
يكرر سيناريو الفيضانات التي شهدتها مدينة طرابلس المدة الماضية نفسه من خلال أسئلتنا القديمة الجديدة عن واقع البنية التحتية وشبكات تصريف مياه الأمطار ومدى قدرتها على التعامل مع الظروف الجوية الطارئة.. وهل كشفت الكارثة في المقابل سوء إدارة بعض المشروعات المتعلقة بالبنية التحتية وضريبة سرعة إنجازها كما يُعاد السؤال عن التدابير التي يمكن اتخاذها للحد من الأضرار مستقبلًا وحماية الأرواح والممتلكات؟. وهل ستُفتح تحقيقات مستقلة وشفافة لتحديد أوجه الخلَّل ومحاسبة كل مَنْ يثبت تقصيره؟. وهل ستُراجع سرعة إنجاز مشروعات «عودة الحياة» للتأكد من سلامة تنفيذها قبل فصل الشتاء مع إعلان النتائج للرأي العام؟.
قال م.أنور سالم عوز عميد بلدية سوق الجمعة : إنَّ البلدية لم تتسلّم الميزانية المخصّصة لها. لافتًا إلى أنها لجأتْ إلى مساهمات من بعض رجال الأعمال لتغطية تكاليف أعمال الصيانة، والمساعدة في تلبية احتياجات المواطنين.
وضمن متابعة الأوضاع ميدانيًا تفقّد عميد البلدية غُرف تصريف مياه الأمطار والحديقة، وغرق سوق «إتش تي مول» للوقوف على الأوضاع وتحديد الاحتياجات الناجمة عن تداعيات الأمطار.
وذكر أحمد عبد السلام دواس مدير مكتب عميد بلدية سوق الجمعة أن غزارة الأمطار تسببت في غمر شوارع ومنازل ومؤسسات عامة وخاصة بالبلدية ما أدى إلى عرقلة حركة التنقل وسط تحديات تتعلق بالإمكانات المتاحة وكفاءة شبكات تصريف مياه الأمطار.
وأضاف أن فرق الطوارئ والأجهزة المختصة بمساندة عدد من المواطنين عملتْ على إجلاء عائلات ومساعدة أشخاص عالقين جراء ارتفاع منسوب المياه.
وواصل دواس أن معلومات وردت بشأن أضرار لحقتْ بممتلكات عامة وخاصة من بينها عدد كبير من السيارات مشيرًا إلى أن هذه المعلومات لم تُدعَم حتى وقت التصريح ببيانات، أو حصيلة رسمية منشورة وأفادت أنباء بتسجيل حالة وفاة غير أنه لم يتسنَّ التحقَّق منها بصورة مستقلة ولذلك لا يمكن تأكيدها في الوقت الراهن.
ودعا دواس الجهات الحكومية المعنية إلى حصر الأضرار وتقييمها والنظر في سُبل جبر الضرر وتعويض المتضررين وفق الإجراءات المعمول بها إلى جانب تحديد احتياجات البلدية لمعالجة أوجه القصور في البنية التحتية وشبكات تصريف مياه الأمطار.
نقص في معدات الاستجابة
انتصار علي عضو مجلس بلدية سوق الجمعة ومسؤولة عن إدارة تمكين المرأة قالت إن الفيضانات أسفرت عن وفيات وخسائر مادية فيما لا تزال تجمعات المياه تحاصر عددًا من الأحياء والأزقة.
وأضافت أن المياه غمرت مدارس واختلطت بمياه الصرف الصحي محذرةً من مخاطر صحية محتملة.
وتابعت إنتصار بأن فرقًا محلية رصدت أكثر من 80 مخزنًا وقبوًا تحتاج إلى سيارات شفط في وقت تعاني فيه المنطقة من محدودية المعدات. وأن الأمطار كشفت عن تحديات في البنية التحتية وشبكات التصريف داعيةً إلى إجراء مراجعة فنية للمسارات المرتبطة بالطرق والمناطق المحيطة. مطالبة بتدخل حكومي عاجل لتوفير المعدات ومراجعة شبكات التصريف مؤكدةً أن حماية الأرواح والممتلكات يقتضي تنسيقًا فعالًا ولا يمكن أن تعتمد على الإمكانات المحدودة والمبادرات الشعبية وحدها.
ودعت انتصار إلى إنشاء منظومة للإنذار المبكر وتعزيز التنسيق بين أجهزة الأرصاد والطوارئ والبنية التحتية مشددةً على أن مواجهة الأزمة لا ينبغي أن تقع على عاتق المجلس البلدي وحده.وشددت على ضرورة تكتيف التوعية وإرشاد المواطنين بأهمية الحفاظ على نظافة البيئة وعدم رمي زجاجات البلاستك من المركبات أو وضع أكياس القمامة على الطرقات.وأشادت بجهود المواطنين ورجال الأعمال والمتطوعين والأجهزة المحلية في إنقاذ المتضررين ومساندتهم بما في ذلك استخدام المركبات والآليات الثقيلة.
أضرار كارثية
وأكد خليفة محمد الكيلاني عضو المجلس البلدي في سوق الجمعة والمسؤول عن ملف الصحة أن عمليات حصر الأضرار لا تزال متواصلة موضحًا أن التقديرات الأولية تشير إلى تضرر أكثر من 85 منزلًا جراء غمرها بالمياه وما ترتب على ذلك من خسائر طالت ممتلكات الأسر ومصادر رزقها. ووصف تداعيات الفيضانات التي شهدتها البلدية بأنها كارثية.
وأردف الكيلاني أن عددًا من المرافق الصحية تضرر جراء الفيضانات في ظل محدودية الإمكانات ونقص الدعم الحكومي بحسب قوله. وأشار إلى أن مركز الهاني الصحي تعرض لأضرار كبيرة إلى جانب تضرر المستشفى الصدري ما استدعى إجلاء المرضى باستخدام القوارب. كما لحقت أضرار بمرفقي الشفاء والحارات الصحي رغم حداثة بعض المباني التي تضم هذه المنشآت. وأضاف أن المياه أتلفت كميات من اللقاحات والأدوية ومستلزمات الإسعافات الأولية المخزنة داخل المرافق الصحية فضلًا عن تضرر عدد من سيارات الإسعاف ما أثر في قدرة الفرق الطبية على الوصول إلى المتضررين وتقديم الخدمات اللازمة في الوقت المناسب.
عرقلة خدمات ذوي الإعاقة
أكد رضا القمودي مدير مكتب المعاقين ببلدية سوق الجمعة أن نقص الدعم الحكومي والميزانيات يحدّ من قدرة البلدية على تلبية احتياجات ذوي الإعاقة. مشيرًا إلى أن تداعيات الأمطار الأخيرة كشفت حجم التحديات التي تواجهها. عدا أن الإمكانات المتاحة لا تتناسب مع حجم الاحتياجات لافتًا إلى أنه اضطر في بعض الأحيان إلى تغطية النفقات من ماله الخاص.
وطالب القمودي وزارتي الحكم المحلي والشؤون الاجتماعية بوضع آلية واضحة للدعم والتمويل وضمان توفير الخدمات بصورة مستمرة خصوصا للحالات الملازمة للفراش مؤكدًا ضرورة اضطلاع الجهات المختصة بمسؤولياتها تجاه البلدية وذوي الإعاقة.
ومن جانبها أكدت الحاجة زهرة عبد الله بمنطقة جامع الصقع على وصول مياه الأمطار داخل منزلها المختلطة بمياه الصرف الصحي مما تسببت في إتلاف السجاد والأثاث مع غرق السيارة وناشدت الحكومة بالتدخل لإصلاح مشكلات ارتفاع منسوب المياه ومعالجة أنابيب الصرف التي تسبب الأمراض الفتاكة .
أضرار جسيمة
وأكد عبد المولى محمد العماري مدير دار التنمية المجتمعية ببلدية سوق الجمعة أن تداعيات الأزمة لم تقتصر على الخسائر المادية، بل امتدت لتشمل الأوضاع المعيشية والنفسية للسكان فضلًا عن تأثيرها في المرافق والخدمات الأساسية. مضيفا أن محدودية الدعم الحكومي تعرقل جهود التعامل مع الأضرار والاستجابة لاحتياجات المتضررين. ودعا العماري الجهات المختصة إلى التدخل العاجل والمنظم لحصر الخسائر وتقييم الأضرار واتخاذ الإجراءات اللازمة لتعويض المتضررين وإعادة تأهيل المرافق إلى جانب توفير الاحتياجات الأساسية للسكان بما يسهم في الحد من تداعيات الأزمة واستعادة الخدمات المتأثرة.
تحذير من مخاطر متفاقمة
دعا د. عبد الحكيم الهادي قنيوة أستاذ القانون إلى التعامل بجدية مع مخاطر السيول والفيضانات التي تتكشف مع هطول الأمطار الغزيرة وتجمع المياه وتعطل حركة المرور مؤكدًا أن الحد من الأضرار يتطلب رفع كفاءة البنية التحتية واعتماد خطط وقائية تراعي خصوصية كل منطقة واحتياجاتها. وأوضح أن أبرز التوصيات تشمل تحسين شبكات تصريف المياه وتحديد المناطق المعرضة للغرق وتطوير أنظمة الإنذار المبكر، إلى جانب حماية المرافق الحيوية وضمان استمرارية خدماتها. وشدد كذلك على ضرورة مراعاة مسارات السيول عند إعداد المخططات العمرانية والتحقق من أي تعديات عليها وتوجيه المشروعات الوقائية وفق أولويات واضحة وآليات فعالة للرقابة. وأكد أن تحديد أسباب الأضرار وأوجه القصور يستلزم الاستناد إلى المعاينات الفنية والوقائع المثبتة بما يتيح اختيار المعالجات المناسبة وتحديد المسؤوليات القانونية عند ثبوتها. وشدد على أن المسؤولية لا تترتب بمجرد وقوع الضرر بل تتطلب أدلة تثبت الفعل، أو التقصير وتوافر عناصر المسؤولية وفقًا للقانون.
قصور في التخطيط العمراني
وقال أستاذ القانون د.محمد حمودة إن ما حدث يكشف عن خلل في التخطيط العمراني وضعف في شبكات تصريف المياه وسلامة البنية التحتية كما يختبر جاهزية شبكات التصريف وقدرتها على التعامل مع الظروف المناخية المتكررة و هي عوامل لا ترتبط بغزارة الهطول وحدها فالبناء غير المنظم وإغلاق بعض الطرق وإلقاء المخلفات في فتحات التصريف إلى جانب القصور المحتمل في صيانة الشبكات والمرافق تعيق تدفق المياه وتفاقم الأضرار التي تطال حركة المواطنين وسلامتهم وممتلكاتهم.
وأشار حمودة إلى أن القانون رقم )3( لسنة 2001 بشأن التخطيط العمراني والقانون رقم )59( لسنة 2012 بشأن نظام الإدارة المحلية، يضعان إطارًا لتنظيم التخطيط وإدارة المرافق العامة. وأكد على ضرورة موائمة تصميم الطرق مع شبكات التصريف بما يتناسب مع الكثافة السكانية والقدرة الاستيعابية للبنية التحتية. ودعا إلى مواجهة الأزمة عبر صيانة شبكات التصريف بصورة دورية ورفع كفاءة الطرق والمرافق والحد من البناء العشوائي وتعزيز التنسيق بين الجهات المحلية فضلًا عن إعداد خطط استجابة سريعة لموجات الأمطار.
كما حث وسائل الإعلام على تكثيف حملات التوعية ودعا المواطنين إلى الالتزام بقواعد التخطيط، والحفاظ على مرافق تصريف المياه، والامتناع عن إلقاء المخلفات فيها.
وأكد أن الحد من أضرار الأمطار يتطلب تكامل جهود الحكومة والمجتمع من خلال التخطيط السليم والصيانة الدورية والالتزام بالقواعد بما يُسهم في حماية الأرواح والممتلكات.
ما حدث يكشف عـن خلــل في التخطيط العمراني وضعف في شبكــات تصريــف الميــــاه
تضرر أكثر من ٨٥ منزلاً ببلدية سوق الجمعة وعمليات الحصر مازالت متواصلة



