رأي

التعليم‭ ‬العالي‭ ‬الخاص‭ ‬إلى‭ ‬أين؟

إسماعيل‭ ‬الصغير

لم‭ ‬يعد‭ ‬التعليم‭ ‬العالي‭ ‬الخاص‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬خياراً‭ ‬هامشياً‭ ‬أو‭ ‬نشاطاً‭ ‬مكمّلاً،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬شريكاً‭ ‬أساسياً‭ ‬في‭ ‬استيعاب‭ ‬أعداد‭ ‬متزايدة‭ ‬من‭ ‬الطلبة،‭ ‬وتوفير‭ ‬تخصصات‭ ‬متنوعة،‭ ‬وفتح‭ ‬آفاق‭ ‬جديدة‭ ‬أمام‭ ‬الشباب‭ ‬لمواصلة‭ ‬تعليمهم‭ ‬الجامعي‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬اتساع‭ ‬هذا‭ ‬القطاع‭ ‬يضعنا‭ ‬أمام‭ ‬سؤال‭ ‬مشروع‭ ‬وملحّ‭: ‬التعليم‭ ‬العالي‭ ‬الخاص‭ ‬إلى‭ ‬أين؟

إن‭ ‬الحكم‭ ‬على‭ ‬مؤسسات‭ ‬التعليم‭ ‬العالي‭ ‬الخاص‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مبانيها،‭ ‬أو‭ ‬حملاتها‭ ‬الإعلانية،‭ ‬أو‭ ‬أعداد‭ ‬المسجلين‭ ‬فيها،‭ ‬وإنما‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬جودة‭ ‬برامجها،‭ ‬وكفاءة‭ ‬أعضاء‭ ‬هيئة‭ ‬التدريس،‭ ‬ونزاهة‭ ‬نظمها‭ ‬الأكاديمية،‭ ‬ومدى‭ ‬قدرة‭ ‬خريجيها‭ ‬على‭ ‬المنافسة‭ ‬والإسهام‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬المجتمع‭ ‬وسوق‭ ‬العمل‭. ‬فالجامعة‭ ‬أو‭ ‬المعهد‭ ‬العالي‭ ‬ليسا‭ ‬مكاناً‭ ‬لمنح‭ ‬الشهادات،‭ ‬بل‭ ‬مؤسستان‭ ‬لصناعة‭ ‬المعرفة‭ ‬وبناء‭ ‬الإنسان‭.‬

لقد‭ ‬أسهم‭ ‬التعليم‭ ‬العالي‭ ‬الخاص‭ ‬في‭ ‬تخفيف‭ ‬الضغط‭ ‬عن‭ ‬المؤسسات‭ ‬العامة،‭ ‬وأتاح‭ ‬فرصاً‭ ‬تعليمية‭ ‬لمن‭ ‬لم‭ ‬تسمح‭ ‬لهم‭ ‬ظروفهم‭ ‬بالالتحاق‭ ‬بالتعليم‭ ‬الجامعي‭ ‬الحكومي‭. ‬كما‭ ‬وفر‭ ‬مرونة‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬البرامج‭ ‬والتخصصات‭ ‬ونظم‭ ‬الدراسة،‭ ‬واستجاب‭ ‬بدرجات‭ ‬متفاوتة‭ ‬لحاجات‭ ‬المجتمع‭. ‬وهذه‭ ‬جوانب‭ ‬إيجابية‭ ‬ينبغي‭ ‬الاعتراف‭ ‬بها‭ ‬ودعمها،‭ ‬لكن‭ ‬الاعتراف‭ ‬بدوره‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬التغاضي‭ ‬عن‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬تواجهه‭.‬

ومن‭ ‬أبرز‭ ‬هذه‭ ‬التحديات‭ ‬تفاوت‭ ‬مستويات‭ ‬الجودة‭ ‬بين‭ ‬المؤسسات،‭ ‬وضعف‭ ‬الإمكانات‭ ‬العلمية‭ ‬لدى‭ ‬بعضها،‭ ‬وعدم‭ ‬استقرار‭ ‬الكوادر‭ ‬الأكاديمية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬تخصصات‭ ‬محددة‭ ‬يسهل‭ ‬تقديمها،‭ ‬دون‭ ‬الالتفات‭ ‬الكافي‭ ‬إلى‭ ‬احتياجات‭ ‬التنمية‭ ‬وسوق‭ ‬العمل‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الممارسات‭ ‬الخاطئة‭ ‬قد‭ ‬تختزل‭ ‬العملية‭ ‬التعليمية‭ ‬في‭ ‬تحصيل‭ ‬الرسوم‭ ‬والنجاح‭ ‬الشكلي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يهدد‭ ‬قيمة‭ ‬الشهادة‭ ‬وسمعة‭ ‬القطاع‭ ‬بأكمله‭.‬

إن‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬يختلف‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬استثمار‭ ‬تجاري‭ ‬آخر؛‭ ‬لأنه‭ ‬يتعامل‭ ‬مع‭ ‬مستقبل‭ ‬الأجيال‭ ‬ومصالح‭ ‬الوطن‭. ‬ومن‭ ‬حق‭ ‬المؤسسة‭ ‬الخاصة‭ ‬أن‭ ‬تحقق‭ ‬عائداً‭ ‬يضمن‭ ‬استمرارها‭ ‬وتطورها،‭ ‬ولكن‭ ‬لا‭ ‬يجوز‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الربح‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬المعايير‭ ‬الأكاديمية‭ ‬أو‭ ‬حقوق‭ ‬الطلبة‭. ‬فالطالب‭ ‬ليس‭ ‬زبوناً‭ ‬يشتري‭ ‬شهادة،‭ ‬بل‭ ‬متعلم‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يحصل‭ ‬على‭ ‬معرفة‭ ‬حقيقية،‭ ‬وتدريب‭ ‬جيد،‭ ‬وتقويم‭ ‬عادل،‭ ‬وبيئة‭ ‬تعليمية‭ ‬تحترم‭ ‬قدراته‭ ‬وطموحاته‭.‬

ويتحمل‭ ‬الطالب‭ ‬والأسرة‭ ‬أيضاً‭ ‬جانباً‭ ‬من‭ ‬المسؤولية؛‭ ‬فاختيار‭ ‬المؤسسة‭ ‬التعليمية‭ ‬يجب‭ ‬ألا‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬سهولة‭ ‬النجاح،‭ ‬أو‭ ‬انخفاض‭ ‬الرسوم،‭ ‬أو‭ ‬قرب‭ ‬المكان‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬اعتماد‭ ‬المؤسسة،‭ ‬وجودة‭ ‬برامجها،‭ ‬وكفاءة‭ ‬كوادرها،‭ ‬وسمعة‭ ‬خريجيها‭. ‬كما‭ ‬ينبغي‭ ‬للطالب‭ ‬أن‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬الرسوم‭ ‬التي‭ ‬يدفعها‭ ‬لا‭ ‬تعفيه‭ ‬من‭ ‬الالتزام‭ ‬بالحضور‭ ‬والتحصيل‭ ‬واحترام‭ ‬اللوائح‭ ‬الأكاديمية‭.‬

إن‭ ‬مستقبل‭ ‬التعليم‭ ‬العالي‭ ‬الخاص‭ ‬يتطلب‭ ‬رقابة‭ ‬جادة‭ ‬لا‭ ‬تكتفي‭ ‬بالإجراءات‭ ‬الشكلية،‭ ‬واعتماداً‭ ‬أكاديمياً‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬معايير‭ ‬واضحة،‭ ‬وتقييماً‭ ‬دورياً‭ ‬للبرامج‭ ‬والمخرجات،‭ ‬وربطاً‭ ‬حقيقياً‭ ‬بين‭ ‬التخصصات‭ ‬واحتياجات‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭. ‬كما‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬دعم‭ ‬البحث‭ ‬العلمي،‭ ‬وتطوير‭ ‬مهارات‭ ‬أعضاء‭ ‬هيئة‭ ‬التدريس،‭ ‬وتحديث‭ ‬المناهج،‭ ‬وتوفير‭ ‬المكتبات‭ ‬والمعامل‭ ‬والتقنيات‭ ‬الحديثة‭.‬

ولا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬التعليم‭ ‬العام‭ ‬والخاص‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬المنافسة‭ ‬السلبية،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬التكامل‭ ‬وتبادل‭ ‬الخبرات‭ ‬وخدمة‭ ‬الأهداف‭ ‬الوطنية‭. ‬فالمعيار‭ ‬الحقيقي‭ ‬ليس‭ ‬هوية‭ ‬المؤسسة‭ ‬أو‭ ‬ملكيتها،‭ ‬وإنما‭ ‬مستوى‭ ‬التعليم‭ ‬الذي‭ ‬تقدمه،‭ ‬ونزاهة‭ ‬أدائها،‭ ‬وقيمة‭ ‬خريجيها‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭.‬

إن‭ ‬السؤال‭: ‬‮«‬التعليم‭ ‬العالي‭ ‬الخاص‭ ‬إلى‭ ‬أين؟‮»‬‭ ‬لا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يُطرح‭ ‬بدافع‭ ‬التشكيك،‭ ‬بل‭ ‬بدافع‭ ‬الإصلاح‭ ‬والمسؤولية‭. ‬والجواب‭ ‬يتوقف‭ ‬على‭ ‬الطريق‭ ‬الذي‭ ‬نختاره‭ ‬اليوم‭: ‬فإما‭ ‬أن‭ ‬يتجه‭ ‬هذا‭ ‬القطاع‭ ‬نحو‭ ‬الجودة‭ ‬والاعتماد‭ ‬والابتكار،‭ ‬فيصبح‭ ‬شريكاً‭ ‬حقيقياً‭ ‬في‭ ‬التنمية؛‭ ‬وإما‭ ‬أن‭ ‬ينشغل‭ ‬بالتوسع‭ ‬الكمي‭ ‬ومنح‭ ‬الشهادات،‭ ‬فيفقد‭ ‬ثقة‭ ‬المجتمع‭ ‬ويضر‭ ‬بمستقبل‭ ‬أبنائه‭.‬

التعليم‭ ‬العالي‭ ‬الخاص‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬النجاح،‭ ‬لكنه‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬رؤية‭ ‬واضحة،‭ ‬وإدارة‭ ‬رشيدة،‭ ‬ورقابة‭ ‬نزيهة،‭ ‬ورسالة‭ ‬تضع‭ ‬جودة‭ ‬الإنسان‭ ‬قبل‭ ‬عدد‭ ‬المسجلين،‭ ‬وقيمة‭ ‬المعرفة‭ ‬قبل‭ ‬قيمة‭ ‬الرسوم؛‭ ‬لأن‭ ‬الأوطان‭ ‬لا‭ ‬تُبنى‭ ‬بالشهادات‭ ‬وحدها،‭ ‬وإنما‭ ‬بما‭ ‬تحمله‭ ‬تلك‭ ‬الشهادات‭ ‬من‭ ‬علم‭ ‬وكفاءة‭ ‬وأخلاق‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى