
الفنانة سلوى محمد المقصبي إحدى القامات الفنية التي لها بصمة جليّة في المشهد الثقافي الليبي والعربي. بمسيرة ثرية تتجاوز الـ) 67 ( عملاً فنياً بين الخشبة، والشاشة، والإذاعة، وحضور مشرف في المهرجانات المحلية والدولية.
الفنانة سلوى تفتح قلبها لصحيفة «فبراير» في حوار صريح تناولتْ فيه واقع المسرح اليوم، وتجربتها العميقة، ورؤيتها لما يحتاجه الفن الليبي ليواكب طموحات أبنائه.
العلاقة بالمسرح بين الأمس واليوم كيف ترينها؟
علاقتي بالمسرح جيدة وليستْ ممتازة كما كانتْ في السابق. والسبب أن الأعمال المقدمة حاليًا ليست بالمستوى ولا الجودة السابقة، سواء أكان من ناحية النصوص أم الإخراج، إضافة إلى أن خشبات المسارح تكاد تكون منعدمة؛ فحالياً لا يوجد سوى مسرح وحيد في بنغازي نحفّ به رؤوسنا لنحظى بفرصة تقديم عمل، بينما في السابق كانت هناك خشبات متعدَّدة وعروضٌ متنوعة وفرص أكبر العلاقة مع جمهور المسرح حقيقية وفعالة أكثر من التلفزيون؛ فهي مواجهة مباشرة وجهًا لوجه بين الممثل والمتلقي.
الممثل الشاطر هو من يقنع الجمهور بصدق أدائه وتقمصه للشخصية دون أي خدع بصرية. المسرح يعطي إحساسًا مباشرًا يعكس قدرة الفنان على إيصال الرسالة منذ الدقائق الأولى. صحيح أن التلفزيون له انتشار أوسع ومردود مادي أفضل، لكن المسرح هو الأصل وهو العشق.
ماذا تعني لكِ الجوائز والتكريمات في مسيرتك؟
الجوائز مفرحة دون شك، ولكنها في الوقت نفسه عبء كبير ومسؤولية مضاعفة. كل تكريم حصلتُ عليه جعلني أسعى نحو الأفضل وأثقل شخصيتي. أنا في كل عرض أكون مرتبكة وخائفة جدًا، وهذا الخوف هو سر النجاح؛ لأن الإنسان يجب ألا يدّعي أنه تعلم كل شيء. الجمهور بالنسبة ليَّ هو المرآة التي لا تجامل وتقول رأيها بصراحة، وأنا أفرح بالنقد البناء الذي يُسهم في صقلي وتطويري. الجوائز مسؤولية وتحدٍّ ومخاطرة في كل عمل قادم. كيف ترين مشاركاتك ومشاركات المسرح الليبي في المحافل الخارجية؟ الفنانة سلوى: منذ سنوات الألفين، أسهمتُ في عدة أعمال بمهرجانات عربية ودولية. المسرح الليبي له تاريخ عريق ومشاركات مشرفة سابقة لجيلنا، والجمهور العربي كان وما زال يترقب جديد المسرح الليبي. عندما نعرض في الخارج، فنحن لا نُمثل فرقة، أو شخصاً، بل نُمثل دولة كاملة بتاريخها. نحن نحرص على استخدام «اللهجة البيضاء» المبسطة ليفهمها المتلقي العربي، ونحرص على تقديم صورة مشرفة للفن والمسرح الليبي أدائياً وسلوكياً وفي النَّدوات النقدية. وعلى الرغم من ظروف تعثر المسرح المحلي، وقلة الورش والدورات، إلا أن أعمالنا تنال دائمًا استحسان الجمهور العربي، وكانت على مستوى عالٍ.
ما الفرق الحقيقي بين التمثيل التلفزيوني والمسرحي؟ .
الفرقُ كبيرٌ جدًا؛ فالحضور المباشر أمام المتلقي في المسرح أصعب بكثير. التلفزيون فيه مرونة وسهولة في إعادة اللقطات وتغيير بعض الأشياء، أما المسرح فلا مجال فيه للخطأ والجمهور لا يرحم ولا يبرر. المسرح هو «السهل الممتنع» الذي يحتاج إلى صوت، وتقنية جسد، ومرونة، وخيال، وتقمص تام بالمعايير كافة. ومع ذلك، التلفزيون ليس سهلاً أيضاً ويحتاج لاجتهاد وبحث لتقمص الشخصية وإقناع المتلقي خلف الشاشات.
عملُ كنتِ تتمنين تقديمه ولم يخرج للنَّور بعد؟
نعم، كنتُ أتمنى العمل في مسرحية «ابنة الكونت» لـ«يونسكو»، وكان من المفترض أن يخرجها أ.علي بحيري عام 2003 أو 2004. كان طاقم العمل يضم قامات كبيرة مثل الفنان أ. علي أحمد سالم وأ.المبدعة عفاف عبد المحسن. أجرينا بعض التدريبات، ولكن للأسف لم يخرج العمل للنَّور. كانت ستكون إضافة كبيرة ليَّ في بداياتي. رحمة الله على الفنان أ.علي بحيري الذي كانت ليَّ معه أيضاً تجربة مهمة في مسرحية «عروس البحر». وأنا حاليًا على أتم الاستعداد لخوض أي تجربة مسرحية جديدة مع أي مخرج، أو كاتب يرى أن الشخصية تناسب سلوى، فالمسرح هوسٌ بالنسبة ليَّ وأتمنى أن أعمل فيه أكثر وأكثر.
رسالة ونصيحة تقدمينها للجيل الصاعد في المجال الفني؟.
الفنانة سلوى: أقول للجيل الصاعد: أشد على أيديكم، وأنتم مَنْ ستحملون الراية وتكونون الشعلة التي تنور المسرح الليبي. لكن أهم شيء هو تقبل آراء من سبقوكم في الفن من كتَّاب ومخرجين؛ فالأمانة يجب أن تُسلم بحذافيرها، والأمانة هي قبول النقد والتوجيه. النقد البناء ليس فرض رأي، أو تقليلاً من القيمة، بل يضيف للفنان ومستقبله.
نصيحتي لهم أن يجلسوا ويتحاوروا مع الأساتذة الأفاضل والمثقفين الموجودين في الساحة، مثل : الفنان داوود الحوتي، والفنان فرج بو فاخرة، والفنان علي فلاح، والفنان محمد الصادق، والشباب الأكاديميين المتميزين.
المسرح عطاء بلا حدود، والأخذ برأي الآخرين يزيد الموهبة صقلاً. كما أنصحهم بالعمل واثبات أنفسهم أمام الجمهور المحلي أولاً قبل التفكير في المهرجانات الخارجية؛ فالجمهور المحلي هو من يصارحك بصداقة وصدق دون مجاملة.
وفاءً لأصحاب الفضل مَنْ هم الأساتذة الذين تركوا بصمة في مسيرتكِ؟.
أنا شخصيًا لستُ خريجة أكاديمية، بل حاصلة على بكالوريوس حاسوب، لكن الموهبة، والدورات، والتوجيه من أساتذة كبار هم من صنعوا مسيرتي.
مدتْ ليَّ يد العون أسماء لا يمكن أن أنساها وأشكرهم من كل قلبي: المرحوم علي الجهاني، الفنان خليفة الحوات، المرحوم رافع نجم، والسيد فرج بو فاخرة الذي كان له دورٌ كبيرٌ جدًا وعرفني على تاريخ المسرح وكان يمدني بالكتب للاطلاع.
وكذلك أ.علي فلاح الذي أعتبره الأب الروحي ليَّ؛ فلم يجاملني يومًا وكان يوجهني وينتقدني بكل صدق وما زلت أستشيره في كل عمل. وأيضًا أ.محمد الصادق، أ.علي بحيري، أ.أحمد إبراهيم، وأ.عبد السيد آدم، وأ.داوود الحوتي، وكل زملائي الذين ما زلت أتعلم منهم حتى اليوم.
ختامًا .. ما أمنياتك للمسرح والحراك الثقافي في ليبيا؟
أتمنى أن يعود الحراك المسرحي كما كان في السابق. ونرى في مدينتي بنغازي وفي كل المدن مركبًا ثقافيًا كاملاً يشمل مسارح، ودور عرض سينما، ومكتبات ثقافية. نتمنى صيانة المسرح واتاحت الفرص أمام الجيل الجديد، وإقامة الورش التدريبية للاستفادة من خبرات مثقفينا وخبرائنا. كما أتمنى من كل قلبي عودة المهرجانات المدرسية، وعودة حصة المسرح والموسيقى للمناهج؛ لأنها المُنقذ لإبراز الموهوبين خاصة العنصر النسائي الذي يعاني حاليًا من فجوة ونقص كبير في الفئات العمرية الشابة )بين 12 و20 سنة(.
وفي النهاية، أشكر صحيفة «فبراير»، وأشكر الأستاذ طارق على هذه الأسئلة الشاملة. وعاش المسرح وعاش الفن، وإن شاء الله نرى مسارحنا، وأعمالنا قريبًا في أعلى المستويات.



