المثقف الليبي يقول كلمته الكتاب الليبي بين أزمة النشر ومسؤولية المؤسسات
مفتاح ميلود

سلسلة استطلاعات ثقافية حول أسئلة المشهد الثقافي الليبي
لا تكتمل رحلة الكتاب بمجرد أن يكتب صاحبه نصه؛ فهناك مراحل الطباعة والنشر والتوزيع والوصول إلى القارئ. وقد ظل الكتاب الليبي يواجه، بدرجات متفاوتة، تحديات تتصل بهذه المراحل، في ظل محدودية إمكانات النشر وتفاوت أدوار المؤسسات الثقافية ودور النشر والمبادرات الخاصة. كما أن التحولات التي يشهدها عالم النشر، بما في ذلك النشر الإلكتروني والكتب الرقمية، تطرح بدورها أسئلة جديدة حول مستقبل الكتاب الليبي وآليات وصوله إلى القراء داخل ليبيا وخارجها..
سؤال الاستطلاع: في رأيك، ما أبرز ما يحتاجه الكتاب الليبي اليوم في مجال الطباعة والنشر، وما الذي ينبغي تغييره لضمان وصول النتاج الأدبي والثقافي إلى القارئ داخل ليبيا وخارجها؟
الصعوبات التي تواجه حاضر
ومستقبل الكتاب الليبي كثيرة
خالد درويش / شاعر صدرت له مجموعة من الدواوين، وله مشاركات في عدد من الفعاليات الثقافية والأدبية:
إن الصعوبات التي تواجه حاضر ومستقبل الكتاب الليبي كثيرة وكبيرة جدا، وستضل وتبقى وذلك لأسباب متعددة ومعقدة يتشابك بعضها مع بعض، لا ننكر وفرة النص الليبي وأن ثمة إنتاجا غزيرا وهذه سنة الحياة فالإنسان المبدع لا يستطيع إلا أن يعبر ويكتب، وأن تمتلئ أدراجه بالمخطوطات والكتب والأحلام، لكن معضلة النشر أولى ما سيقابله إذا سلمنا بجودة المنتوج بطبيعة الحال، سيكون أمامه ثلاث خيارات الأول أن يجد مؤسسة حكومية تتبنى مشروعه وتؤمن به، وحتى من باب الوجاهة الثقافية إن لم تؤمن به ولا أعتقد أن مؤسساتنا الليبية الثقافية خصوصا تؤمن بكاتب ليبي أو غيره، يكفيها الإيمان بالله وملائكته ورسله، الخيار الثاني أن يطبع الكتاب على نفقته الخاصة مما تبقى من نفقةـ ومع ارتفاع سعر الورق، ومع غلاء المعيشة ومع أزمة القراءة، ومع تكهنات الأسواق الدولية بالإفلاس هل سيجد ديوان شعر او رواية او بحث الحد الأدنى من تكاليف النشر، وسيكتفي المؤلف بطباعة عشر نسخ أو خمسين نسخة في أقصى تقدير وعلى القارئ الكريم أن يحترم هذا العدد فالخمسون نسخة ستكلف الكاتب ثروة صغيرة قد يكون من الأنسب صرفها في غير هذه الوجهة اتقاء للعواقب.
مغامرة وواجب وطني وحب المهنة
سيظل أمامه الخيار الثالث وهو البطون الخاوية للناشرين العرب والناشرين الليبيين رحمهم الله، فالخطوة الأولى هي أنه سيأخذ منك المخطوط وسيرد عليك بعد أسبوعين بأنه على استعداد لنشره والمغامرة بهذا الواجب الوطني حبا في المهنة، هذه أكبر كلمة أكرهها من فم أصدقائي الجزارين أقصد الناشرين، وسيضحي بوقته وماله وينشر 30 نسخة كتجربة “والله لو مشت الأمور أهو PDF موجود” ولن تحلم بأن توقع عقدا حتى لو كنت ماركيز ابن شكسبير، وسيعطيك كحقوق المؤلف مبلغ “ عشر نسخ” وستشتري منه النسخ الباقية تحت إلحاح الأصدقاء البخلاء، أو للزينة في حفل توقيع مصطنع .
مبدعون ساعدوا في ازدهار النشر قبل عام 2011
د. عبد الباسط أبو بكر محمد / شاعر وأكاديمي، صدرت له مجموعة من الدواوين، وله مشاركات في عدد من الفعاليات العلمية والأدبية:
تشكل عملية نشر الأعمال الأدبية الخطوة الأكثر خطورة في العملية الإبداعية، فإذا كان المبدع في المراحل الأولى من كتابة نصوصه يعتمد على عدد محدود من القراء، فإن عملية النشر هي عملية إطلاق النصوص لعدد كبير ومحتمل من القراء. أيضاً المبدع كان بعيد كل البعد في مراحل الكتابة الأولى عن قلق وتكاليف النشر والطباعة وظروف التوزيع، لكنه الآن في أتون هذه التفاصيل التي لا تهدأ، ويتلقف كل حين مجموعة من المشاكل التي لا تنتهي. في ليبيا قبل عام 2011، كانت عملية النشر مقيدة بضوابط أمنية أولاً، يتوجب عليك توفير الحد الأدنى منها لتجاوز الرقيب ومقصه وموانعه الكثيرة. قبل أن يدخل طابور النشر الذي كانت المؤسسات الحكومية تمنحه لبعض ممن تراهم تجاوزوا الضوابط الأمنية وأطلق عليهم (أدباء) بالعرف الليبي في ذلك الوقت. وللأمانة شهدت السنوات الأخيرة قبل عام 2011، حالة محمومة من النشر ساعد في ازدهارها مجموعة من المبدعين الذين كانوا على رأس تلك المؤسسات الحكومية.
العائق الأمني كان يشكل الهاجس الأكبر للمبدع
حالياً، دور الدولة متوقف، مع غياب العائق الأمني الذي كان يشكل الهاجس الأكبر للمبدع، فإن عملية النشر وإن كانت على (حساب المبدع الخاص) ما زالت ترتبط بمزاج الناشر والموزع، رغم ضوابط قانونية تحكم عقود النشر إلا أنها تظل عاجزة عن ضمان حق المبدع في وصول كتابه على الأقل لعدد من القراء. حاليا، وبالنسبة لي، أرى أن النشر الإلكتروني يوفر الكثير، ويكسر العديد من الحواجز، بل ويمنح المبدع تواصلاً واحتكاكاً كاملاً مع المتلقي. وأرى أن فهم المبدع للتفاصيل التقنية في عالم أصبح يحتكم على التواصل الأني، هو جزء من متطلباته في العملية الإبداعية التي يجب أن يديرها من حروفه الأولى ومرورا بتراصف السطور وانتهاء بمخطوط مطبوع.
المبدع الليبي مضطر لتقمص كل الأدوار
د عبد الله على عمران/ شاعر وأكاديمي، صدرت له مجموعة من الدواوين، وله مشاركات في عدد من الفعاليات العلمية والأدبية:
المبدع الليبي يجد نفسه مضطرا لتقمص كل الأدوار، فهو كاتب ومحرر وناشر وموزع، نظرا لتقاعس المؤسسات الثقافية التي يفترض بها القيام بهذه الأدوار، ولابد من المصارحة، فالمشهد الثقافي يعيش موات الجميع، موت المؤلف وموت الناشر وموت القارئ وموت الناقد، معدل القراءة في ليبيا منخفض جدا، ولا يواكب حركة الكتابة والنشر، والدعاية ضعيفة، والنصوص الفارقة (مقارنة بنصوص عالمية وعربية) قليلة، والدعاية أجزم أنها عكسية، تروج للكاتب الأجنبي على حساب الكاتب الليبي.
لابد من خطة حكومية طويلة الأجل
الحالة الرقمية فرضت واقعا جديدا، فالشهرة للنص (الواحد) وليس للديوان أو الكتاب، فنص عفوي يتحول إلى ترند، ثم يختفي ويأتي نص جديد، والنشر الورقي، لكونه صناعة تخضع للمنطق الرأسمالي للربح والخسارة، لا يمكنها أن تحقق أرباحا، وبالتالي لا يمكن أن تصبح الكتابة حرفة، بل تراجعت لدرجة الهواية، يمارسها الكاتب أثناء أوقات الفراغ، مع ثلة من أصحابه ومتابعيه، ولكي يتغير هذا الواقع ويتغير العقل الجمعي، لابد من خطة حكومية طويلة الأجل، فكما توفر وزارة التموين (خبزا مدعوما) لابد أن توفر وزارة الثقافة(كتابا مدعوما).
اختلط الغث بالسمين وتصدر
أدعياء لا علاقة لهم بالثقافة
سعد الحمري / ناقد وباحث، له عدد من الدراسات والمقالات في الأدب والثقافة، وشارك في عدد من الملتقيات الثقافية:
يقول ميلان كونديرا: “إن الإنتاج المفرط للكتب يقتل الكلمة الجادة، فبينما يزداد عدد الكتب المطبوعة تجارياً، يتقلص الفضاء المتاح للأدب الحقيقي الذي يتطلب التأمل والوقت”. تشخّص هذه المقولة بدقة الأزمة البنيوية للكتاب الليبي اليوم؛ والتي تتجلى في تقاعس المؤسسات الثقافية الرسمية عن مأسسة النشر، مما دفع بالمبدع نحو دور نشر خاصة التي تحول كثير منها إلى “دكاكين تجارية” تطبع لمن يدفع دون معايير إبداعية وبلا عائد مادي للمؤلف، فاختلط الغث بالسمين وتصدر أدعياء لا علاقة لهم بالثقافة.
منصات رقمية تقدم قشور المعرفة
وعلى صعيد التلقي، يشهد الواقع تسطيحاً حاداً، إذ حلت “ثقافة الساندويتش” والوعي الاستهلاكي السريع مستعينة بالمنصات الرقمية التي تقدم قشور المعرفة. هذا التحول أنتج قارئاً يفتقد لشرط الصبر القرائي الذي ميز جيل المطالعة العميقة لأطروحات ماركيز وكونديرا وهيمنجواي والطيب صالح وإبراهيم الكوني وصالح السنوسي، مستعيضاً عنها بوجبات عابرة أضعفت الذائقة. إن تجاوز هذا الراهن يستدعي استراتيجية وطنية ترتكز على تفعيل لجان التقييم النقدي والتحكيم الصارم داخل دور النشر، مع استثمار المنصات التقنية لصناعة محتوى إلكتروني وصوتي ليبي يتسم بالعمق، لضمان عبور نتاجنا كرسالة حضارية لا كسلعة عابرة. وبخلاف ذلك، سنظل أسرى للمآل الذي حذر منه أومبرتو إيكو: “إن وسائل التواصل الاجتماعي منحت حق الكلام لجيوش من الحمقى، ممن كانوا يتكلمون سابقاً في الحانات فقط دون أن يتسببوا بأي ضرر للمجتمع… أما الآن فلهم الحق في الكلام مثلهم مثل من يحمل جائزة نوبل”.
طابور النشر كانت المؤسسات الحكومية تمنحه لبعض من أطلق عليهم (أدباء) بالعرف الليبي
كثير من دور نشر خاصة تحولت إلى “دكاكين تجارية” تطبع لمن يدفع
فكما توفر وزارة الاقتصاد (خبزا مدعوما) لابد أن توفر وزارة الثقافة (كتابا مدعوما)



