ ‬بقي‭ ‬أثره‭ ‬في‭ ‬نفوس‭ ‬تلاميذه‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬درسٍ‭ ‬أو‭ ‬معلومة‭. ‬كان‭ ‬يعلّم‭ ‬بما‭ ‬يقوله،‭ ‬وبما‭ ‬يفعله،‭ ‬وبذلك‭ ‬الوقار‭ ‬الهادئ‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬المربي‭ ‬حاضراً‭ ‬حتى‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يغادر‭ ‬الفصل‭.‬

ثم‭ ‬أخذته‭ ‬الكلمة‭ ‬إلى‭ ‬الصحافة،‭ ‬فوجد‭ ‬فيها‭ ‬ميداناً‭ ‬آخر‭ ‬لخدمة‭ ‬المكان،‭ ‬عبر‭ ‬صفحات‭ ‬‮«‬أخبار‭ ‬الجبل‮»‬،‭ ‬و«الشلال‮»‬،‭ ‬وعبر‭ ‬أثير‭ ‬‮«‬إذاعة‭ ‬الجبل‭ ‬الأخضر‭ ‬المحلية‮»‬،‭ ‬ظل‭ ‬قريباً‭ ‬من‭ ‬نبض‭ ‬النَّاس‭ ‬وأسئلتهم،‭ ‬مؤمناً‭ ‬بأن‭ ‬الصحافة‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬أخبار‭ ‬تُكتب،‭ ‬وإنما‭ ‬ذاكرة‭ ‬يومية‭ ‬لمدينة‭ ‬تتغير‭ ‬وتحتاج‭ ‬من‭ ‬يصغي‭ ‬إلى‭ ‬تحولاتها‭.‬

ولعل‭ ‬أجمل‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬تجربته‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يكتفِ‭ ‬بأن‭ ‬يعيش‭ ‬تاريخ‭ ‬البيضاء،‭ ‬إذ‭ ‬حاول‭ ‬أن‭ ‬ينقذه‭ ‬من‭ ‬النسيان‭. ‬كان‭ ‬يجمع‭ ‬الوثيقة،‭ ‬ويتتبع‭ ‬الأسماء‭ ‬والتواريخ،‭ ‬ويصغي‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬بقي‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬الشعبية‭ ‬من‭ ‬حكايات‭ ‬المكان‭. ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬الوفاء‭ ‬نشأ‭ ‬رصيد‭ ‬من‭ ‬المقالات‭ ‬التي‭ ‬ستظل،‭ ‬بعد‭ ‬رحيله،‭ ‬تؤدي‭ ‬عنه‭ ‬بعض‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يفعله‭ ‬حياً‭: ‬أن‭ ‬تقول‭ ‬للآتين‭ ‬بعدنا‭ ‬إن‭ ‬هنا‭ ‬أناساً‭ ‬مرّوا،‭ ‬وأحبوا،‭ ‬وعملوا،‭ ‬وتركوا‭ ‬أثراً‭.‬

كان‭ ‬بوسويق‭ ‬حاضراً‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬العامة‭ ‬دون‭ ‬ضجيج‭. ‬في‭ ‬المجالس‭ ‬الثقافية،‭ ‬والأنشطة‭ ‬الأدبية،‭ ‬و«نادي‭ ‬الأخضر‮»‬،‭ ‬وفي‭ ‬تفاصيل‭ ‬الحياة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬تصنع‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬صورة‭ ‬المدن‭ ‬عن‭ ‬نفسها‭. ‬عرفه‭ ‬النَّاس‭ ‬بوجه‭ ‬بشوش،‭ ‬وبحضور‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬خفة‭ ‬الروح‭ ‬ورصانة‭ ‬التجربة‭.‬

الآن،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أُغلقتْ‭ ‬صحيفته‭ ‬الأخيرة،‭ ‬يبقى‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أبقى‭ ‬من‭ ‬الصحيفة‭: ‬تلاميذ‭ ‬يحملون‭ ‬شيئاً‭ ‬من‭ ‬صوته،‭ ‬وكتابات‭ ‬تحفظ‭ ‬بعضاً‭ ‬من‭ ‬ذاكرة‭ ‬المكان،‭ ‬ومدينة‭ ‬ستفتقد‭ ‬رجلاً‭ ‬كان‭ ‬يمشي‭ ‬في‭ ‬شوارعها‭ ‬كمن‭ ‬يعرف‭ ‬سرّها‭.‬

رحل‭ ‬محمد‭ ‬بوسويق،‭ ‬لكن‭ ‬بعض‭ ‬الناس‭ ‬لا‭ ‬يغادرون‭ ‬تماماً‭. ‬يتركون‭ ‬خلفهم‭ ‬ما‭ ‬يكفي‭ ‬لكي‭ ‬تستمر‭ ‬سيرتهم‭ ‬في‭ ‬الكلام،‭ ‬وفي‭ ‬الورق،‭ ‬وفي‭ ‬ذاكرة‭ ‬الذين‭ ‬عرفوهم‭. ‬وربما‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬أجمل‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يناله‭ ‬إنسان‭ ‬أفنى‭ ‬عمره‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬والكلمة‭ ‬وحفظ‭ ‬الذاكرة‭: ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬غيابه،‭ ‬مع‭ ‬الوقت،‭ ‬إلى‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬ذاكرة‭ ‬الآخرين‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى