التعليمية

أين التخطيط في التعليم العالي؟!!

عبدالباسط القبلاوي

أثارت‭ ‬أوضاع‭ ‬بعض‭ ‬الأقسام‭ ‬الإنسانية‭ ‬في‭ ‬الجامعات‭ ‬الليبية‭ ‬تساؤلات‭ ‬حادة‭ ‬حول‭ ‬غياب‭ ‬التخطيط،‭ ‬فأقسام‭ ‬مثل‭ ‬التاريخ‭ ‬والجغرافيا‭ ‬وعلم‭ ‬الاجتماع‭ ‬وعلم‭ ‬النفس‭ ‬والفلسفة‭ ‬واللغة‭ ‬العربية‭ ‬والدراسات‭ ‬الإسلامية،‭ ‬وبعض‭ ‬الأقسام‭ ‬التطبيقية،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يوجد‭ ‬فيها‭ ‬إلا‭ ‬عدد‭ ‬قليل‭ ‬جداً‭ ‬من‭ ‬الطلبة‭.‬

ورغم‭ ‬هذا‭ ‬العزوف‭ ‬الواضح،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬شهادات‭ ‬الماجستير‭ ‬تُمنح‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬التخصصات‭ ‬بشكل‭ ‬مفزع،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬يتجه‭ ‬فيه‭ ‬جميع‭ ‬الخريجين‭ ‬تقريباً‭ ‬للعمل‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬التعليم‭ ‬العالي،‭ ‬دون‭ ‬وجود‭ ‬احتياج‭ ‬فعلي‭ ‬أو‭ ‬خطة‭ ‬استيعاب‭.‬

ويضع‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬علامات‭ ‬استفهام‭ ‬كبيرة‭ ‬حول‭ ‬جدوى‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬الدراسات‭ ‬العليا‭ ‬لتخصصات‭ ‬راكدة،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬غياب‭ ‬دراسة‭ ‬لسوق‭ ‬العمل‭ ‬واحتياجاته،‭ ‬ويستدعي‭ ‬وقفة‭ ‬جادة‭ ‬لسؤال‭: ‬أين‭ ‬التخطيط؟

وفي‭ ‬رد‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬طُرح،‭ ‬أوضح‭ ‬متابعون‭ ‬أن‭ ‬تخصص‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬ورغم‭ ‬قلة‭ ‬عدد‭ ‬طلابه‭ ‬فعلاً،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬يظل‭ ‬تخصصاً‭ ‬مطلوباً‭ ‬جداً،‭ ‬كونه‭ ‬مقرراً‭ ‬أساسياً‭ ‬في‭ ‬الفصل‭ ‬الأول‭ ‬أو‭ ‬العام‭ ‬الأول‭ ‬في‭ ‬جل‭ ‬التخصصات‭ ‬الجامعية‭ ‬تقريباً،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬طب‭ ‬الأسنان‭ ‬أو‭ ‬الهندسة‭ ‬أو‭ ‬القانون‭ ‬أو‭ ‬معلم‭ ‬الفصل،‭ ‬بل‭ ‬وتُدرس‭ ‬مناهج‭ ‬متخصصة‭ ‬مثل‭ ‬تعليم‭ ‬الأطفال‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬وأساليب‭ ‬تدريسها‭ ‬للصغار،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬العامة‭. ‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬صحح‭ ‬معلقون‭ ‬آخرون‭ ‬المعلومة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬المنطقة‭ ‬الشرقية،‭ ‬مؤكدين‭ ‬أن‭ ‬جامعات‭ ‬البيضاء‭ ‬والمرج‭ ‬ودرنة‭ ‬تشهد‭ ‬إقبالاً‭ ‬كبيراً،‭ ‬وأن‭ ‬كلية‭ ‬التربية‭ ‬وحدها‭ ‬تستعد‭ ‬لاستقبال‭ ‬250‭ ‬طالباً‭ ‬في‭ ‬قسم‭ ‬واحد‭ ‬الفصل‭ ‬القادم،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬ينفي‭ ‬التعميم‭ ‬حول‭ ‬الفراغ‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأقسام‭.‬

ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬كشف‭ ‬متابعون‭ ‬عن‭ ‬مفارقة‭ ‬أخطر،‭ ‬فتخصصات‭ ‬علمية‭ ‬تحتاجها‭ ‬الدولة‭ ‬بشدة‭ ‬باتت‭ ‬على‭ ‬وشك‭ ‬الانقراض‭. ‬“تخيل‭ ‬خريجين‭ ‬علم‭ ‬الجيولوجيا‭ ‬يكاد‭ ‬منقرضون،‭ ‬برغم‭ ‬التغير‭ ‬الجيولوجي‭ ‬في‭ ‬بلادنا‭ ‬وارتفاع‭ ‬الكوارث‭ ‬الطبيعية”،‭ ‬يقول‭ ‬أحد‭ ‬المعلقين،‭ ‬مضيفاً‭ ‬أن‭ ‬إهمال‭ ‬العلوم‭ ‬الطبيعية‭ ‬يتم‭ ‬بطريقة‭ ‬غير‭ ‬طبيعية،‭ ‬ويتحتم‭ ‬على‭ ‬الجهات‭ ‬المختصة‭ ‬الاهتمام‭ ‬بها‭.‬

وأضاف‭ ‬معلقون‭ ‬أن‭ ‬الأمر‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬الجيولوجيا،‭ ‬بل‭ ‬يشمل‭ ‬علم‭ ‬الآثار‭ ‬وغيره‭ ‬من‭ ‬التخصصات‭ ‬التي‭ ‬تحتاجها‭ ‬دولة‭ ‬مثل‭ ‬ليبيا،‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬أقسام‭ ‬حيوية‭ ‬في‭ ‬كلية‭ ‬الزراعة‭ ‬مثل‭ ‬المحاصيل‭ ‬والبستنة‭ ‬والتربة‭ ‬ووقاية‭ ‬النبات،‭ ‬والتي‭ ‬باتت‭ ‬جميعها‭ ‬بأعداد‭ ‬قليلة‭ ‬جداً‭ ‬من‭ ‬الطلبة‭.‬

وتعالت‭ ‬أصوات‭ ‬تحذر‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬صدفة،‭ ‬بل‭ ‬“تخطيط‭ ‬ممنهج‭ ‬ومتعمد‭ ‬لتحطيم‭ ‬التعليم‭ ‬وتحقير‭ ‬العلماء”،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬اتهام‭ ‬مباشر‭ ‬للأكاديميات‭ ‬الخاصة‭ ‬بإغراق‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬بـ‭ ‬“خريجين‭ ‬فارغين”‭ ‬وتدمير‭ ‬قيمة‭ ‬التعليم‭ ‬العالي‭.‬

بين‭ ‬تخصصات‭ ‬إنسانية‭ ‬مطلوبة‭ ‬رغم‭ ‬قلة‭ ‬طلابها،‭ ‬وتخصصات‭ ‬علمية‭ ‬استراتيجية‭ ‬تُترك‭ ‬لتنقرض،‭ ‬يبقى‭ ‬السؤال‭ ‬الجوهري‭ ‬واحداً‭: ‬أين‭ ‬تخطيط‭ ‬الدولة‭ ‬لاحتياجاتها‭ ‬الفعلية؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى