في الوقت الذي تمتلك فيه ليبيا واحدًا من أكبر احتياطيات النفط والغاز في القارة الإفريقية، ويُفترض أن تكون من الدول القادرة على توفير خدمات مستقرة لمواطنيها، لا يزال الليبيون يعيشون مع أزمة كهرباء خانقة تحولت من مجرد انقطاع للتيار إلى أزمة وطنية تمس حياة كل فرد. فالظلام لم يعد يقتصر على غياب الإنارة، بل امتد ليهدد الأمن الغذائي، والصحة العامة، والاستقرار النفسي، والاقتصاد، وجودة الحياة، حتى أصبحت معاناة المواطن تتجدد مع كل ساعة ينقطع فيها التيار الكهربائي.
وتعد منظومة الأمن الغذائي من أكثر القطاعات تضررًا، إذ يؤدي الانقطاع المتكرر للكهرباء إلى فساد اللحوم والألبان والخضروات والفواكه والأدوية التي تحتاج إلى التبريد، الأمر الذي يهدد سلامة الغذاء ويزيد من احتمالية انتشار الأمراض المنقولة عبر الأغذية الفاسدة، فضلًا عن الخسائر الكبيرة التي يتكبدها أصحاب المحال التجارية والمخابز والمطاعم والمزارع نتيجة تلف المنتجات وتعطل أعمالهم.
كما يمتد تأثير الأزمة إلى قطاع المياه، حيث تتوقف محطات الضخ والآبار لساعات طويلة، فيجد المواطن نفسه محرومًا من الماء والكهرباء في آنٍ واحد، لتزداد المعاناة مع ارتفاع درجات الحرارة، خاصة خلال فصل الصيف.
أما الجانب الإنساني، فهو الأكثر إيلامًا، إذ يعيش الأطفال الرضع وحديثو الولادة ظروفًا صحية صعبة بسبب ارتفاع درجات الحرارة وانعدام التهوية، مما يزيد من خطر الإصابة بالجفاف والإجهاد الحراري، كما تواجه الأمهات صعوبة في حفظ حليب الأطفال والأدوية واللقاحات التي تتطلب درجات حرارة مناسبة، وهو ما قد يشكل خطرًا حقيقيًا على صحة هذه الفئة الأكثر ضعفًا.
ولم تسلم الصحة النفسية للمواطن الليبي من تداعيات الأزمة، فقد أصبحت ساعات الظلام الطويلة سببًا في القلق والتوتر والعصبية واضطرابات النوم، وتعطلت أعمال الموظفين والطلاب وأصحاب المهن، وأصبحت الحياة اليومية تسير وفق مواعيد انقطاع الكهرباء بدلًا من احتياجات الناس، الأمر الذي انعكس على الاستقرار الأسري والاجتماعي.
اقتصاديًا، تكبدت المصانع والورش والمزارع خسائر متزايدة نتيجة توقف الإنتاج وارتفاع تكاليف التشغيل، في الوقت الذي وجد فيه بعض التجار فرصة لاستغلال الأزمة برفع أسعار المواد الغذائية والمياه والثلج ومستلزمات الطاقة البديلة، مستفيدين من حاجة المواطنين، وهو ما ضاعف من الأعباء المعيشية وأثقل كاهل الأسرة الليبية.
ولا يمكن فصل هذه الأزمة عن حالة الانقسام السياسي التي تعيشها البلاد منذ سنوات، وما صاحبها من ضعف في التخطيط، وتأخر في تنفيذ مشاريع الصيانة والتطوير، وتعدد مراكز القرار، فضلًا عن مظاهر الفساد وسوء إدارة الموارد، وهي عوامل أسهمت في استمرار معاناة المواطنين رغم الإمكانات المالية والثروات الطبيعية التي تمتلكها ليبيا،إن استمرار أزمة الكهرباء في دولة غنية بالنفط والغاز يطرح تساؤلات مشروعة حول كيفية إدارة الثروة الوطنية، فالثروات لا تُقاس بحجم ما تختزنه باطن الأرض، بل بقدرة الدولة على تحويلها إلى خدمات تحفظ كرامة الإنسان وتوفر له حياة كريمة وآمنة.إن الكهرباء ليست رفاهية، بل حق أساسي من حقوق المواطن، واستمرار انقطاعها يعني تهديدًا مباشرًا للأمن الغذائي، والصحة العامة، والاقتصاد، والاستقرار النفسي والاجتماعي. ولن يكون الخروج من هذه الأزمة ممكنًا إلا بإرادة وطنية صادقة، وإدارة رشيدة، ومكافحة حقيقية للفساد، وتوحيد المؤسسات، والاستثمار الجاد في تطوير قطاع الطاقة، حتى تتحول ثروات ليبيا إلى نعمة يشعر بها المواطن في بيته، لا مجرد أرقام تُذكر في التقارير.“لن تُقاس قوة الدول بما تمتلكه من نفط وغاز، بل بما توفره لمواطنيها من أمنٍ غذائي، وكهرباء مستقرة، وحياة كريمة. فحين يعيش شعبٌ في الظلام داخل دولةٍ غنية، تصبح الأزمة أزمة إدارة قبل أن تكون أزمة طاقة.