
في عام 2009 تم تغيير المناهج التقليدية المحلية في العلوم والرياضيات لكل المراحل الدراسية في ليبيا، واستبدلت بالمناهج السنغافورية المترجمة، وتم اعتماد الامتحانات الإلكترونية كوسيلة وحيدة للتقييم في الامتحانات النهائية في شهادات إتمام مرحلة التعليم الأساسي والثانوي في جميع المواد والتي تكون فيها الأسئلة متعددة الخيارات ويقوم الكمبيوتر بتقويم إجابات الطالب في زمن قياسي.
منذ اعتماد هذه الطريقة قلتها بصوت عال أنها غير علمية وغير مجدية وغير صحيحة للتقويم في كثير من المواد الدراسية، خاصة الرياضيات واللغة العربية والإنجليزية وغيرها من المواد التي تحتاج إلى أن يعبر الطالب بنفسه بلغة واضحة ويحلل المسائل، لأن الناتج النهائي في مادة مثل الرياضيات لا يمثل إلا جزءاً بسيطا من الحل، وتقييم الطالب يعتمد على مدى معرفته لطريقة الحل.
وعندما طرحت أسئلتي على وزير التعليم في سبتمبر 2013 عبر لقاء تلفزيوني، علل وزير التعليم استخدام تلك الطرق الالكترونية وعدم استخدام الطرق التقليدية في الوقت الحالي أو استخدامهما معاً مثل باقي دول العالم ذات التعليم الجيد، بعدم وجود مصححين أكفاء وضعف مستوى المعلمين أنفسهم بشكل عام، وعدم قدرتهم على التقييم الصحيح، مقرا بأنه لا توجد دولة في العالم تعتمد فقط على الطرق الالكترونية للامتحانات، إن نظام الأسئلة الاختيارية بصيغته الحالية يسمح بتحقيق نسبة نجاح بالحظ والتخمين العشوائي تتجاوز الـ 25% لطالب لم يفتح كتاباً ولا يملك أدنى مقومات المعرفة، وذلك عبر التخمين العشوائي وعندما يتساوى من اجتهد وسهر الليالي مع من تخيل إجاباته بالصدفة او بالغش، فنحن نجفف مناهجنا من المعرفة ونفرغ الشهادات من قيمتها العلمية والأكاديمية.
إن الاقتصار على تظليل الدوائر في الامتحانات الإلكترونية يقتل مهارة التعبير اللغوي والتفكير المنطقي ولهذا السبب قد تجد طلابا حصلوا على 95% في الثانوية العامة، لكنهم يعجزون عن صياغة فقرة متماسكة أو كتابة طلب رسمي عند التحاقهم بالجامعة.
كما إن الغش في الامتحانات الإلكترونية هو أمر سهل؛ فالإجابة لا تتطلب سوى تظليل دائرة في أقل من ثانية، وهو ما يُمكن الطالب من نقل الإجابة بلمحة عين دون ترك أي أثر مادي.
في المقابل، فإن الغش في الأسئلة المقالية معقد؛ فحتى لو تحصل الطالب على الإجابة عبر هاتف أو قصاصة ورق أدخلت إليه خلسة، فإن الصعوبة تكمن في نقل تلك الإجابة بكامل تفاصيلها وخطواتها المرتبة بدقة إلى ورقة إجابته، وغالباً لا يسعفه الوقت لاستكمال الإجابة المغشوشة، ناهيك عن أن أسلوب الكتابة والخطوات تُعري عدم فهمه وتكشف زيفه بسهولة.
إن الامتحانات الإلكترونية تقيس التذكر والتخمين، وتفشل تماماً في قياس مهارات التفكير العليا كـ «التحليل، النقد، والابتكار» وهي المهارات التي تميز الطالب الموهوب بالفعل عن غير
لم أسمع بأي دولة تُطبق نظاماً تعليميا تعتمد فيه هذا النوع من الأسئلة كوسيلة وحيدة وأحادية للتقييم، خاصة في مراحل حاسمة كإتمام الشهادة الثانوية أو ما يعادلها، فالأنظمة الجيدة «مثل الثانوية البريطانية A-Levels» تجعل المقال والتحليل والتعبير الكتابي عمودها الفقري.
إن الأخذ بالتكنولوجيا والتحول الرقمي أمر مطلوب، وإن الحل لا يكمن في إلغاء التكنولوجيا، بل في الاستعادة الفورية للأسئلة المقالية، وإعادة الهيبة للشهادة الثانوية.

