الرئيسية / رأي / جَدَّتِي لأَبي، وَالقَرْقُوْش!!! د. رضا محمدجبران

جَدَّتِي لأَبي، وَالقَرْقُوْش!!! د. رضا محمدجبران

 

كَانَ أَبي مُحَمَّد مَسْعُود جُبْران ((رَحِمَهُ اللهُ تَعَالى)) صَاحبُ الخُلُقِ الدَّمْثِ، وَالصِّفَاتِ المَحمودةِ النَّبِيلَةِ، وَالأَدبِ الجَمِّ المُصَفَّى، وَحِيْدَ أُسْرَتِهِ التي انتَظَرَتْهُ زَمنًا طَويلًا عَلَى شَوْقٍ وَحُبٍّ، لِيَرى الحَياةَ، وَيَغْمُرَ قَلْبَ أُمِّهِ الظَّاميءِ بِطَلَّتهِ وَقُدومهِ لِهَذه الدُّنيا، وَلِيُشَرِّفَ مَدينتَهُ طَرابُلسَ، فِي مَنْطقةِ (أَبو مِنجلٍ) التي قَالَ فِيهَا قَصيدةً تُصَوِّرُ حَنِينهُ وَحُبَّهُ لمِسْقَطِ رَأْسهِ، وَمَلاذِ طُفولتهِ وَشَبابهِ، وَمَربعِ أَجدادهِ ، نَجْتَزِأُ مِنها قَوْلُهُ: (بُوْمِنجلٍ) أَنْفَقتُ فِيكَ طُفُولتي

وَشَبِيبَتي فِي أَعذبِ الأَيامِ

أَنْهَلتَني مِن رَاحتيكَ مَوَارِدًا

وَهَوَاطلاً فِضِّيةَ الأَختَامِ

وَحَبَوتَنِي فِي عُدْوَتيكَ بِرِفْقَةٍ

بَقيتْ نَشَاوَى مِن كُؤوسِ مُدَامِ

وَكَرعتُ مِن أَلقِ الصَّفاءِ مَحَبَّةً

مَجْدُوَلةً تَزهُو مِن الإِبرَامِ

وَعَشيرتي فِيكَ اصطَحبتُ وَجِيرتَي

سَبَقُوا بِفَضلِ وِصَالهم أَرحَامِي

كَانَ هَذَا الأَبُ الجَليلُ  ((رَحمهُ اللهُ)) وَجَدَّدَ عَليه المغفرةَ، زَاهدًا فِي الدُّنيا وَمَتاعِهَا، رُغمَ الثَّروةِ التي تَركَهَا لَهُ جَدُّهُ، وَلَجأ إِلى البَاقي الذي يَدوم، سَارَ في سَبيلِ العِلمِ وَالمعرفةِ، وَفي مَجالِ اللغةِ العَربيةِ الخَالدة، التي تَكَلَّمَ وَأَفصحَ بِهَا فِي هَذه الدُّنيا الفَانِية، وَسَتكونُ مَنْطِقُهُ فِي جَنَّاتِ النَّعيمِ بِإذنِ اللهِ تَعالى، كَانَ أَبي بَارًا بِأُمِّهِ وَأَبيهِ رَحمهم اللهُ جَميعًا، لِصِيْقَاً بأُمِّهِ التي كَانتْ تَرْسُمُ لَه طَريقَهُ بِالرِّضى عَنه، وَتَسْتَشرفُ لَهُ المُستقبلَ الزَّاهرَ الوَاعدَ، وَكَان كَما تَمَنَّتْ وَحَلِمتْ، أَمٌّ بَرْزَةٌ كَمَا وَرَدتْ فِي قَواميسِ اللغة العربية، لا كَما كَانت تَنْطِقُهَا حِنَّاي (( جَدَّتِي))، وَتَقولُ فِي تَمييزِ النِّسوةِ: (( هَذه فَرْزَة)) بِالحَرفِ الوَاحدِ، نَعم كَانت كَذَلكَ، فَقد حَنَّكتهَا الأَيامُ، وَأَحكمتها  التَّجاربُ، وكَانت تُحِبُّ أَبي حُبَّاً جَمَّاً، وَتُحِبُّنَا حُبَّاً أَكثرَ مِن ذَلكَ، وَكانت تَقولُ: (مَا فِيشْ خِير مِن الوِلدْ، إِلّا وِلدْ الوِلدْ)، رحَمها اللهُ تَعالى، وَكانَ الحُبُّ مَقْسومًا بَيْني وَبَينَ أَبي وَإِخوتي جَميعًا بِنَفسِ القَدْرِ، كَانت حِنَّاي (رحمها اللهُ) وَكَما تُحبُّ أَنْ أُنادِيهَا دَائما، خِزانةً مِن الأَدبِ وَالشِّعرِ، وَكَانتْ رَكيزةً صُلبةً فِي بِنَاءِ أُسْرتِنَا، كَانت تُعِيْنُهُ فِي كُلِّ تَدابيرِ البَيتِ، تُساعدُ أُمِّي فِي تَرْبِيتِنَا، بَل هِي التي استَحوذَتْ عَلى قَدر كَبيرٍ مِنهُ بِحُبِّهَا، وَخِبْرَتها، وَحَكَايَاهَا التي لا أَنْسَاهَا عِندما كُنتُ فِي حُضْنِهَا، كَانت تَصنعُ مِن اللاشَيءَ شَيئًا، وَتُبْدِعُ فِي كُلِّ تَدابيرِ المَنزلِ، فَهي (( اعريفةٌ)) كَمَا يَقولون، تُساعدُ الفَتَيَاتِ المُقْدِمَاتِ عَلى الزَّواجِ عَلى تَعلُّمِ أُمُورِ المنزلِ المُتنوعةِ، وَأَغلبُ نِساء طَرابُلسَ تَخرجْنَ مِن مَدرستها، فَهي مَاهرةٌ فِي التَّطريزِ، وَالفِلاحةِ، والطَّبخِ وَلوازمهِ، وكَانَ ((القَرْقُوشُ)) أَيّ القَدِيدُ، وَهُو الّلحمُ المجفَّفُ بِالمِلحِ، وَالمَقْلِيُّ بِالزَّيتِ، عِمَادَ مَطْبَخِهَا، وَكَانت تُحسنُ إِعدَادَهُ، حَيثُ كَان أَبي لا يَقْبَلُ مِن الضَّأنِ إِلّا ((بِالثِّني)) أَقْرنَ أَمْلَحَ، رُغْمَ بُؤسِ القَوانينِ الماليةِ التي كَبَّلتهم فِي ذَلكَ العَهدِ، فَالمُرتَّبُ زَهيدٌ، وَأَهْلُهُ يَقومونُ عَلى الكَفَافِ، رُغم غِنى هَذه الدَّولةِ التي يَعيشُ فِيها، وَلكن بِحَمدِ اللهِ وَتَوفِيقهِ، فَالمِلحُ وَالزَّيتُ كَانا بِثَمنٍ بَخْسٍ، وَهَذا مَا صَبَّرهُم، وَصَبَّرَ القَرقُوشَ فِي خَوَابِيهِ، وَلَمْ يُثِرْ سَخطَ اللبييينَ آنذاكَ، فَأُمورهم كُلُّها مَقْضِيَّةٌ مِن الجِمعياتِ الاستهلاكية، التي كَانت وَلازالتْ مَفْخرةً عَلى أَلسِنَةِ الشَّعبِ، ((لا ظَالَم لا مَظلُوم، لا سَيِّدَ لا مَسْيُود))، وَهذه المَفاخرُ، وَتَجاربُ الحَياةِ، صَنَعتْ مُجتمعًا صَابرًا، لا يكابرُ وهو يَقِفُ فِي طَوابيرِ المَخابزِ، ولا يكابرُ وَهو يَقفُ أَمامَ المَصارفِ بالسَّاعاتِ الطِّوالِ، ولا يَنزعجُ وَهُو يَقفُ مُنتظرًا إِسطواناتِ الغَاز، ولا يَتضجرُ وَهو يَنتظرُ مُرتباتِهِ التي انقطعتْ عَنهُ بِالشَّهرينِ وَالثَّلاثةِ أشهرٍ، هَذه هِي مَدرسةُ الحَياةِ، وكَما جَاءَ فِي المَثلِ: ((حِيْلَةُ مَنْ لا حِيْلةَ لَهُ الصَّبرُ))، وكَانَ مَنْ اختارَ شِعَارَ حِزْبِهِ (( الصَّبارَ)) ذَكِيَّاً فِي هَذا الاختيارِ لِمَعرفتهِ بِطَبيعةِ هَذا الشَّعبِ المُناضلِ، فَحَياتُهُ صَبٌر َوَمُصابرةٌ وَمُكابدةٌ، وَكُلُّنا أَملٌ فِي أَن تُصرفَ مَرتباتِنا عَن قَريبٍ، فَالصَّبرُ قَرَّرَ أَنْ يَرحلَ عَنَّا، رُغْمَ تَرْدِيدنا لِلمَثلِ الليبيِّ المَشهورِ، (( شُنو مَصَبِّركْ يَا قِدِّيدةِ، قَالتْ: الزِّيتْ وَالملحْ)).حَفظَ اللهُ ليبيا مِن كَيدِ الأَعداءِ، وَكتبَ لَنا فِيهَا الهَناءَ، وَرزقنا الصَّبرِ علَى البلاءِ

 

عن ibrahim Aboargoub

كاتب وصحفي عمل ونشر وكتب في عديد الصحف الليبية، عمل محرراً بعدد من وكالات الأنباء منها قناة الرائد ووكالة أنباء التضامن وقناة ليبيا الوطنية، مدير تحرير سابق لصحيفة فبراير، مدير سابق للموقع الألكتروني لهيئة الصحافة، مدير تحرير سابق وحالي للموقع الألكتروني لصحيفة فبراير.

شاهد أيضاً

بعيدا عن السياسة .. للناجي الحربي

  سأحدثكم عن الرياضة.. فهي رغم حساسيتها الشديدة إلا أنها لا علاقة لها بالسياسة.. أكاد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.