رأي

أزمة الوقود وطوابير المحطات

بقلم : عثمان القاجيجي

تشهد‭ ‬البلاد‭ ‬في‭ ‬الآونة‭ ‬الأخيرة‭ ‬أزمة‭ ‬خانقة‭ ‬في‭ ‬إمدادات‭ ‬الوقود،‭ ‬انعكست‭ ‬بصورة‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬تفاصيل‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬للمواطنين‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬المناطق؛‭ ‬إذ‭ ‬تحولت‭ ‬محطات‭ ‬التوزيع‭ ‬إلى‭ ‬ساحات‭ ‬لانتظار‭ ‬يمتد‭ ‬لساعات‭ ‬طوال،‭ ‬وأحياناً‭ ‬لأيام،‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬حصة‭ ‬محدودة‭ ‬تكفي‭ ‬لمواصلة‭ ‬الأعمال‭ ‬وتسيير‭ ‬شؤون‭ ‬المعيشة‭ ‬الأساسية‭. ‬إن‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬المتكرر‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مجرد‭ ‬خلل‭ ‬لوجستي‭ ‬عابر،‭ ‬بل‭ ‬بات‭ ‬عبئاً‭ ‬ثقيلاً‭ ‬يستنزف‭ ‬وقت‭ ‬المجتمع‭ ‬وطاقاته،‭ ‬ويُربك‭ ‬حركة‭ ‬النقل‭ ‬والتجارة‭ ‬ومختلف‭ ‬المرافق‭ ‬الخدمية‭ ‬الحيوية‭.‬

إن‭ ‬مفارقة‭ ‬حدوث‭ ‬هذا‭ ‬النقص‭ ‬الحاد‭ ‬في‭ ‬دولة‭ ‬تمتلك‭ ‬ثروات‭ ‬نفطية‭ ‬كبرى‭ ‬تثير‭ ‬تساؤلات‭ ‬مشروعة‭ ‬حول‭ ‬أسباب‭ ‬التعثر‭ ‬المستمر‭ ‬في‭ ‬انتظام‭ ‬سلاسل‭ ‬التوزيع‭ ‬وتأمين‭ ‬احتياجات‭ ‬السوق‭ ‬المحلي‭ ‬بصورة‭ ‬مستدامة‭. ‬فالوقود‭ ‬يُمثل‭ ‬شرياناً‭ ‬رئيساً‭ ‬لا‭ ‬غنى‭ ‬عنه‭ ‬لإدارة‭ ‬عجلة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬وتأمين‭ ‬انتقال‭ ‬الأفراد‭ ‬والسلع،‭ ‬واستمرار‭ ‬انقطاعه‭ ‬أو‭ ‬تذبذب‭ ‬وفرته‭ ‬يُلقي‭ ‬بظلال‭ ‬قاتمة‭ ‬على‭ ‬الاستقرار‭ ‬المعيشي‭ ‬ويزيد‭ ‬من‭ ‬الضغوط‭ ‬النفسية‭ ‬والمادية‭ ‬على‭ ‬المواطن‭ ‬البسيط‭ ‬الذي‭ ‬يدفع‭ ‬ثمن‭ ‬هذا‭ ‬الارتباك‭ ‬دون‭ ‬ذنب‭. ‬وأمام‭ ‬هذا‭ ‬التراجع‭ ‬الخدمي‭ ‬المُقلق،‭ ‬تبرز‭ ‬مسؤولية‭ ‬‮«‬مجلس‭ ‬النواب‭ ‬الليبي‮»‬،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬رئاسته‭ ‬الجديدة،‭ ‬كصوت‭ ‬معبّر‭ ‬عن‭ ‬تطلعات‭ ‬الشارع‭ ‬وممثلٍ‭ ‬لإرادته‭ ‬الرقابية‭ ‬والتشريعية‭. ‬إن‭ ‬المرحلة‭ ‬الحالية‭ ‬تتطلب‭ ‬توجيه‭ ‬‮«‬تعليمات‭ ‬برلمانية‭ ‬صارمة‮»‬‭ ‬وعاجلة‭ ‬إلى‭ ‬السلطة‭ ‬التنفيذية‭ ‬والجهات‭ ‬المختصة‭ ‬بقطاع‭ ‬النفط‭ ‬والتوزيع،‭ ‬لإلزامها‭ ‬بوضع‭ ‬خطة‭ ‬عمل‭ ‬فورية‭ ‬تضمن‭ ‬تدفق‭ ‬الوقود‭ ‬إلى‭ ‬سائر‭ ‬المحطات‭ ‬في‭ ‬عموم‭ ‬البلديات‭ ‬والمناطق‭ ‬بعدالة‭ ‬وشفافية،‭ ‬ومعالجة‭ ‬أي‭ ‬تقصير‭ ‬إداري‭ ‬أو‭ ‬تشغيلي‭ ‬يعيق‭ ‬وصول‭ ‬هذه‭ ‬المادة‭ ‬الأساسية‭ ‬لمستحقيها‭. ‬وتتعاظم‭ ‬أهمية‭ ‬هذا‭ ‬التحرك‭ ‬البرلماني‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬المعطيات‭ ‬والمؤشرات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المقلقة‭ ‬التي‭ ‬تضمنتها‭ ‬تقارير‭ ‬وبيانات‭ ‬مصرف‭ ‬ليبيا‭ ‬المركزي،‭ ‬والتي‭ ‬تشير‭ ‬بوضوح‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬عدم‭ ‬ورود‭ ‬إيرادات‭ ‬مبيعات‭ ‬الوقود‮»‬‭ ‬المخصص‭ ‬للسوق‭ ‬المحلي‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬حسابات‭ ‬الخزانة‭ ‬العامة‮»‬‭ ‬وفق‭ ‬الأطر‭ ‬المُحاسبية‭ ‬السليمة‭.‬‭ ‬هذا‭ ‬الخلل‭ ‬المالي‭ ‬الجسيم،‭ ‬بالتزامن‭ ‬مع‭ ‬تكرار‭ ‬ضبط‭ ‬وقائع‭ ‬تهريب‭ ‬شحنات‭ ‬المحروقات‭ ‬عبر‭ ‬أعالي‭ ‬البحار‭ ‬والمنافذ‭ ‬البرية‭ ‬للدولة،‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬الأزمة‭ ‬لا‭ ‬تقف‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬زيادة‭ ‬الطلب‭ ‬أو‭ ‬نقص‭ ‬المعروض،‭ ‬بل‭ ‬تتصل‭ ‬بشبكات‭ ‬ومنظومات‭ ‬‮«‬غير‭ ‬قانونية‮»‬‭ ‬تستنزف‭ ‬موارد‭ ‬البلاد‭ ‬وتنهب‭ ‬مقدرات‭ ‬أجيالها‭.‬

إن‭ ‬هذه‭ ‬المؤشرات‭ ‬مُجتمعة‭ ‬تُملي‭ ‬على‭ ‬البرلمان‭ ‬واجباً‭ ‬وطنياً‭ ‬لا‭ ‬يقبل‭ ‬التأجيل،‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬الشروع‭ ‬فوراً‭ ‬في‭ ‬فتح‭ ‬‮«‬ملف‭ ‬توريد‭ ‬وتوزيع‭ ‬الوقود‮»‬‭ ‬بالكامل،‭ ‬و»تشكيل‭ ‬لجان‭ ‬تحقيق‭ ‬فنية‭ ‬وقضائية‮»‬‭ ‬مُحايدة‭ ‬لتقصي‭ ‬الحقائق‭ ‬والوقوف‭ ‬على‭ ‬مسارات‭ ‬التهريب‭ ‬وحجم‭ ‬الهدر‭ ‬المالي‭ ‬المرافق‭ ‬لها‭. ‬إن‭ ‬وضع‭ ‬حد‭ ‬لمعاناة‭ ‬المواطن‭ ‬أمام‭ ‬المحطات،‭ ‬وتأمين‭ ‬حقه‭ ‬المشروع‭ ‬في‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬الوقود،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتحقق‭ ‬بالحلول‭ ‬الترقيعية‭ ‬المؤقتة،‭ ‬بل‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬‮«‬1‮»‬‭ ‬خلال‭ ‬مساءلة‭ ‬المتورطين‭ ‬بكل‭ ‬حزم،‭ ‬و‮«‬2‮»‬‭ ‬حماية‭ ‬المال‭ ‬العام‭ ‬من‭ ‬الاستنزاف،‭ ‬و‮«‬3‮»‬‭ ‬إعادة‭ ‬بسط‭ ‬الرقابة‭ ‬القانونية‭ ‬الصارمة‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬لتر‭ ‬وقود‭ ‬يدخل‭ ‬الأراضي‭ ‬الليبية‭ ‬أو‭ ‬يُنتج‭ ‬فيها‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى