ماذا فعل بنا الموسيقار الهادي الـشريف؟!

عندما علمتُ أن شبابًا من مدرسة «الفنون والصنائع» سيقدمون عرضًا موسيقيًا في دار «الأوبرا» المصرية، قلتُ لنفسي: لو وجدتُ رفيقًااً فسأسافر إلى القاهرة لدعمهم وتشجيعهم. فهؤلاء الشباب يمثلون ليَّ شيئًا خاصًا. أبي تعلّم الموسيقى في مدرسة «الفنون والصنائع»، وأنا تعلمتُ على يد الأستاذ عبد الله آدم، الذي تعلّم الموسيقى في المدرسة نفسها. وحين كنتُ صبيًا، كنتُ مثل هؤلاء الصبية، أخطو خطواتي الأولى في تعلّم العزف على آلة نحاسية. سنواتٌ أسعدتني كثيراً، ثم مضت، وصارت ذكرى جميلة. لكل هذه الأسباب، وجدتُ نفسي راغباً في السفر لحضور هذه المناسبة، خاصة وأن أوركسترا القاهرة السيمفوني ستعزف أعمالاً للموسيقار الهادي الشريف. لكن في اليوم التالي بدأت آلام ظهري المزمنة تشتد، وكأنها تريد أن تفسد عليّ هذه الرغبة. وقد وجدتُ الرفيق! فقد أخبرني أخي الأستاذ الفنان بشير الغريب بأنه حجز رحلة طيران لحضور الحفل..
قلتُ لنفسي: لا مفر إذن، ليكن السفر رغم آلام الظهر ! لكن في اليوم التالي اشتدتْ الآلام إلى درجة جعلت السفر والتنقل أمراً لا يُحتمل، وصار من الحكمة بمكان أن ألغي الفكرة. كان ذلك محزناً جداً ! وفي اليوم الذي تلاه خفّ الألم، فعُدتُ إلى قراري. ولكي لا أتراجع مرة أخرى، حجزتُ مقعدًا على الطائرة ودفعتُ ثمنه. لا رجوع هذه المرة! حاولتُ إقناع عدد من الأصدقاء بمرافقتي. كان الجميع يتحمس في البداية، ثم يفتر الحماس، ويتراجع الواحد تلو الآخر.
وجاء موعد السفر.
أخذتُ حقنة لتخفيف الألم، وتوكلتُ على الله، وانطلقتُ إلى المطار. وفي «معيتيقة» التقيتُ بالأستاذ بشير الغريب، وبخالد الهادي الشريف، نجل الموسيقار الهادي الشريف. وهكذا بدأت الرحلة .. في المطار وبينما كنا ننتظر موعد الرحلة، حدثنا خالد الهادي الشريف عن الحكاية التي سبقتْ هذا الحفل، وكيف تبلور مشروع إعادة إحياء مؤلفات والده، عبقري الموسيقى الهادي الشريف، تلك الأعمال التي مرتْ في تاريخنا دون أن ننتبه إلى قيمتها.
حدثنا خالد كيف أعاد تدوين هذه المؤلفات باستخدام برنامج حاسوبي متخصص في كتابة النوتة الموسيقية. أكثر من سبعمائة صفحة أعاد كتابتها بدقة متناهية، ثم استخدم البرنامج لتوليد النغمات، حتى أصبح بالإمكان الاستماع إلى هذه الأعمال.
وعندما اكتمل العمل أرسله إلى المايسترو أحمد السعيدي، الذي فوجئ بما تحمله مؤلفات الهادي الشريف من إبداع موسيقي، وأُعجب بها إلى درجة أنه أبدى رغبته في توزيعها لتؤديها أوركسترا القاهرة السيمفوني.
ولكن أين؟ وكيف؟.
هنا بدأت رحلة خالد الأخرى، رحلة إقناع المسؤولين! طرق أبوابًا كثيرة دون جدوى، حتى التقى بالشاعر الرقيق سالم العالم، الذي يشغل أيضًا منصب وزير الثقافة! لكن تنفيذ هذه الأعمال يحتاج إلى آلاف الدولارات، وهكذا بدأ المشروع وكأنه وصل إلى طريق مسدود. فنحن نسمي سالم العالم، على سبيل المزاح، )الوزير المفلس( ..!
ولأن ذكرى وفاة الموسيقار الهادي الشريف توافق الخامس من نوفمبر، ولأنه أحد خريجي مكتب الفنون والصنائع، تدخلتْ الدكتورة إلهام الفرجاني، رئيس مجلس إدارة المدرسة، وناضلت من أجل تضافر الجهود لإنجاز هذا المشروع. ونجحت تلك الجهود في تحقيق أمرين: أن تقدم أوركسترا القاهرة السيمفوني عملين من مؤلفات الهادي الشريف، وأن تسافر الفرقة الموسيقية حديثة التكوين في مكتب الفنون والصنائع، والمكونة من طلبة المدرسة، لتقدم فقرة موسيقية على مسرح دار الأوبرا المصرية.
وها نحن نستعد لصعود الطائرة لحضور هذا الحفل التاريخي بعد يومين. ما إن أقلعت الطائرة حتى هاجمتني نوبة عطس لم تتوقف! كانت أعراض نزلة برد «بنت كلب» تتمدد في جسمي، وما إن وصلت إلى مقر إقامتي حتى تمكنت مني وأردتني طريح الفراش. كان همي الأكبر أن تنتهي هذه «بنت الكلب»، أو تخف على الأقل، خلال اليومين القادمين. كي اتمكن من حضور الحفل الذي سافرتُ من أجله من طرابلس! لكن ذلك كان شبه مستحيل! وهكذا كان أول ما فعله بي الموسيقار الهادي الشريف أن تسبب ليَّ في نزلة برد شديدة!
وجاء موعد الحفل. ولسبب لا أعرفه، كانت معظم الأعراض قد اختفت. استطعتُ بطريقة ما أن ألحق بصديقي الفنان بشير الغريب، رفيق الرحلة، ووصلتُ إلى دار الأوبرا في الموعد. كيف حدث ذلك؟ لا أعرف! لا بد أنها من خبايا أفعال الهادي الشريف! ومن مشاهدة شباب مدرسة الفنون والصنائع وهم يقدمون عدة مقطوعات موسيقية.. تخيلتُ نفسي صبياً أقف معهم اعزف آلة «السكسفون». كان منظرهم وعزفهم ياسر القلب. لكن الموسيقار الهادي الشريف لم يكتفِ بما فعله بي، فقد كان لصديقي بشير الغريب نصيب آخر من أفعاله!
عندما انتهى الحفل غادر بشير المسرح، إذ لم يكن يتوقع حضوري، ليواجه رحلة العودة إلى مقر إقامتنا في «مدينتي»، شرق القاهرة. وبشير من النَّوع الذي يعشق التنقل بالمواصلات العامة. فهو يستعيد من خلالها ذكرياته الخاصة حين كان يقيم في القاهرة منذ سنوات.
قرَّر أن يستقل «المترو» إلى العتبة، ثم الأتوبيس إلى حدائق القبة، ثم الميكروباص إلى مدينة نصر، ومنها يستقل الأتوبيس الخاص بمنطقة مدينتي! لكن الوقت كان متأخراً، واكتشف ان آخر اتوبيس كان قد غادر واكتشف أن شحن هاتفه «زيرو »0. حاول أن يتذاكى، وعرف من النَّاس أن هناك مواصلات تسير على طول طريق السويس الشهير؛ حيث تقع مدينتي. ولكن أين يجد الأتوبيس؟ كان عليه أن يمشي مسافة طويلة حتى يصل إلى الموقف المسمى أربعة ونصف. وبعناده المعتاد، مشى ووصل، رغم الألم الذي سببه له الحذاء الجديد الذي ارتداه مع بدلته الأنيقة خصيصًا لحضور حفل موسيقى الهادي الشريف !
ركب السيد بشير الأتوبيس الصغير، وأخبر «الكمسري» بأن محطته هي «مدينتي». انطلق الأتوبيس، وخلع بشير حذاءه ليريح قدميه المتعبتين. ثم نام! وخلال نومه غادر «الكمسري» الأتوبيس فقد كانت آخر رحلة، وعندما نادى السائق بأن المحطة القادمة هي «مدينتي»، كان بشير يغط في نوم عميق! وحين استيقظ، كان الأتوبيس قد وصل إلى محطته الأخيرة في مدينة اخرى تسمى مدينة «بدر»! اكتشف بشير أنه صار بعيدًا عن مدينتي، فشرح للسائق ما حدث. كان السائق قد «سخفه» هذا الليبي التائه، فسأله:
ــ اسمك إيه يا أستاذ ؟.
ــ بشير الغريب.
فرد السائق:
- اسم على مسمى! تائه وغريب، وكمان اسمك الغريب! ولأن بشير «صُعب عليه»، قرَّر السائق أن يعيده وحده إلى مدينتي، بل ومجاناً! كنتُ أنتظره، وحين وصل كان الإعياء قد نال منه، والحذاء أيضًا نال منه ما نال! وكانت الساعة الرابعة والنصف! وهذا ما فعله الموسيقار الهادي الشريف بصديقي بشير الغريب! لكن الفعلة الكبرى للموسيقار الهادي الشريف كانت ما فعلته بنا موسيقاه العبقرية. جلستُ في مقعدي في دار الأوبرا، أضع كمامة على وجهي، وأقاوم ما تبقى من نوبات العطس. وبدأتْ الأوركسترا تعزف العمل الأول: «علاء الدين والمصباح السحري». وهي متتالية أوركسترالية «Orchestral Suite» تتكون من عشر حركات موسيقية.
كانت الموسيقى ساحرة، مثل مصباح علاء الدين نفسه! أخذتنا إلى عالم روح، إلى نغمات انسيابية تتدفق في تناغم بديع. وكانت أوركسترا القاهرة السيمفوني تعزف بروح كنتُ أراها على وجوه العازفين، وفي درجة انسجامهم وغوصهم في كل حركة موسيقية. أما المايسترو أحمد السعيدي، فكان يقود الأوركسترا وهو يكاد يرقص، من شدة انسجامه مع نغمات العبقري الهادي الشريف. ثم جاءتْ المتتالية الأوركسترالية «معركة الهاني»، فكانتْ إبداعاً آخر، أخذنا إلى أعماق الحدث التاريخي، وكأنَّ الموسيقى تعيد تصوير المعركة أمامنا.
هذه هي أفعال موسيقى الهادي الشريف! لقد نسيتُ المرض تمامًا، وشعرتُ وكأنَّ الموسيقى قد شفتني من نزلة البرد، التي هانت أمام متعة الاستماع إلى هذه الأعمال البديعة. أما بشير، فكانت آخر عبارة قالها قبل أن يخلد إلى النَّوم، بعد رحلته الشاقة، أنه مستعد للسير على قدميه إلى القاهرة مرة أخرى ليستمع إلى موسيقى الهادي الشريف. لكنه أضاف شرطاً واحداً: )المرة الجاية نمشي حفيان!(.



