رأي

شريان الحياة تحت التهديد نحو مظلة تشريعية تحمي النهر الصناعي

عثمان القاجيجي

لم‭ ‬يعد‭ ‬الاعتداء‭ ‬المتكرر‭ ‬على‭ ‬منظومة‭ ‬النهر‭ ‬الصناعي‭ ‬مجرد‭ ‬مخالفات‭ ‬عابرة،‭ ‬بل‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬استنزاف‭ ‬يومي‭ ‬يهدد‭ ‬شريان‭ ‬البقاء‭ ‬الأساسي‭ ‬في‭ ‬ليبيا؛‭ ‬حيث‭ ‬تعتمد‭ ‬الغالبية‭ ‬العظمى‭ ‬من‭ ‬السكان‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الإنجاز‭ ‬لتأمين‭ ‬مياه‭ ‬الشرب‭. ‬إن‭ ‬المساس‭ ‬بمكونات‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬ليس‭ ‬تعدياً‭ ‬على‭ ‬مرفق‭ ‬خدمي‭ ‬تقليدي،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬تهديد‭ ‬صريح‭ ‬ومباشر‭ ‬للأمن‭ ‬القومي‭ ‬والاستقرار‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬واعتداء‭ ‬على‭ ‬الحق‭ ‬الإنساني‭ ‬الأول‭ ‬في‭ ‬الحياة‭. ‬وتتجلى‭ ‬خطورة‭ ‬المشهد‭ ‬في‭ ‬اتساع‭ ‬رقعة‭ ‬التجاوزات‭ ‬وتنوعها‭ ‬بصورة‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة؛‭ ‬من‭ ‬فتحات‭ ‬عشوائية‭ ‬تُحدث‭ ‬ثقوباً‭ ‬في‭ ‬الأنابيب‭ ‬الضخمة‭ ‬لري‭ ‬المزارع‭ ‬والمشاريع‭ ‬التجارية‭ ‬دون‭ ‬ترخيص،‭ ‬إلى‭ ‬التخريب‭ ‬المتعمد‭ ‬لصمامات‭ ‬التحكم‭ ‬وغرف‭ ‬الضغط،‭ ‬والنهب‭ ‬المنظم‭ ‬للكوابل‭ ‬والمحولات‭ ‬المغذية‭ ‬لآبار‭ ‬الصحراء‭. ‬يُضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬الزحف‭ ‬العمراني‭ ‬الجائر‭ ‬على‭ ‬حُرمات‭ ‬مسارات‭ ‬النقل،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعطل‭ ‬أعمال‭ ‬الصيانة‭ ‬الطارئة‭ ‬وينذر‭ ‬بانهيارات‭ ‬هيدروليكية‭ ‬كارثية‭ ‬تحت‭ ‬المباني‭ ‬المشيدة‭ ‬بالمخالفة‭. ‬تكمن‭ ‬المفارقة‭ ‬الصادمة‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬هذا‭ ‬التدمير‭ ‬المنظم‭ ‬بأدوات‭ ‬قانونية‭ ‬تقليدية‭ ‬بالية؛‭ ‬فالتعامل‭ ‬مع‭ ‬نهب‭ ‬المياه‭ ‬الحيوية‭ ‬أو‭ ‬إتلاف‭ ‬المحطات‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬كجنح‭ ‬سرقة‭ ‬بسيطة‭ ‬أو‭ ‬إتلاف‭ ‬مال‭ ‬عام،‭ ‬أفرغ‭ ‬العقاب‭ ‬من‭ ‬غايته‭ ‬وأشاع‭ ‬بيئة‭ ‬من‭ ‬الإفلات‭ ‬من‭ ‬المحاسبة‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الاعتماد‭ ‬الحصري‭ ‬على‭ ‬حملات‭ ‬الإزالة‭ ‬الأمنية‭ ‬المؤقتة‭ ‬يظل‭ ‬مسكّناً‭ ‬محدود‭ ‬الأثر،‭ ‬إذ‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬تعود‭ ‬التعديات‭ ‬بمجرد‭ ‬مغادرة‭ ‬الفرق‭ ‬الميدانية،‭ ‬مستغلة‭ ‬غياب‭ ‬نص‭ ‬قانوني‭ ‬نوعي‭ ‬يواكب‭ ‬جسامة‭ ‬هذا‭ ‬الخطر‭. ‬إن‭ ‬حماية‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬أمننا‭ ‬المائي‭ ‬تقتضي‭ ‬تحركاً‭ ‬برلمانياً‭ ‬وحكومياً‭ ‬عاجلاً‭ ‬لسنّ‭ ‬قانون‭ ‬وطني‭ ‬خاص‭ ‬بحماية‭ ‬منظومة‭ ‬النهر‭ ‬الصناعي‭. ‬تشريعٌ‭ ‬يُخرج‭ ‬هذه‭ ‬الجرائم‭ ‬من‭ ‬دائرة‭ ‬الجنح‭ ‬إلى‭ ‬مصاف‭ ‬الجنايات‭ ‬الكبرى‭ ‬الماسة‭ ‬بسلامة‭ ‬الدولة،‭ ‬ويمنح‭ ‬الأجهزة‭ ‬الفنية‭ ‬والأمنية‭ ‬صلاحيات‭ ‬ضبط‭ ‬وحماية‭ ‬مطلقة‭ ‬تضع‭ ‬حداً‭ ‬للعبث‭. ‬إن‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬تأخير‭ ‬في‭ ‬توفير‭ ‬هذا‭ ‬الغطاء‭ ‬القانوني‭ ‬الرادع‭ ‬هو‭ ‬خطوة‭ ‬إضافية‭ ‬نحو‭ ‬كارثة‭ ‬عطش‭ ‬لا‭ ‬رجعة‭ ‬فيها،‭ ‬فصون‭ ‬شريان‭ ‬الماء‭ ‬في‭ ‬باطن‭ ‬الأرض‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬حماية‭ ‬حدود‭ ‬الوطن‭ ‬وسيادته‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى