
تُعيد صناديق «الفراولة» المنتشرة في كل مكان إلى الذاكرة أوّلى تجاربي مع الفاكهة.. صِغاراً كان التهامنا «برج الدلاعة» أشبه بالتهام أُسدٍ جائعٍ لفريسةٍ لذيذة، نَنشبُ فيه أسناننا وأحياناً أنوفنا فرحين بطعمها السُكريّ وقد سال دمها على ملابسنا، لابتهاجنا بهذا الصيد الثمين سببٌ مقنع، فقد أقنعنا والدي -رحمه الله- أنّ مذاقه عندما يكون «عِيّنة» أي أول أيام نزوله الأسواق، هو في طعم «القاز».
وكان رده المشهور على طلبنا شراءها في تلك الفترة: «بَنتّها قاز»..!
وهو ردٌ مقنعٌ لنا، بل استغربنا كيف يقبل النَّاس على أكلها وهي بطعم «القاز» المقزز.
حقيقة الأمر كان ذلك سبباً كافياً لعدم شرائه كل أنواع الفاكهة وبعض الخضراوات الموسمية عندما تكون «عِيّنة»…
لكنه كان أباً رحيماً أيضاً، فبعد مضيّ مدة محددة، نجد «سقيفة» البيت وقد امتلأتْ بكراتٍ من الدلاع متوسطة الحجم، وقد أعطى لنا الضوء الأخضر لالتهام ما شاء لنا منه، مُعللاً باختفاء طعم «القاز» منهُ.
مكرراً ذلك المنظر كلمّا نفدتْ كمية المخزون منه، أمرٌ أتاح لنا أن نأكل «الدلاع» مكتفيين بلبّه الأحمر اللذيذ، وهو ما يُعرف بأكل «الأفندية» على رأي نكتة أكل الدلاع -الصعيدية- المشهورة.!
كان ذلك أيضاً من دواعي سرور والدي، فقد كانت قشوره أكلة مفضلة لخروفٍ يربيه، ينام ليلاً في خزان «القبّة» تحت أعين صديقه حارس الخزّان.
لم نعرف من الفاكهة إلاّ ما سمحت به رقابة الوالد، ولم يُغيّر من سياسته ظهور عرجون «الموز» معلقاً في دكان «التاغدي».
فلم نكن نأكله للسبب نفسه، إلى أن تتكاثر فيه البقع السوداء، محولةً أياهُ إلى ما يشبه جلد سمكة «الزمرينة» ولتنتهي رحلته من غابات الأمازون إلى مثواه الأخير في زنقة «الربي نسيم»..
بعد سنوات عرفنا أنّ المذاق الذي يقصده والدي، وبسببهِ حُرمنا من تذوّق الفاكهة عند أوّل نضجها، ليس مادة «القاز» المتغلغلة في خلايا الفاكهة، بل هو عدم قدرته الماديّة على شرائها تلك الفترة، فخضراوات وفاكهة ذلك الزمان كانت تحت رقابة ضمير الفلّاح، والمسؤول.
طريقته نجحتْ نجاحاً باهراً في إقناعنا ولو إلى حين، ولم تُرهق ميزانيته المحدودة، وإن لم تتح له تجربتها مع «الفراولة» فلم يتح ليّ التعرّف عليها إلاّ بعد سنوات عديدة.
في غياب ضمير المنتِج والمسؤول، هل يكون لطريقته نفس المفعول، في مقاومة ما يدخل أفواهنا، مما حَسُن مظهره وأمتلأ هذه المرّة بمذاق أكثر خطراً وأشّدُ فتكاً من )القاز(..
أمّ أنّ إغراء الصندوق بعشرة لا يُقاوم؟



