تتسع الخريطة الليبية لأكثر من ثلاثمائة معهد تقني وكلية فنية، في ضخٍ مؤسسي هائل أُسِّس في ظاهره لتزويد البلاد بكوادر وطنية مؤهلة تقود القاطرة الاقتصادية وتُسدّ الفجوة المِهنية. غير أن هذا الرقم الضخم يظل مجرد حبر على ورق وأرقام صماء في السِجلات الرسمية، طالما أن النتيجة النهائية لا تتعدى كونها استنزافاً للموارد ودفعاً لآلاف الشباب نحو طوابير البَطالة والتهميش، في وقتٍ تتطلب فيه قطاعات التنمية سواعد بشرية وفنية قادرة على الإنجاز والإنتاج.
وعلى أرض الواقع المؤلمة، تنكشف العورة التخطيطية بجلاء؛ إذ تستحوذ العمالة الأجنبية «غير المُؤهلة» على كافة المفاصل الحيوية للأعمال الفنية والمهنية، من قطاعات البناء والتشييد، إلى الورش الفنية، والمصانع الانتاجية، والأنشطة التجارية المتخصصة، وحتى أعمال النظافة وتنسيق الحدائق. إن هذا المشهد الصادم يشير بوضوح إلى انفصام تام بين ما ينفق على التعليم التقني وبين احتياجات الواقع الميداني، مما يدعو إلى وقفة جادة وحازمة من أصحاب القرار لوقف هذا الهدر في المال والوقت، واستعادة السيطرة على مقدرات سوق العمل الوطني.
إن التشخيص الدقيق لهذه الأزمة يضعنا أمام أسئلة مسكوت عنها حول مكامن الخلل الحقيقية؛ فهل «1» تكمن المُشكلة في تردي جودة المخرجات التعليمية و«2»عدم جاهزية الخريجين؟ أم «3» أن المناهج الدراسية باتت متكلسة ولا تواكب التطور السريع والمتطلبات الفنية للأسواق؟ أم «4» أن الأمر يرتبط بسوء التوزيع الجغرافي لهذه المؤسسات التي أُنشت في كثير من الأحيان بعشوائية ودون دراسات جدوى اقتصادية أو مكانيّة تُراعي الطبيعة الإنتاجية لكل منطقة؟ ام ان هناك مكامن أخرى.
لقد حانت اللحظة لمواجهة هذا السؤال الجوهري وإقرار تصحيح هيكلي شامل لا يقبل المُماطلة؛ تصحيحٌ يبدأ بمرونة جذريّة تتيح للمؤسسات التعليمية تحديث مناهجها وبرامجها التدريبية بالسرعة التي تتطابق مع إيقاع السوق المتسارع، من حيث إضافة وحذف تخصصات فنية أو تعديل المحتوى التدريبي للتخصص. إن ربط مخرجات المعاهد والكليات التقنية بالمتطلبات الفعلية للقطاعين العام والخاص، وفرض آليات حقيقية لإحلال العمالة الوافدة، أصبح ليس خياراً رفاهياً، بل هو واجب وطني وأمني لا يقبل التأجيل لإعادة الاعتبار للكادر الليبي في جميع المجالات.


