رأي

جيوش من الخريجين والسوق للأجانب.. أين الخلل؟

عثمان القاجيجي

تتسع‭ ‬الخريطة‭ ‬الليبية‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬ثلاثمائة‭ ‬معهد‭ ‬تقني‭ ‬وكلية‭ ‬فنية،‭ ‬في‭ ‬ضخٍ‭ ‬مؤسسي‭ ‬هائل‭ ‬أُسِّس‭ ‬في‭ ‬ظاهره‭ ‬لتزويد‭ ‬البلاد‭ ‬بكوادر‭ ‬وطنية‭ ‬مؤهلة‭ ‬تقود‭ ‬القاطرة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وتُسدّ‭ ‬الفجوة‭ ‬المِهنية‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الرقم‭ ‬الضخم‭ ‬يظل‭ ‬مجرد‭ ‬حبر‭ ‬على‭ ‬ورق‭ ‬وأرقام‭ ‬صماء‭ ‬في‭ ‬السِجلات‭ ‬الرسمية،‭ ‬طالما‭ ‬أن‭ ‬النتيجة‭ ‬النهائية‭ ‬لا‭ ‬تتعدى‭ ‬كونها‭ ‬استنزافاً‭ ‬للموارد‭ ‬ودفعاً‭ ‬لآلاف‭ ‬الشباب‭ ‬نحو‭ ‬طوابير‭ ‬البَطالة‭ ‬والتهميش،‭ ‬في‭ ‬وقتٍ‭ ‬تتطلب‭ ‬فيه‭ ‬قطاعات‭ ‬التنمية‭ ‬سواعد‭ ‬بشرية‭ ‬وفنية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الإنجاز‭ ‬والإنتاج‭.‬

وعلى‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭ ‬المؤلمة،‭ ‬تنكشف‭ ‬العورة‭ ‬التخطيطية‭ ‬بجلاء؛‭ ‬إذ‭ ‬تستحوذ‭ ‬العمالة‭ ‬الأجنبية‭ ‬‮«‬غير‭ ‬المُؤهلة‮»‬‭ ‬على‭ ‬كافة‭ ‬المفاصل‭ ‬الحيوية‭ ‬للأعمال‭ ‬الفنية‭ ‬والمهنية،‭ ‬من‭ ‬قطاعات‭ ‬البناء‭ ‬والتشييد،‭ ‬إلى‭ ‬الورش‭ ‬الفنية،‭ ‬والمصانع‭ ‬الانتاجية،‭ ‬والأنشطة‭ ‬التجارية‭ ‬المتخصصة،‭ ‬وحتى‭ ‬أعمال‭ ‬النظافة‭ ‬وتنسيق‭ ‬الحدائق‭. ‬إن‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬الصادم‭ ‬يشير‭ ‬بوضوح‭ ‬إلى‭ ‬انفصام‭ ‬تام‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬ينفق‭ ‬على‭ ‬التعليم‭ ‬التقني‭ ‬وبين‭ ‬احتياجات‭ ‬الواقع‭ ‬الميداني،‭ ‬مما‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬وقفة‭ ‬جادة‭ ‬وحازمة‭ ‬من‭ ‬أصحاب‭ ‬القرار‭ ‬لوقف‭ ‬هذا‭ ‬الهدر‭ ‬في‭ ‬المال‭ ‬والوقت،‭ ‬واستعادة‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬مقدرات‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬الوطني‭.‬

إن‭ ‬التشخيص‭ ‬الدقيق‭ ‬لهذه‭ ‬الأزمة‭ ‬يضعنا‭ ‬أمام‭ ‬أسئلة‭ ‬مسكوت‭ ‬عنها‭ ‬حول‭ ‬مكامن‭ ‬الخلل‭ ‬الحقيقية؛‭ ‬فهل‭ ‬‮«‬1‮»‬‭ ‬تكمن‭ ‬المُشكلة‭ ‬في‭ ‬تردي‭ ‬جودة‭ ‬المخرجات‭ ‬التعليمية‭ ‬و‮«‬2‮»‬عدم‭ ‬جاهزية‭ ‬الخريجين؟‭ ‬أم‭ ‬‮«‬3‮»‬‭ ‬أن‭ ‬المناهج‭ ‬الدراسية‭ ‬باتت‭ ‬متكلسة‭ ‬ولا‭ ‬تواكب‭ ‬التطور‭ ‬السريع‭ ‬والمتطلبات‭ ‬الفنية‭ ‬للأسواق؟‭ ‬أم‭ ‬‮«‬4‮»‬‭ ‬أن‭ ‬الأمر‭ ‬يرتبط‭ ‬بسوء‭ ‬التوزيع‭ ‬الجغرافي‭ ‬لهذه‭ ‬المؤسسات‭ ‬التي‭ ‬أُنشت‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬بعشوائية‭ ‬ودون‭ ‬دراسات‭ ‬جدوى‭ ‬اقتصادية‭ ‬أو‭ ‬مكانيّة‭ ‬تُراعي‭ ‬الطبيعة‭ ‬الإنتاجية‭ ‬لكل‭ ‬منطقة؟‭ ‬ام‭ ‬ان‭ ‬هناك‭ ‬مكامن‭ ‬أخرى‭.‬

لقد‭ ‬حانت‭ ‬اللحظة‭ ‬لمواجهة‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬الجوهري‭ ‬وإقرار‭ ‬تصحيح‭ ‬هيكلي‭ ‬شامل‭ ‬لا‭ ‬يقبل‭ ‬المُماطلة؛‭ ‬تصحيحٌ‭ ‬يبدأ‭ ‬بمرونة‭ ‬جذريّة‭ ‬تتيح‭ ‬للمؤسسات‭ ‬التعليمية‭ ‬تحديث‭ ‬مناهجها‭ ‬وبرامجها‭ ‬التدريبية‭ ‬بالسرعة‭ ‬التي‭ ‬تتطابق‭ ‬مع‭ ‬إيقاع‭ ‬السوق‭ ‬المتسارع،‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬إضافة‭ ‬وحذف‭ ‬تخصصات‭ ‬فنية‭ ‬أو‭ ‬تعديل‭ ‬المحتوى‭ ‬التدريبي‭ ‬للتخصص‭. ‬إن‭ ‬ربط‭ ‬مخرجات‭ ‬المعاهد‭ ‬والكليات‭ ‬التقنية‭ ‬بالمتطلبات‭ ‬الفعلية‭ ‬للقطاعين‭ ‬العام‭ ‬والخاص،‭ ‬وفرض‭ ‬آليات‭ ‬حقيقية‭ ‬لإحلال‭ ‬العمالة‭ ‬الوافدة،‭ ‬أصبح ليس‭ ‬خياراً‭ ‬رفاهياً،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬واجب‭ ‬وطني‭ ‬وأمني‭ ‬لا‭ ‬يقبل‭ ‬التأجيل‭ ‬لإعادة‭ ‬الاعتبار‭ ‬للكادر‭ ‬الليبي‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬المجالات‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى