
رثاء الحجر والذاكرة:
قراءة نقدية في العمارة المفقودة لجامع سيدي
تقف الشواهد المعمارية في المدن العريقة كصفحات حية تُقرأ من خلالها تواريخ الأمم وتحولاتها، وفي قلب طرابلس، وتحديداً في ميدان الشهداء، كانت هناك صفحة معمارية ناطقة تجسدت في جامع سيدي حمودة، لم يكن هذا الصرح الذي شُيد عام 1922 مجرد مساحة للعبادة، بل كان كياناً حياً يربط بين الذاكرة الروحية والتخطيط الحضري للمدينة، قبل أن تطاله يد المحو في نهايات السبعينيات. إن النظرة التشريحية والنقدية لهذا المعلم تحتم علينا الغوص في تكوينه الهندسي. بُني الجامع بأسلوب معماري يعكس التزاوج بين الأصالة الإسلامية لشمال إفريقيا ومقتضيات التحديث الحضري، لقد اعتمد البناء في أساساته وهيكله على مواد خام محلية أصيلة؛ حيث استُخدم الحجر الجيري الصلب، والأخشاب المتينة في الأسقف والدعامات، إضافة إلى الملاط التقليدي الذي يمنح الجدران قدرة فائقة على التنفس ومقاومة عوامل الرطوبة والزمن. إن سر بقاء هذا المبنى وصموده خلال فترة الحكم الإيطالي وما بعدها، لم يكن يكمن فقط في متانة هذه المواد الأولية التي شُكلت بأيدي حرفيين مهرة، بل في عبقرية التصميم الذي جعله يتواءم بانسيابية مع تخطيط الميدان (ميدان إيطاليا آنذاك)، محتفظاً بهيبته ووقاره كمركز ديني وثقافي، لا سيما بعد أن أُضيفت إليه مكتبة الأوقاف الحديثة. من الناحية التاريخية والاجتماعية، استمد المكان رمزيته من سيدي حمودة، ذلك الرجل الصوفي العابد الذي مثّل صوتاً مؤثراً في الأوساط الطرابلسية، وتجاوز دوره الوعظ الديني إلى التأثير في الحراك الاقتصادي والاجتماعي، كدعوته الصريحة للأهالي بمقاطعة اليهود وعدم التعامل معهم في تلك الحقبة. وقد أضفى مقتله الغامض ذبحاً، ثم دفنه في ذلك الموقع الذي أصبح يحمل اسمه، هالة من القدسية والارتباط الوجداني العميق بين أهالي طرابلس وهذا الأثر. وهنا يبرز الجرح النقدي الأعمق عند الحديث عن دور الجهات المعنية ومؤسسات الحفاظ على التراث، إن مشهد انهيار الأقواس الحجرية، وتناثر الأخشاب التاريخية، وتحول الجدران الشاهقة إلى ركام متداخل من الأنقاض في عام 1978 لصالح إنشاء الساحة الخضراء، يمثل فاجعة معمارية وتاريخية. إن وظيفة الجهات المسؤولة عن التخطيط العمراني لا تقتصر على شق الطرق وتوسعة الساحات، بل إن مسؤوليتها الأولى هي حراسة الذاكرة. لقد كان هدم جامع سيدي حمودة، وضريحه، ومكتبته، بمثابة تغليبٍ متعسف لرؤية التحديث الجامدة على حساب الهوية الحضارية، إن انهيار هذا النسيج العمراني هو رسالة قاسية تذكرنا بأن الحجارة إذا ما هُدمت لا يمكن استعادتها، وأن الأثر المعماري ليس مجرد كتلة من الحجر والخشب يمكن إزالتها وتسهيل أرضها، بل هو شاهد حي على حقبة زمنية، واغتياله يعادل اغتيال جزء من الهوية البصرية والتاريخية لمدينة طرابلس.



