
لم يعد الاعتداء المتكرر على منظومة النهر الصناعي مجرد مخالفات عابرة، بل تحول إلى استنزاف يومي يهدد شريان البقاء الأساسي في ليبيا؛ حيث تعتمد الغالبية العظمى من السكان على هذا الإنجاز لتأمين مياه الشرب. إن المساس بمكونات هذا المشروع ليس تعدياً على مرفق خدمي تقليدي، بل هو تهديد صريح ومباشر للأمن القومي والاستقرار الاجتماعي، واعتداء على الحق الإنساني الأول في الحياة. وتتجلى خطورة المشهد في اتساع رقعة التجاوزات وتنوعها بصورة غير مسبوقة؛ من فتحات عشوائية تُحدث ثقوباً في الأنابيب الضخمة لري المزارع والمشاريع التجارية دون ترخيص، إلى التخريب المتعمد لصمامات التحكم وغرف الضغط، والنهب المنظم للكوابل والمحولات المغذية لآبار الصحراء. يُضاف إلى ذلك الزحف العمراني الجائر على حُرمات مسارات النقل، وهو ما يعطل أعمال الصيانة الطارئة وينذر بانهيارات هيدروليكية كارثية تحت المباني المشيدة بالمخالفة. تكمن المفارقة الصادمة في مواجهة هذا التدمير المنظم بأدوات قانونية تقليدية بالية؛ فالتعامل مع نهب المياه الحيوية أو إتلاف المحطات الاستراتيجية، كجنح سرقة بسيطة أو إتلاف مال عام، أفرغ العقاب من غايته وأشاع بيئة من الإفلات من المحاسبة. كما أن الاعتماد الحصري على حملات الإزالة الأمنية المؤقتة يظل مسكّناً محدود الأثر، إذ سرعان ما تعود التعديات بمجرد مغادرة الفرق الميدانية، مستغلة غياب نص قانوني نوعي يواكب جسامة هذا الخطر. إن حماية ما تبقى من أمننا المائي تقتضي تحركاً برلمانياً وحكومياً عاجلاً لسنّ قانون وطني خاص بحماية منظومة النهر الصناعي. تشريعٌ يُخرج هذه الجرائم من دائرة الجنح إلى مصاف الجنايات الكبرى الماسة بسلامة الدولة، ويمنح الأجهزة الفنية والأمنية صلاحيات ضبط وحماية مطلقة تضع حداً للعبث. إن كل يوم تأخير في توفير هذا الغطاء القانوني الرادع هو خطوة إضافية نحو كارثة عطش لا رجعة فيها، فصون شريان الماء في باطن الأرض لا يقل أهمية عن حماية حدود الوطن وسيادته.

