التراثية

معالــــــم حضــارية

منى بن هيبة

رثاء‭ ‬الحجر‭ ‬والذاكرة‭: ‬

قراءة‭ ‬نقدية‭ ‬في‭ ‬العمارة‭ ‬المفقودة‭ ‬لجامع‭ ‬سيدي‭ ‬

​تقف‭ ‬الشواهد‭ ‬المعمارية‭ ‬في‭ ‬المدن‭ ‬العريقة‭ ‬كصفحات‭ ‬حية‭ ‬تُقرأ‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬تواريخ‭ ‬الأمم‭ ‬وتحولاتها،‭ ‬وفي‭ ‬قلب‭ ‬طرابلس،‭ ‬وتحديداً‭ ‬في‭ ‬ميدان‭ ‬الشهداء،‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬صفحة‭ ‬معمارية‭ ‬ناطقة‭ ‬تجسدت‭ ‬في‭ ‬جامع‭ ‬سيدي‭ ‬حمودة،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هذا‭ ‬الصرح‭ ‬الذي‭ ‬شُيد‭ ‬عام‭ ‬1922‭ ‬مجرد‭ ‬مساحة‭ ‬للعبادة،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬كياناً‭ ‬حياً‭ ‬يربط‭ ‬بين‭ ‬الذاكرة‭ ‬الروحية‭ ‬والتخطيط‭ ‬الحضري‭ ‬للمدينة،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تطاله‭ ‬يد‭ ‬المحو‭ ‬في‭ ‬نهايات‭ ‬السبعينيات‭. ‬​إن‭ ‬النظرة‭ ‬التشريحية‭ ‬والنقدية‭ ‬لهذا‭ ‬المعلم‭ ‬تحتم‭ ‬علينا‭ ‬الغوص‭ ‬في‭ ‬تكوينه‭ ‬الهندسي‭. ‬بُني‭ ‬الجامع‭ ‬بأسلوب‭ ‬معماري‭ ‬يعكس‭ ‬التزاوج‭ ‬بين‭ ‬الأصالة‭ ‬الإسلامية‭ ‬لشمال‭ ‬إفريقيا‭ ‬ومقتضيات‭ ‬التحديث‭ ‬الحضري،‭ ‬لقد‭ ‬اعتمد‭ ‬البناء‭ ‬في‭ ‬أساساته‭ ‬وهيكله‭ ‬على‭ ‬مواد‭ ‬خام‭ ‬محلية‭ ‬أصيلة؛‭ ‬حيث‭ ‬استُخدم‭ ‬الحجر‭ ‬الجيري‭ ‬الصلب،‭ ‬والأخشاب‭ ‬المتينة‭ ‬في‭ ‬الأسقف‭ ‬والدعامات،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬الملاط‭ ‬التقليدي‭ ‬الذي‭ ‬يمنح‭ ‬الجدران‭ ‬قدرة‭ ‬فائقة‭ ‬على‭ ‬التنفس‭ ‬ومقاومة‭ ‬عوامل‭ ‬الرطوبة‭ ‬والزمن‭. ‬إن‭ ‬سر‭ ‬بقاء‭ ‬هذا‭ ‬المبنى‭ ‬وصموده‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬الحكم‭ ‬الإيطالي‭ ‬وما‭ ‬بعدها،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يكمن‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬متانة‭ ‬هذه‭ ‬المواد‭ ‬الأولية‭ ‬التي‭ ‬شُكلت‭ ‬بأيدي‭ ‬حرفيين‭ ‬مهرة،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬عبقرية‭ ‬التصميم‭ ‬الذي‭ ‬جعله‭ ‬يتواءم‭ ‬بانسيابية‭ ‬مع‭ ‬تخطيط‭ ‬الميدان‭ (‬ميدان‭ ‬إيطاليا‭ ‬آنذاك‭)‬،‭ ‬محتفظاً‭ ‬بهيبته‭ ‬ووقاره‭ ‬كمركز‭ ‬ديني‭ ‬وثقافي،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أُضيفت‭ ‬إليه‭ ‬مكتبة‭ ‬الأوقاف‭ ‬الحديثة‭. ‬​من‭ ‬الناحية‭ ‬التاريخية‭ ‬والاجتماعية،‭ ‬استمد‭ ‬المكان‭ ‬رمزيته‭ ‬من‭ ‬سيدي‭ ‬حمودة،‭ ‬ذلك‭ ‬الرجل‭ ‬الصوفي‭ ‬العابد‭ ‬الذي‭ ‬مثّل‭ ‬صوتاً‭ ‬مؤثراً‭ ‬في‭ ‬الأوساط‭ ‬الطرابلسية،‭ ‬وتجاوز‭ ‬دوره‭ ‬الوعظ‭ ‬الديني‭ ‬إلى‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬الحراك‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاجتماعي،‭ ‬كدعوته‭ ‬الصريحة‭ ‬للأهالي‭ ‬بمقاطعة‭ ‬اليهود‭ ‬وعدم‭ ‬التعامل‭ ‬معهم‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الحقبة‭. ‬وقد‭ ‬أضفى‭ ‬مقتله‭ ‬الغامض‭ ‬ذبحاً،‭ ‬ثم‭ ‬دفنه‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الموقع‭ ‬الذي‭ ‬أصبح‭ ‬يحمل‭ ‬اسمه،‭ ‬هالة‭ ‬من‭ ‬القدسية‭ ‬والارتباط‭ ‬الوجداني‭ ‬العميق‭ ‬بين‭ ‬أهالي‭ ‬طرابلس‭ ‬وهذا‭ ‬الأثر‭. ‬​وهنا‭ ‬يبرز‭ ‬الجرح‭ ‬النقدي‭ ‬الأعمق‭ ‬عند‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬دور‭ ‬الجهات‭ ‬المعنية‭ ‬ومؤسسات‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬التراث،‭ ‬إن‭ ‬مشهد‭ ‬انهيار‭ ‬الأقواس‭ ‬الحجرية،‭ ‬وتناثر‭ ‬الأخشاب‭ ‬التاريخية،‭ ‬وتحول‭ ‬الجدران‭ ‬الشاهقة‭ ‬إلى‭ ‬ركام‭ ‬متداخل‭ ‬من‭ ‬الأنقاض‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1978‭ ‬لصالح‭ ‬إنشاء‭ ‬الساحة‭ ‬الخضراء،‭ ‬يمثل‭ ‬فاجعة‭ ‬معمارية‭ ‬وتاريخية‭. ‬إن‭ ‬وظيفة‭ ‬الجهات‭ ‬المسؤولة‭ ‬عن‭ ‬التخطيط‭ ‬العمراني‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬شق‭ ‬الطرق‭ ‬وتوسعة‭ ‬الساحات،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬مسؤوليتها‭ ‬الأولى‭ ‬هي‭ ‬حراسة‭ ‬الذاكرة‭. ‬​لقد‭ ‬كان‭ ‬هدم‭ ‬جامع‭ ‬سيدي‭ ‬حمودة،‭ ‬وضريحه،‭ ‬ومكتبته،‭ ‬بمثابة‭ ‬تغليبٍ‭ ‬متعسف‭ ‬لرؤية‭ ‬التحديث‭ ‬الجامدة‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الهوية‭ ‬الحضارية،‭ ‬إن‭ ‬انهيار‭ ‬هذا‭ ‬النسيج‭ ‬العمراني‭ ‬هو‭ ‬رسالة‭ ‬قاسية‭ ‬تذكرنا‭ ‬بأن‭ ‬الحجارة‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬هُدمت‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬استعادتها،‭ ‬وأن‭ ‬الأثر‭ ‬المعماري‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬كتلة‭ ‬من‭ ‬الحجر‭ ‬والخشب‭ ‬يمكن‭ ‬إزالتها‭ ‬وتسهيل‭ ‬أرضها،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬شاهد‭ ‬حي‭ ‬على‭ ‬حقبة‭ ‬زمنية،‭ ‬واغتياله‭ ‬يعادل‭ ‬اغتيال‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الهوية‭ ‬البصرية‭ ‬والتاريخية‭ ‬لمدينة‭ ‬طرابلس‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى