
لم يعد السؤال اليوم: كيف توفي طالب الطب؟ بل كيف وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها الذهاب إلى الامتحان مغامرة قد يدفع الطالب ثمنها من صحته أو حياته؟
رحل طالب الطب غسان الكيحلي، رحمـه الله، في يوم كان يفترض أن يكون محطة علمٍ وطموح، فإذا به يتحول إلى يوم حداد وألم. وبينما تبقى أسباب الوفاة الدقيقة رهن ما تثبته الجهات المختصة، فإن ما لا يحتاج إلى تحقيق هو واقع المعاناة الذي يعيشه آلاف الطلبة في الجامعات الليبية؛ قاعات تفتقر إلى التكييف، ساعات انتظار طويلة تحت أشعة الشمس، وبنية تحتية لا تليق بمؤسسات يفترض أنها تصنع أطباء المستقبل.
أيها المسؤولون… إن الدولة التي تعجز عن توفير قاعة امتحان آدمية لطلاب كلية الطب، كيف ستبني قطاعًا صحيًا قادرًا على إنقاذ حياة المواطنين؟ وكيف تطلبون من طالب أن يبدع علميًا، وهو يصارع الحر والإرهاق والعطش قبل أن يفتح ورقة الامتحان؟
إن ما يحدث ليس أزمة طقس، بل أزمة إدارة. فالحرارة كانت معلومة، والتحذيرات كانت معروفة، والإمكانات التي أُنفقت على مؤسسات التعليم كان يفترض أن تنعكس على أبسط الحقوق: قاعة مهيأة، واحترام لمواعيد الامتحانات، وظروف تحفظ كرامة الطالب وسلامته.
لقد أصبح أبناؤنا يدفعون ثمن سنوات طويلة من الفساد، وسوء التخطيط، والإهمال الذي لم يعد يسرق أحلامهم فقط، بل بات يهدد أرواحهم أيضًا. ولهذا لم يعد مستغربًا أن يكون حلم آلاف المتفوقين هو مغادرة هذا الوطن إلى دول تحترم الطالب، وتؤمن بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالإنسان.
كل أم تنتظر ابنها أو ابنتها أمام بوابة الجامعة تحمل في قلبها ألف دعاء، لكنها لا ينبغي أن تحمل معها خوفًا من أن يعود إليها منهكًا أو مريضًا أو… ألا يعود.
إن وفاة طالب واحد يجب أن تكون جرس إنذار يهز مؤسسات الدولة كلها، لا خبرًا عابرًا يُنسى بعد ساعات. فالمسؤولية لا تُقاس بعدد البيانات الصادرة، بل بعدد الأرواح التي نحميها.
إلى كل مسؤول: إن المناصب زائلة، أما التقصير في حقوق الناس فيبقى شاهدًا عليكم أمام الله، وأمام التاريخ، وأمام دعوات الأمهات التي لا يحجبها منصب ولا يحمي منها نفوذ. فإما أن تجعلوا الجامعات بيئة تليق بأبنائنا، أو اعترفوا بأن هذا الوطن بات يمتحن أبناءه في الصبر أكثر مما يمتحنهم في العلم.



