التعليمية

الشهادات المزورة.. امتحان النزاهة

فائزة صالح

فتح‭ ‬مكتب‭ ‬النائب‭ ‬العام‭ ‬ملف‭ ‬تزوير‭ ‬المؤهلات‭ ‬العلمية‭ ‬يضع‭ ‬المنظومة‭ ‬الأكاديمية‭ ‬أمام‭ ‬اختبار‭ ‬حقيقي،‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬بصحة‭ ‬الشهادات‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬بنزاهة‭ ‬المؤسسات‭ ‬التي‭ ‬تمنح‭ ‬الدرجات‭ ‬العلمية،‭ ‬والجهات‭ ‬التي‭ ‬تعتمدها،‭ ‬والمسؤولين‭ ‬الذين‭ ‬يتولون‭ ‬مراجعتها‭.‬

فالمؤهل‭ ‬العلمي‭ ‬ليس‭ ‬لقبًا‭ ‬للتباهي،‭ ‬ولا‭ ‬وسيلة‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬منصب‭ ‬أو‭ ‬ترقية،‭ ‬بل‭ ‬استحقاق‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬التحصيل‭ ‬العلمي‭ ‬والبحث‭ ‬والالتزام‭ ‬بالمعايير‭ ‬القانونية‭ ‬والأكاديمية‭. ‬وحين‭ ‬تحوم‭ ‬الشبهات‭ ‬حول‭ ‬صحة‭ ‬بعض‭ ‬المؤهلات،‭ ‬فإن‭ ‬الأمر‭ ‬يتجاوز‭ ‬أصحابها‭ ‬إلى‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬الجامعة‭ ‬الليبية‭ ‬ومكانتها‭ ‬وسمعة‭ ‬شهاداتها‭.‬

إن‭ ‬خطورة‭ ‬هذا‭ ‬الملف‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬احتمال‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬أي‭ ‬مخالفات‭ ‬قد‭ ‬انعكست‭ ‬على‭ ‬التعيينات‭ ‬والترقيات،‭ ‬وربما‭ ‬على‭ ‬مسارات‭ ‬دراسية‭ ‬أخرى،‭ ‬إذا‭ ‬ثبت‭ ‬التحاق‭ ‬طلبة‭ ‬ببرامج‭ ‬الدراسات‭ ‬العليا‭ ‬استنادًا‭ ‬إلى‭ ‬مؤهلات‭ ‬غير‭ ‬صحيحة‭. ‬وهنا‭ ‬تبرز‭ ‬ضرورة‭ ‬أن‭ ‬تشمل‭ ‬المراجعة‭ ‬جميع‭ ‬الحلقات‭ ‬المعنية،‭ ‬من‭ ‬أصحاب‭ ‬الشهادات‭ ‬إلى‭ ‬الجهات‭ ‬التي‭ ‬تولت‭ ‬اعتمادها،‭ ‬دون‭ ‬افتراض‭ ‬إدانة‭ ‬أحد‭ ‬قبل‭ ‬استكمال‭ ‬التحقيقات‭.‬

ولا‭ ‬تكتمل‭ ‬العدالة‭ ‬بمراجعة‭ ‬الشهادات‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬بمساءلة‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يثبت‭ ‬تورطه،‭ ‬سواء‭ ‬بالتزوير‭ ‬أو‭ ‬التسهيل‭ ‬أو‭ ‬الإهمال‭ ‬المتعمد،‭ ‬أو‭ ‬التستر‭ ‬على‭ ‬المخالفات‭. ‬كما‭ ‬تقتضي‭ ‬النزاهة‭ ‬حماية‭ ‬أعضاء‭ ‬هيئة‭ ‬التدريس‭ ‬الذين‭ ‬نالوا‭ ‬درجاتهم‭ ‬العلمية‭ ‬بجهدهم‭ ‬واستحقاقهم،‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬تتساوى‭ ‬الكفاءة‭ ‬مع‭ ‬الادعاء،‭ ‬ولا‭ ‬يُظلم‭ ‬المستحق‭ ‬بسبب‭ ‬ممارسات‭ ‬الآخرين‭.‬

المطلوب‭ ‬اليوم‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬التحقيقات‭ ‬إلى‭ ‬إجراءات‭ ‬واضحة‭ ‬ونتائج‭ ‬معلنة‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬القانون،‭ ‬وأن‭ ‬تخضع‭ ‬ملفات‭ ‬التعيين‭ ‬والترقية‭ ‬للمراجعة‭ ‬الموضوعية،‭ ‬مع‭ ‬ضمان‭ ‬حق‭ ‬الدفاع‭ ‬وقرينة‭ ‬البراءة‭. ‬فالإصلاح‭ ‬الحقيقي‭ ‬لا‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬التشهير،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬الأدلة‭ ‬والمحاسبة‭ ‬العادلة،‭ ‬ولا‭ ‬يكتمل‭ ‬بفتح‭ ‬الملفات،‭ ‬وإنما‭ ‬بكشف‭ ‬الحقيقة‭ ‬ومعالجة‭ ‬أسباب‭ ‬الخلل‭.‬

ويبقى‭ ‬السؤال‭: ‬هل‭ ‬يقود‭ ‬هذا‭ ‬الملف‭ ‬إلى‭ ‬مراجعة‭ ‬جادة‭ ‬تعيد‭ ‬الاعتبار‭ ‬للكفاءة‭ ‬العلمية،‭ ‬أم‭ ‬يظل‭ ‬مجرد‭ ‬إجراء‭ ‬ينتهي‭ ‬بانتهاء‭ ‬الاهتمام‭ ‬به؟

إن‭ ‬الجامعة‭ ‬الليبية‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬ألقاب‭ ‬أكثر،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬ثقة‭ ‬أكبر؛‭ ‬ولا‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬شهادات‭ ‬معلقة‭ ‬على‭ ‬الجدران‭ ‬بقدر‭ ‬حاجتها‭ ‬إلى‭ ‬عقول‭ ‬تستحقها‭. ‬فالعلم‭ ‬أمانة،‭ ‬والدرجة‭ ‬الأكاديمية‭ ‬مسؤولية،‭ ‬والنزاهة‭ ‬هي‭ ‬المعيار‭ ‬الذي‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يخضع‭ ‬له‭ ‬الجميع،‭ ‬دون‭ ‬استثناء‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى