فنون

النهاية السعيدة

ريان محمد الطبال

قصة قصيرة

 كعادته‭ ‬يستيقظ‭ ‬من‭ ‬النوم‭ ‬منزعجاً‭ ‬مضطرباً‭ ‬من‭ ‬وجع‭ ‬المعاناة‭ ‬والضغطات‭ ‬النفسية‭ ‬التي‭ ‬تولدت‭ ‬من‭ ‬جرأ‭ ‬معاملة‭ ‬والده‭ ‬معه‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬ينعته‭)‬بالمنبوذ‭(.‬

‭ ‬ياسين‭ ‬طالباً‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الاعدادية‭ ‬يعيش‭ ‬مع‭ ‬والديه‭ ‬تأثر‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬تنمر‭ ‬زميله‭ ‬ابراهيم‭ ‬له‭.. ‬حاول‭ ‬من‭ ‬فترة‭ ‬طويلة‭ ‬أن‭ ‬يصادقه‭ ‬،‭ ‬فخاب‭ ‬ظن‭ ‬ياسين‭ ‬لانه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬لديه‭ ‬صديق‭ ‬حميم‭ ‬يؤنسه‭ ‬ويشد‭ ‬من‭ ‬أزره‭ ‬في‭ ‬محنته‭ ‬مع‭ ‬والده‭.. ‬ولا‭ ‬شقيق‭ ‬يعتمد‭ ‬عليه‭.‬

‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬الأيام‭ ‬الصعبة‭ ‬شعر‭ ‬ياسين‭ ‬بالمرارة‭ ‬أكثر،‭ ‬وأصبح‭ ‬حساسًا‭ ‬تنقص‭ ‬لديه‭ ‬الثقة‭ ‬بالنفس‭ ‬من‭ ‬الأحداث‭ ‬والمقالب‭ ‬التي‭ ‬تشن‭ ‬ضده‭ .. ‬من‭ ‬قبل‭ ‬زميله‭ ‬في‭ ‬المدرسة،‭ ‬ووالده‭ ‬وشقيقه‭.. ‬وفي‭ ‬أحد‭ ‬الأيام‭ ‬بينما‭ ‬كان‭ ‬ياسين‭ ‬في‭ ‬طريقه‭ ‬إلى‭ ‬فصله‭ ‬بالمدرسة،‭ ‬وإذا‭ ‬بإبراهيم‭ ‬يسكب‭ ‬عليه‭ ‬قارورة‭ ‬ماء‭ ‬على‭ ‬رأسه‭ ‬وسخر‭ ‬منه‭.‬

‭ ‬إبراهيم‭: ‬أهلاً‭ ‬أيها‭ )‬المنبوذ‭( .. ‬أليس‭ ‬هذا‭ ‬الاسم‭ ‬الذي‭ ‬ينعته‭ ‬والدك‭ ‬به‭..‬؟‭!!‬

صعدا‭ ‬الاثنان‭ ‬معًا‭ ‬إلى‭ ‬الفصل‭ ‬فبقى‭ ‬ياسين‭ ‬خارجًا‭ ‬ليجد‭ ‬طريقة‭ ‬لاخفاء‭ ‬آثار‭ ‬ملابسه‭ ‬المبلَّلة‭.. ‬وقال‭ ‬في‭ ‬نفسه‭. ‬هل‭ ‬أرجع‭ ‬للمنزل؟‭! ‬لا‭ ‬لا‭ ‬لا‭ ‬أنا‭ ‬ليستُ‭ ‬مبتلًا‭ ‬وطمئن‭ ‬نفسه‭ ‬ودخل‭ ‬الفصل‭ ‬متأخرًا‭ ‬على‭ ‬الدرس‭.‬

المعلم‭: ‬لما‭ ‬تأخرتَ‭ ‬عن‭ ‬الحضور؟‭.‬

ياسين‭: ‬سامحني‭ ‬أستاذ‭ ‬حدث‭ ‬معي‭ ‬حادث‭.‬

المعلم‭ : ‬ولماذا‭ ‬أنتَ‭ ‬بهذا‭ ‬الشكل‭ ‬وملابسك‭ ‬مبتلة؟‭!.‬

شعر‭ ‬ياسين‭ ‬بالخجل‭ ‬وونفجرت‭ ‬ضحكات‭ ‬زملائه‭ ‬بالفصل‭.. ‬مما‭ ‬جعل‭ ‬المعلم‭ ‬يصرخ‭ ‬عليهم‭ ‬ويسكتهم‭.‬

المعلم‭ ‬لياسين‭: ‬اذهب،‭ ‬وأجلس‭ ‬مكانك‭.‬

ياسين‭: ‬حاضر‭ ‬أستاذ‭.‬

وفي‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬انتهت‭ ‬فيه‭ ‬الحصة‭ ‬الدراسية‭ ‬انطلق‭ ‬ياسين‭ ‬مسرعًا‭ ‬صوب‭ ‬منزله‭ ‬متجاهلاً‭ ‬مكائد‭ ‬إبراهيم‭ ‬المتكررة‭.. ‬وحين‭ ‬وصوله‭ ‬وهو‭ ‬بجوار‭ ‬البيت‭ ‬لاحظ‭ ‬أن‭ ‬شقيقه‭ ‬‮«‬هشام‮»‬‭ ‬يترصد‭ ‬له‭ ‬ليمسك‭ ‬به‭..‬

هشام‭: ‬تعال‭ ‬ياسين‭. ‬ادخل‭ ‬البيت

ياسين‭: ‬لا‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬ادخل‭.‬

هشام‭: ‬قلتُ‭ ‬لك‭ ‬ادخل‭ ‬ولا‭ ‬تخف‭.‬

ودخل‭ ‬البيت‭ ‬صامتًا‭ ‬وهو‭ ‬يمشي‭ ‬بحذر،‭ ‬ولكن‭ ‬شقيقه‭ ‬يصرخ‭ ‬عليه‭.. ‬أنا‭ ‬انتظرك،‭ ‬ومسك‭ ‬ابراهيم‭ ‬ياسين‭ ‬من‭ ‬فكه‭ ‬وهمس‭ ‬في‭ ‬أذنه‭ )‬لا‭ ‬تقلق‭ ‬لن‭ ‬أؤذيك‭ ‬كثيراً‭( ‬وبدأ‭ ‬بضربه‭ ‬وتحمل‭ ‬الضرب‭ ‬والاهانة،‭ ‬ليجد‭ ‬بعدها‭ ‬أنَّ‭ ‬جسمه‭ ‬تورم‭ ‬من‭ ‬قوة‭ ‬الضربات‭..‬

اتصل‭ ‬والده‭ ‬ورد‭ ‬ياسين‭ ‬على‭ ‬الهاتف‭.‬

ياسين‭: ‬أهلًا‭ ‬أبي

الأب‭: ‬لا‭ ‬أهلاً‭ ‬ولا‭ ‬سهلاً‭ .. ‬أسمع‭ ‬يا‭)‬منبوذ‭( ‬أنا‭ ‬وأمك‭ ‬في‭ ‬المطار‭.‬

ياسين‭: ‬في‭ ‬المطار‭..!! ‬كيف‭ ‬؟‭ ‬واقفل‭ ‬الأب‭ ‬الخط‭…‬

‭.. ‬ومرت‭ ‬أيام‭ ‬والحزن‭ ‬يخيم‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬الاتجاهات‭ .. ‬ولكن‭ ‬اراد‭ ‬الله‭ ‬خيراً‭ ‬لياسين‭ ‬بعد‭ ‬الظلم‭ ‬والمعاناة‭ .. ‬وبعد‭ ‬تعافيه‭ ‬من‭ ‬الكدمات‭ ‬رجع‭ ‬للمدرسة‭ ‬ليجد‭ ‬أمرًا‭ ‬قد‭ ‬صدمه‭ ‬ولم‭ ‬يخطر‭ ‬على‭ ‬باله

إبراهيم‭: ‬ياسين‭ ‬ياسين

التفت‭ ‬ياسين‭ ‬إليه‭ ‬وإذا‭ ‬بإبراهيم‭ ‬ينظر‭ ‬إليه‭ ‬بنظرات‭ ‬متقطعة،‭ ‬فشعر‭ ‬انه‭ ‬يريد‭ ‬ان‭ ‬يقول‭ ‬شيئاً‭. ‬ورن‭ ‬جرس‭ ‬نهاية‭ ‬اليوم‭ ‬الدراسي‭ ‬ونزل‭ ‬الجميع‭ ‬وقال‭ ‬في‭ ‬نفسه‭ )‬ما‭ ‬هذه‭ ‬النظرات‭ ‬يا‭ ‬الله؟‭( ‬وكانت‭ ‬الدهشة‭ ‬تملأ‭ ‬وجهه‭..‬

إبراهيم‭: ‬تعال‭ ‬ياسين‭ ‬أنا‭ ‬أسف‭.. ‬أنا‭ ‬فعلا‭ ‬اخطأت‭ ‬في‭ ‬حقك،‭ ‬أرجوك‭ ‬سامحني‭.. ‬لقد‭ ‬عرفتُ‭ ‬وضعك‭.‬

ياسين‭: ‬لا‭ ‬عليك‭ .. ‬وضحك‭ ‬في‭ ‬نفسه‭ ‬وغمره‭ ‬الفرح‭ ‬والسرور‭ ‬لأنه‭ ‬كان‭ ‬ينتظر‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة‭ ‬المفرحة‭ ‬التي‭ ‬انتظرها‭ ‬طويلة‭ ‬لكي‭ ‬يصبح‭ ‬إبراهيم‭ ‬صديقة‭ ‬ورفيق‭ ‬الدرب‭.‬

إبراهيم‭: ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬أنا‭ ‬أسف‭ ‬وانهمر‭ ‬بالبكاء‭.‬

ياسين‭: ‬ارجوك‭ ‬لا‭ ‬تبكي‭ ‬هذا‭ ‬ليس‭ ‬ذنبك‭. ‬هذا‭ ‬ليس‭ ‬ذنبك

إبراهيم‭: ‬ارجوك‭ ‬سامحني‭ ‬وارجو‭ ‬ان‭ ‬تكون‭ ‬صديقي‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة‭.. ‬نكون‭ ‬متحابين‭ ‬ويدًا‭ ‬واحدة‭ .‬

ومسح‭ ‬إبراهيم‭ ‬دموعه‭ ‬ووضع‭ ‬يده‭ ‬على‭ ‬كتف‭ ‬ياسين‭ ‬وقال‭ ‬له‭: ‬لا‭ ‬تقلق‭ ‬سأهتم‭ ‬بمسألة‭ ‬وعنف‭ ‬شقيقك‭ ‬هشام‭ ‬معك‭ ‬انه‭ ‬صاحبي‭ .. ‬لا‭ ‬تقلق‭ ‬لا‭ ‬تقلق‭.‬

ظل‭ ‬إبراهيم‭ ‬السند‭ ‬القوي‭ ‬لياسين‭ ‬الذى‭ ‬رفع‭ ‬من‭ ‬مستوى‭ ‬النفسي‭ ‬له‭ ‬وادمجه‭ ‬مع‭ ‬بقية‭ ‬زملائه‭ ‬في‭ ‬المدرسة‭ ‬والمشاركة‭ ‬معهم‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬المناشط‭ ‬والذهاب‭ ‬إلى‭ ‬الرحلات‭.‬

ومن‭ ‬محاسن‭ ‬الصدف‭ ‬قامت‭ ‬المدرسة‭ ‬برحلة‭ ‬طلابية‭ ‬وكان‭ ‬إبراهيم‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬المجموعة‭.‬

إبراهيم‭: ‬هل‭ ‬سمعتم‭ ‬يومًاً‭ ‬عن‭ ‬الكنز‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يفنى؟،‭ ‬إنه‭ ‬الصداقة،‭ ‬نعم‭ ‬فالصداقة‭ ‬أساسها‭ ‬صدق‭ ‬الشعور‭ ‬الآتي‭ ‬من‭ ‬حب‭ ‬الخير‭ ‬للصديق‭ ‬كحب‭ ‬الشخص‭ ‬لنفسه‭ ‬تماماً،‭ ‬وهي‭ ‬رابطة‭ ‬أخوة‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬آخر‭ ‬وجدت‭ ‬لتعطي‭ ‬للحياة‭ ‬طعمها،‭ ‬فيها‭ ‬يكون‭ ‬الصديق‭ ‬لصديقه‭ ‬مستودعاً‭ ‬للأسرار،‭ ‬وحافظاً‭ ‬للعهد،‭ ‬وكتفاً‭ ‬يحمل‭ ‬معه‭ ‬تعب‭ ‬الأيّام،‭ ‬ودليله‭ ‬إلى‭ ‬الخير‭ ‬ومبعده‭ ‬عن‭ ‬الشر،‭ ‬فترى‭ ‬الصديقان‭ ‬يسيران‭ ‬في‭ ‬درب‭ ‬الحياة‭ ‬لا‭ ‬يشعران‭ ‬بقسوتها‭.‬

ايها‭ ‬الرفاق‭ ‬أنا‭ ‬أعلن‭ ‬أمامكم‭ ‬أن‭ ‬ياسين‭ ‬هو‭ ‬صديقي‭ ‬كما‭ ‬انتم‭ ‬اصدقائي‭.‬

‭ ‬ياسين‭: ‬لقد‭ ‬سررتُ‭ ‬كثيرًا‭ ‬أيها‭ ‬الاصدقاء‭ .. ‬اعتبر‭ ‬هذا‭ ‬اليوم‭ ‬هو‭ ‬يوم‭ ‬ميلادي‭ ‬واسمحوا‭ ‬ليَّ‭ ‬أن‭ ‬أقول‭ ‬لكم‭: ‬علم‭ ‬الرسول‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬عمق‭ ‬تأثير‭ ‬الصديق‭ ‬في‭ ‬صديقه‭ ‬فقال‭: )‬المرء‭ ‬على‭ ‬دين‭ ‬خليله؛‭ ‬فلينظر‭ ‬أحدكم‭ ‬من‭ ‬يخالل‭(‬؛‭ ‬لذا‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نحسن‭ ‬اختيار‭ ‬أصدقائنا‭ ‬لتحلو‭ ‬أخلاقنا‭ ‬وتسمو،‭ ‬فنراعي‭ ‬عند‭ ‬اختيار‭ ‬الصديق‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الأخلاق‭ ‬الحميدة‭ ‬كـ‭)‬الصدق‭ ‬والأمانة‭ ‬والوفاء‭(.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى