
أثارت أوضاع بعض الأقسام الإنسانية في الجامعات الليبية تساؤلات حادة حول غياب التخطيط، فأقسام مثل التاريخ والجغرافيا وعلم الاجتماع وعلم النفس والفلسفة واللغة العربية والدراسات الإسلامية، وبعض الأقسام التطبيقية، لم يعد يوجد فيها إلا عدد قليل جداً من الطلبة.
ورغم هذا العزوف الواضح، لا تزال شهادات الماجستير تُمنح في هذه التخصصات بشكل مفزع، في وقت يتجه فيه جميع الخريجين تقريباً للعمل في قطاع التعليم العالي، دون وجود احتياج فعلي أو خطة استيعاب.
ويضع هذا الواقع علامات استفهام كبيرة حول جدوى الاستمرار في التوسع في الدراسات العليا لتخصصات راكدة، في ظل غياب دراسة لسوق العمل واحتياجاته، ويستدعي وقفة جادة لسؤال: أين التخطيط؟
وفي رد على ما طُرح، أوضح متابعون أن تخصص اللغة العربية ورغم قلة عدد طلابه فعلاً، إلا أنه يظل تخصصاً مطلوباً جداً، كونه مقرراً أساسياً في الفصل الأول أو العام الأول في جل التخصصات الجامعية تقريباً، سواء في طب الأسنان أو الهندسة أو القانون أو معلم الفصل، بل وتُدرس مناهج متخصصة مثل تعليم الأطفال اللغة العربية وأساليب تدريسها للصغار، بالإضافة إلى اللغة العربية العامة.
في المقابل، صحح معلقون آخرون المعلومة على مستوى المنطقة الشرقية، مؤكدين أن جامعات البيضاء والمرج ودرنة تشهد إقبالاً كبيراً، وأن كلية التربية وحدها تستعد لاستقبال 250 طالباً في قسم واحد الفصل القادم، وهو ما ينفي التعميم حول الفراغ في هذه الأقسام.
ومن جهة أخرى، كشف متابعون عن مفارقة أخطر، فتخصصات علمية تحتاجها الدولة بشدة باتت على وشك الانقراض. “تخيل خريجين علم الجيولوجيا يكاد منقرضون، برغم التغير الجيولوجي في بلادنا وارتفاع الكوارث الطبيعية”، يقول أحد المعلقين، مضيفاً أن إهمال العلوم الطبيعية يتم بطريقة غير طبيعية، ويتحتم على الجهات المختصة الاهتمام بها.
وأضاف معلقون أن الأمر لا يقتصر على الجيولوجيا، بل يشمل علم الآثار وغيره من التخصصات التي تحتاجها دولة مثل ليبيا، وصولاً إلى أقسام حيوية في كلية الزراعة مثل المحاصيل والبستنة والتربة ووقاية النبات، والتي باتت جميعها بأعداد قليلة جداً من الطلبة.
وتعالت أصوات تحذر من أن ما يحدث ليس مجرد صدفة، بل “تخطيط ممنهج ومتعمد لتحطيم التعليم وتحقير العلماء”، في ظل اتهام مباشر للأكاديميات الخاصة بإغراق سوق العمل بـ “خريجين فارغين” وتدمير قيمة التعليم العالي.
بين تخصصات إنسانية مطلوبة رغم قلة طلابها، وتخصصات علمية استراتيجية تُترك لتنقرض، يبقى السؤال الجوهري واحداً: أين تخطيط الدولة لاحتياجاتها الفعلية؟


