ثقافة

المثقف‭ ‬الليبي‭ ‬يقول‭ ‬كلمته  الكتاب‭ ‬الليبي‭ ‬بين‭ ‬أزمة‭ ‬النشر‭ ‬ومسؤولية‭ ‬المؤسسات

مفتاح ميلود

سلسلة استطلاعات ثقافية حول أسئلة المشهد الثقافي الليبي

لا‭ ‬تكتمل‭ ‬رحلة‭ ‬الكتاب‭ ‬بمجرد‭ ‬أن‭ ‬يكتب‭ ‬صاحبه‭ ‬نصه؛‭ ‬فهناك‭ ‬مراحل‭ ‬الطباعة‭ ‬والنشر‭ ‬والتوزيع‭ ‬والوصول‭ ‬إلى‭ ‬القارئ‭. ‬وقد‭ ‬ظل‭ ‬الكتاب‭ ‬الليبي‭ ‬يواجه،‭ ‬بدرجات‭ ‬متفاوتة،‭ ‬تحديات‭ ‬تتصل‭ ‬بهذه‭ ‬المراحل،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬محدودية‭ ‬إمكانات‭ ‬النشر‭ ‬وتفاوت‭ ‬أدوار‭ ‬المؤسسات‭ ‬الثقافية‭ ‬ودور‭ ‬النشر‭ ‬والمبادرات‭ ‬الخاصة‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬التحولات‭ ‬التي‭ ‬يشهدها‭ ‬عالم‭ ‬النشر،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬النشر‭ ‬الإلكتروني‭ ‬والكتب‭ ‬الرقمية،‭ ‬تطرح‭ ‬بدورها‭ ‬أسئلة‭ ‬جديدة‭ ‬حول‭ ‬مستقبل‭ ‬الكتاب‭ ‬الليبي‭ ‬وآليات‭ ‬وصوله‭ ‬إلى‭ ‬القراء‭ ‬داخل‭ ‬ليبيا‭ ‬وخارجها‭.‬‭.‬

‭ ‬سؤال‭ ‬الاستطلاع‭: ‬في‭ ‬رأيك،‭ ‬ما‭ ‬أبرز‭ ‬ما‭ ‬يحتاجه‭ ‬الكتاب‭ ‬الليبي‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الطباعة‭ ‬والنشر،‭ ‬وما‭ ‬الذي‭ ‬ينبغي‭ ‬تغييره‭ ‬لضمان‭ ‬وصول‭ ‬النتاج‭ ‬الأدبي‭ ‬والثقافي‭ ‬إلى‭ ‬القارئ‭ ‬داخل‭ ‬ليبيا‭ ‬وخارجها؟

الصعوبات‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬حاضر‭ ‬

ومستقبل‭ ‬الكتاب‭ ‬الليبي‭ ‬كثيرة

خالد‭ ‬درويش‭ / ‬شاعر‭ ‬صدرت‭ ‬له‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الدواوين،‭ ‬وله‭ ‬مشاركات‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الفعاليات‭ ‬الثقافية‭ ‬والأدبية‭: ‬

إن‭ ‬الصعوبات‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬حاضر‭ ‬ومستقبل‭ ‬الكتاب‭ ‬الليبي‭ ‬كثيرة‭ ‬وكبيرة‭ ‬جدا،‭ ‬وستضل‭ ‬وتبقى‭ ‬وذلك‭ ‬لأسباب‭ ‬متعددة‭ ‬ومعقدة‭ ‬يتشابك‭ ‬بعضها‭ ‬مع‭ ‬بعض،‭ ‬لا‭ ‬ننكر‭ ‬وفرة‭ ‬النص‭ ‬الليبي‭ ‬وأن‭ ‬ثمة‭ ‬إنتاجا‭ ‬غزيرا‭ ‬وهذه‭ ‬سنة‭ ‬الحياة‭ ‬فالإنسان‭ ‬المبدع‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬يعبر‭ ‬ويكتب،‭ ‬وأن‭ ‬تمتلئ‭ ‬أدراجه‭ ‬بالمخطوطات‭ ‬والكتب‭ ‬والأحلام،‭ ‬لكن‭ ‬معضلة‭ ‬النشر‭ ‬أولى‭ ‬ما‭ ‬سيقابله‭ ‬إذا‭ ‬سلمنا‭ ‬بجودة‭ ‬المنتوج‭ ‬بطبيعة‭ ‬الحال،‭ ‬سيكون‭ ‬أمامه‭ ‬ثلاث‭ ‬خيارات‭ ‬الأول‭ ‬أن‭ ‬يجد‭ ‬مؤسسة‭ ‬حكومية‮ ‬‭ ‬تتبنى‭ ‬مشروعه‭ ‬وتؤمن‭ ‬به،‭ ‬وحتى‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬الوجاهة‭ ‬الثقافية‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬تؤمن‭ ‬به‭ ‬ولا‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬مؤسساتنا‭ ‬الليبية‭ ‬الثقافية‭ ‬خصوصا‭ ‬تؤمن‭ ‬بكاتب‭ ‬ليبي‭ ‬أو‭ ‬غيره،‭ ‬يكفيها‭ ‬الإيمان‭ ‬بالله‭ ‬وملائكته‭ ‬ورسله،‭ ‬الخيار‭ ‬الثاني‭ ‬أن‭ ‬يطبع‭ ‬الكتاب‭ ‬على‭ ‬نفقته‭ ‬الخاصة‭ ‬مما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬نفقةـ‭ ‬ومع‭ ‬ارتفاع‭ ‬سعر‭ ‬الورق،‭ ‬ومع‭ ‬غلاء‭ ‬المعيشة‭ ‬ومع‭ ‬أزمة‭ ‬القراءة،‭ ‬ومع‭ ‬تكهنات‭ ‬الأسواق‭ ‬الدولية‭ ‬بالإفلاس‭ ‬هل‭ ‬سيجد‭ ‬ديوان‭ ‬شعر‭ ‬او‭ ‬رواية‭ ‬او‭ ‬بحث‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى‭ ‬من‭ ‬تكاليف‭ ‬النشر،‭ ‬وسيكتفي‭ ‬المؤلف‭ ‬بطباعة‭ ‬عشر‭ ‬نسخ‭ ‬أو‭ ‬خمسين‭ ‬نسخة‭ ‬في‭ ‬أقصى‭ ‬تقدير‭ ‬وعلى‭ ‬القارئ‭ ‬الكريم‭ ‬أن‭ ‬يحترم‭ ‬هذا‭ ‬العدد‭ ‬فالخمسون‭ ‬نسخة‭ ‬ستكلف‭ ‬الكاتب‭ ‬ثروة‭ ‬صغيرة‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬الأنسب‭ ‬صرفها‭ ‬في‭ ‬غير‭ ‬هذه‭ ‬الوجهة‭ ‬اتقاء‭ ‬للعواقب‭.‬

مغامرة‭ ‬وواجب‭ ‬وطني‭ ‬وحب‭ ‬المهنة

سيظل‭ ‬أمامه‭ ‬الخيار‭ ‬الثالث‭ ‬وهو‭ ‬البطون‭ ‬الخاوية‭ ‬للناشرين‭ ‬العرب‭ ‬والناشرين‭ ‬الليبيين‭ ‬رحمهم‭ ‬الله،‭ ‬فالخطوة‭ ‬الأولى‭ ‬هي‭ ‬أنه‭ ‬سيأخذ‭ ‬منك‭ ‬المخطوط‭ ‬وسيرد‭ ‬عليك‭ ‬بعد‭ ‬أسبوعين‭ ‬بأنه‭ ‬على‭ ‬استعداد‭ ‬لنشره‭ ‬والمغامرة‭ ‬بهذا‭ ‬الواجب‭ ‬الوطني‭ ‬حبا‭ ‬في‭ ‬المهنة،‭ ‬هذه‭ ‬أكبر‭ ‬كلمة‭ ‬أكرهها‭ ‬من‭ ‬فم‭ ‬أصدقائي‭ ‬الجزارين‭ ‬أقصد‭ ‬الناشرين،‭ ‬وسيضحي‭ ‬بوقته‭ ‬وماله‭ ‬وينشر‭ ‬30‭ ‬نسخة‭ ‬كتجربة‭ ‬“والله‭ ‬لو‭ ‬مشت‭ ‬الأمور‭ ‬أهو‭ ‬PDF‮ ‬‭ ‬موجود”‭ ‬ولن‭ ‬تحلم‭ ‬بأن‭ ‬توقع‭ ‬عقدا‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كنت‭ ‬ماركيز‭ ‬ابن‭ ‬شكسبير،‭ ‬وسيعطيك‭ ‬كحقوق‭ ‬المؤلف‭ ‬مبلغ‭ ‬“‭ ‬عشر‭ ‬نسخ”‭ ‬وستشتري‭ ‬منه‭ ‬النسخ‭ ‬الباقية‭ ‬تحت‭ ‬إلحاح‭ ‬الأصدقاء‭ ‬البخلاء،‭ ‬أو‭ ‬للزينة‭ ‬في‭ ‬حفل‭ ‬توقيع‭ ‬مصطنع‭ .‬

مبدعون‭ ‬ساعدوا‭ ‬في‭ ‬ازدهار‭ ‬النشر‭ ‬قبل‭ ‬عام‭ ‬2011

د‭. ‬عبد‭ ‬الباسط‭ ‬أبو‭ ‬بكر‭ ‬محمد‭ / ‬شاعر‭ ‬وأكاديمي،‭ ‬صدرت‭ ‬له‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الدواوين،‭ ‬وله‭ ‬مشاركات‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الفعاليات‭ ‬العلمية‭ ‬والأدبية‭:‬

تشكل‭ ‬عملية‭ ‬نشر‭ ‬الأعمال‭ ‬الأدبية‭ ‬الخطوة‭ ‬الأكثر‭ ‬خطورة‭ ‬في‭ ‬العملية‭ ‬الإبداعية،‭ ‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬المبدع‭ ‬في‭ ‬المراحل‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬كتابة‭ ‬نصوصه‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬عدد‭ ‬محدود‭ ‬من‭ ‬القراء،‭ ‬فإن‭ ‬عملية‭ ‬النشر‭ ‬هي‭ ‬عملية‭ ‬إطلاق‭ ‬النصوص‭ ‬لعدد‭ ‬كبير‭ ‬ومحتمل‭ ‬من‭ ‬القراء‭. ‬أيضاً‭ ‬المبدع‭ ‬كان‭ ‬بعيد‭ ‬كل‭ ‬البعد‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬الكتابة‭ ‬الأولى‭ ‬عن‭ ‬قلق‭ ‬وتكاليف‭ ‬النشر‭ ‬والطباعة‭ ‬وظروف‭ ‬التوزيع،‭ ‬لكنه‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬أتون‭ ‬هذه‭ ‬التفاصيل‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تهدأ،‭ ‬ويتلقف‭ ‬كل‭ ‬حين‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المشاكل‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تنتهي‭. ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬قبل‭ ‬عام‭ ‬2011،‭ ‬كانت‭ ‬عملية‭ ‬النشر‭ ‬مقيدة‭ ‬بضوابط‭ ‬أمنية‭ ‬أولاً،‭ ‬يتوجب‭ ‬عليك‭ ‬توفير‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى‭ ‬منها‭ ‬لتجاوز‭ ‬الرقيب‭ ‬ومقصه‭ ‬وموانعه‭ ‬الكثيرة‭. ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يدخل‭ ‬طابور‭ ‬النشر‭ ‬الذي‭ ‬كانت‭ ‬المؤسسات‭ ‬الحكومية‭ ‬تمنحه‭ ‬لبعض‭ ‬ممن‭ ‬تراهم‭ ‬تجاوزوا‭ ‬الضوابط‭ ‬الأمنية‭ ‬وأطلق‭ ‬عليهم‭ (‬أدباء‭) ‬بالعرف‭ ‬الليبي‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭. ‬وللأمانة‭ ‬شهدت‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬قبل‭ ‬عام‭ ‬2011،‭ ‬حالة‭ ‬محمومة‭ ‬من‭ ‬النشر‭ ‬ساعد‭ ‬في‭ ‬ازدهارها‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المبدعين‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬تلك‭ ‬المؤسسات‭ ‬الحكومية‭.‬

العائق‭ ‬الأمني‭ ‬كان‭ ‬يشكل‭ ‬الهاجس‭ ‬الأكبر‭ ‬للمبدع

حالياً،‭ ‬دور‭ ‬الدولة‭ ‬متوقف،‭ ‬مع‭ ‬غياب‭ ‬العائق‭ ‬الأمني‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يشكل‭ ‬الهاجس‭ ‬الأكبر‭ ‬للمبدع،‭ ‬فإن‭ ‬عملية‭ ‬النشر‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬على‭ (‬حساب‭ ‬المبدع‭ ‬الخاص‭) ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬ترتبط‭ ‬بمزاج‭ ‬الناشر‭ ‬والموزع،‭ ‬رغم‭ ‬ضوابط‭ ‬قانونية‭ ‬تحكم‭ ‬عقود‭ ‬النشر‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬تظل‭ ‬عاجزة‭ ‬عن‭ ‬ضمان‭ ‬حق‭ ‬المبدع‭ ‬في‭ ‬وصول‭ ‬كتابه‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬لعدد‭ ‬من‭ ‬القراء‭. ‬حاليا،‭ ‬وبالنسبة‭ ‬لي،‭ ‬أرى‭ ‬أن‭ ‬النشر‭ ‬الإلكتروني‭ ‬يوفر‭ ‬الكثير،‭ ‬ويكسر‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الحواجز،‭ ‬بل‭ ‬ويمنح‭ ‬المبدع‭ ‬تواصلاً‭ ‬واحتكاكاً‭ ‬كاملاً‭ ‬مع‭ ‬المتلقي‭. ‬وأرى‭ ‬أن‭ ‬فهم‭ ‬المبدع‭ ‬للتفاصيل‭ ‬التقنية‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬أصبح‭ ‬يحتكم‭ ‬على‭ ‬التواصل‭ ‬الأني،‭ ‬هو‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬متطلباته‭ ‬في‭ ‬العملية‭ ‬الإبداعية‭ ‬التي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يديرها‭ ‬من‭ ‬حروفه‭ ‬الأولى‭ ‬ومرورا‭ ‬بتراصف‭ ‬السطور‭ ‬وانتهاء‭ ‬بمخطوط‭ ‬مطبوع‭. ‬

المبدع‭ ‬الليبي‭ ‬مضطر‭ ‬لتقمص‭ ‬كل‭ ‬الأدوار

د‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬على‭ ‬عمران‭/ ‬شاعر‭ ‬وأكاديمي،‭ ‬صدرت‭ ‬له‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الدواوين،‭ ‬وله‭ ‬مشاركات‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الفعاليات‭ ‬العلمية‭ ‬والأدبية‭:‬

المبدع‭ ‬الليبي‭ ‬يجد‭ ‬نفسه‭ ‬مضطرا‭ ‬لتقمص‭ ‬كل‭ ‬الأدوار،‭ ‬فهو‭ ‬كاتب‭ ‬ومحرر‭ ‬وناشر‭ ‬وموزع،‭ ‬نظرا‭ ‬لتقاعس‭ ‬المؤسسات‭ ‬الثقافية‭ ‬التي‭ ‬يفترض‭ ‬بها‭ ‬القيام‭ ‬بهذه‭ ‬الأدوار،‭ ‬ولابد‭ ‬من‭ ‬المصارحة،‭ ‬فالمشهد‭ ‬الثقافي‭ ‬يعيش‭ ‬موات‭ ‬الجميع،‭ ‬موت‭ ‬المؤلف‭ ‬وموت‭ ‬الناشر‭ ‬وموت‭ ‬القارئ‭ ‬وموت‭ ‬الناقد،‭ ‬معدل‭ ‬القراءة‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬منخفض‭ ‬جدا،‭ ‬ولا‭ ‬يواكب‭ ‬حركة‭ ‬الكتابة‭ ‬والنشر،‭ ‬والدعاية‭ ‬ضعيفة،‭ ‬والنصوص‭ ‬الفارقة‭ (‬مقارنة‭ ‬بنصوص‭ ‬عالمية‭ ‬وعربية‭) ‬قليلة،‭ ‬والدعاية‭ ‬أجزم‭ ‬أنها‭ ‬عكسية،‭ ‬تروج‭ ‬للكاتب‭ ‬الأجنبي‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الكاتب‭ ‬الليبي‭.‬

لابد‭ ‬من‭ ‬خطة‭ ‬حكومية‭ ‬طويلة‭ ‬الأجل

الحالة‭ ‬الرقمية‭ ‬فرضت‭ ‬واقعا‭ ‬جديدا،‭ ‬فالشهرة‭ ‬للنص‭ (‬الواحد‭) ‬وليس‭ ‬للديوان‭ ‬أو‭ ‬الكتاب،‭ ‬فنص‭ ‬عفوي‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬ترند،‭ ‬ثم‭ ‬يختفي‭ ‬ويأتي‭ ‬نص‭ ‬جديد،‭ ‬والنشر‭ ‬الورقي،‭ ‬لكونه‭ ‬صناعة‭ ‬تخضع‭ ‬للمنطق‭ ‬الرأسمالي‭ ‬للربح‭ ‬والخسارة،‭ ‬لا‭ ‬يمكنها‭ ‬أن‭ ‬تحقق‭ ‬أرباحا،‭ ‬وبالتالي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬الكتابة‭ ‬حرفة،‭ ‬بل‭ ‬تراجعت‭ ‬لدرجة‭ ‬الهواية،‭ ‬يمارسها‭ ‬الكاتب‭ ‬أثناء‭ ‬أوقات‭ ‬الفراغ،‭ ‬مع‭ ‬ثلة‭ ‬من‭ ‬أصحابه‭ ‬ومتابعيه،‭ ‬ولكي‭ ‬يتغير‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬ويتغير‭ ‬العقل‭ ‬الجمعي،‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬خطة‭ ‬حكومية‭ ‬طويلة‭ ‬الأجل،‭ ‬فكما‭ ‬توفر‭ ‬وزارة‭ ‬التموين‭ (‬خبزا‭ ‬مدعوما‭) ‬لابد‭ ‬أن‭ ‬توفر‭ ‬وزارة‭ ‬الثقافة‭(‬كتابا‭ ‬مدعوما‭).‬

اختلط‭ ‬الغث‭ ‬بالسمين‭ ‬وتصدر

‭ ‬أدعياء‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬لهم‭ ‬بالثقافة‭ ‬

سعد‭ ‬الحمري‭ / ‬ناقد‭ ‬وباحث،‭ ‬له‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الدراسات‭ ‬والمقالات‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬والثقافة،‭ ‬وشارك‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الملتقيات‭ ‬الثقافية‭:‬

يقول‭ ‬ميلان‭ ‬كونديرا‭: ‬“إن‭ ‬الإنتاج‭ ‬المفرط‭ ‬للكتب‭ ‬يقتل‭ ‬الكلمة‭ ‬الجادة،‭ ‬فبينما‭ ‬يزداد‭ ‬عدد‭ ‬الكتب‭ ‬المطبوعة‭ ‬تجارياً،‭ ‬يتقلص‭ ‬الفضاء‭ ‬المتاح‭ ‬للأدب‭ ‬الحقيقي‭ ‬الذي‭ ‬يتطلب‭ ‬التأمل‭ ‬والوقت”‭. ‬تشخّص‭ ‬هذه‭ ‬المقولة‭ ‬بدقة‭ ‬الأزمة‭ ‬البنيوية‭ ‬للكتاب‭ ‬الليبي‭ ‬اليوم؛‭ ‬والتي‭ ‬تتجلى‭ ‬في‭ ‬تقاعس‭ ‬المؤسسات‭ ‬الثقافية‭ ‬الرسمية‭ ‬عن‭ ‬مأسسة‭ ‬النشر،‭ ‬مما‭ ‬دفع‭ ‬بالمبدع‭ ‬نحو‭ ‬دور‭ ‬نشر‭ ‬خاصة‭ ‬التي‭ ‬تحول‭ ‬كثير‭ ‬منها‭ ‬إلى‭ ‬“دكاكين‭ ‬تجارية”‭ ‬تطبع‭ ‬لمن‭ ‬يدفع‭ ‬دون‭ ‬معايير‭ ‬إبداعية‭ ‬وبلا‭ ‬عائد‭ ‬مادي‭ ‬للمؤلف،‭ ‬فاختلط‭ ‬الغث‭ ‬بالسمين‭ ‬وتصدر‭ ‬أدعياء‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬لهم‭ ‬بالثقافة‭.‬

منصات‭ ‬رقمية‭ ‬تقدم‭ ‬قشور‭ ‬المعرفة

وعلى‭ ‬صعيد‭ ‬التلقي،‭ ‬يشهد‭ ‬الواقع‭ ‬تسطيحاً‭ ‬حاداً،‭ ‬إذ‭ ‬حلت‭ ‬“ثقافة‭ ‬الساندويتش”‭ ‬والوعي‭ ‬الاستهلاكي‭ ‬السريع‭ ‬مستعينة‭ ‬بالمنصات‭ ‬الرقمية‭ ‬التي‭ ‬تقدم‭ ‬قشور‭ ‬المعرفة‭. ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬أنتج‭ ‬قارئاً‭ ‬يفتقد‭ ‬لشرط‭ ‬الصبر‭ ‬القرائي‭ ‬الذي‭ ‬ميز‭ ‬جيل‭ ‬المطالعة‭ ‬العميقة‭ ‬لأطروحات‭ ‬ماركيز‭ ‬وكونديرا‭ ‬وهيمنجواي‭ ‬والطيب‭ ‬صالح‭ ‬وإبراهيم‭ ‬الكوني‭ ‬وصالح‭ ‬السنوسي،‭ ‬مستعيضاً‭ ‬عنها‭ ‬بوجبات‭ ‬عابرة‭ ‬أضعفت‭ ‬الذائقة‭. ‬إن‭ ‬تجاوز‭ ‬هذا‭ ‬الراهن‭ ‬يستدعي‭ ‬استراتيجية‭ ‬وطنية‭ ‬ترتكز‭ ‬على‭ ‬تفعيل‭ ‬لجان‭ ‬التقييم‭ ‬النقدي‭ ‬والتحكيم‭ ‬الصارم‭ ‬داخل‭ ‬دور‭ ‬النشر،‭ ‬مع‭ ‬استثمار‭ ‬المنصات‭ ‬التقنية‭ ‬لصناعة‭ ‬محتوى‭ ‬إلكتروني‭ ‬وصوتي‭ ‬ليبي‭ ‬يتسم‭ ‬بالعمق،‭ ‬لضمان‭ ‬عبور‭ ‬نتاجنا‭ ‬كرسالة‭ ‬حضارية‭ ‬لا‭ ‬كسلعة‭ ‬عابرة‭. ‬وبخلاف‭ ‬ذلك،‭ ‬سنظل‭ ‬أسرى‭ ‬للمآل‭ ‬الذي‭ ‬حذر‭ ‬منه‭ ‬أومبرتو‭ ‬إيكو‭: ‬“إن‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬منحت‭ ‬حق‭ ‬الكلام‭ ‬لجيوش‭ ‬من‭ ‬الحمقى،‭ ‬ممن‭ ‬كانوا‭ ‬يتكلمون‭ ‬سابقاً‭ ‬في‭ ‬الحانات‭ ‬فقط‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يتسببوا‭ ‬بأي‭ ‬ضرر‭ ‬للمجتمع‭… ‬أما‭ ‬الآن‭ ‬فلهم‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬الكلام‭ ‬مثلهم‭ ‬مثل‭ ‬من‭ ‬يحمل‭ ‬جائزة‭ ‬نوبل”‭.‬

‮    ‬‭ ‬طابور‭ ‬النشر‭ ‬كانت‭ ‬المؤسسات‭ ‬الحكومية‭ ‬تمنحه‭ ‬لبعض‭ ‬من‭ ‬أطلق‭ ‬عليهم‭ (‬أدباء‭) ‬بالعرف‭ ‬الليبي

‮ ‬‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬دور‭ ‬نشر‭ ‬خاصة‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬“دكاكين‭ ‬تجارية”‭ ‬تطبع‭ ‬لمن‭ ‬يدفع

‮  ‬‭ ‬فكما‭ ‬توفر‭ ‬وزارة‭ ‬الاقتصاد‭ (‬خبزا‭ ‬مدعوما‭) ‬لابد‭ ‬أن‭ ‬توفر‭ ‬وزارة‭ ‬الثقافة‭ (‬كتابا‭ ‬مدعوما‭)‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى