رأي

فاتورة الرحمة.. حين صار للموت سعر، وللدعاء دعاية

عطيه محمد عبدالعال‏

كان‭ ‬الميت‭ ‬فيما‭ ‬مضى‭ ‬تكفيه‭ ‬كلمة‭. ‬‮«‬رحمه‭ ‬الله‮»‬‭ ‬تخرج‭ ‬من‭ ‬قلب‭ ‬صادق،‭ ‬فتصل‭. ‬وكان‭ ‬الفقير‭ ‬والغني،‭ ‬والمعروف‭ ‬والمجهول،‭ ‬سواءً‭ ‬في‭ ‬الدعاء،‭ ‬وسواءً‭ ‬في‭ ‬الذكر‭.‬‮ ‬أما‭ ‬اليوم‭ ‬فقد‭ ‬تأدلج‭ ‬كل‭ ‬شيء‭. ‬حتى‭ ‬الترحم‭. ‬وحتى‭ ‬الذكرى‭.‬‮ ‬صار‭ ‬للترحم‭ ‬‮«‬طرائق‭ ‬و»أنواع‮»‬‭. ‬فمن‭ ‬الناس‭ ‬من‭ ‬ترحم‭ ‬على‭ ‬ميته‭ ‬بإقامة‭ ‬صدقة‭ ‬جارية،‭ ‬كحفر‭ ‬بئر‭ ‬أو‭ ‬بناء‭ ‬مسجد‭. ‬ومنهم‭ ‬من‭ ‬ترحم‭ ‬بأداء‭ ‬عمرة‭ ‬أو‭ ‬حجة‭. ‬جماعية‭ ‬أو‭ ‬فردية‭.‬‮ ‬ومنهم‭ ‬من‭ ‬ترحم‭ ‬بإقامة‭ ‬ذكرى‭ ‬وتوزيع‭ ‬مطبوعات‭. ‬أو‭ ‬توزيع‭ ‬مصاحف‭ ‬أو‭ ‬ملصقات‭ ‬ووضعها‭ ‬في‭ ‬مسجد‭.. ‬وليس‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬بأس،‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬خالصاً‭ ‬لله‭.‬‮ ‬ولكن‭ ‬البأس‭ ‬كل‭ ‬البأس،‭ ‬حين‭ ‬صار‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬الميزان‭. ‬‮ ‬

حين‭ ‬أصبحت‭ ‬قيمة‭ ‬الميت‭ ‬تُقاس‭ ‬بحجم‭ ‬ما‭ ‬يُقام‭ ‬على‭ ‬روحه‭. ‬وحين‭ ‬دخلنا‭ ‬في‭ ‬تسابقٍ‭ ‬صامتٍ‭: ‬من‭ ‬يذكر‭ ‬أكثر،‭ ‬يُترحم‭ ‬عليه‭ ‬أكثر‭.‬‮ ‬حتى‭ ‬الجنائز‭ ‬لم‭ ‬تسلم‭. ‬ومحافل‭ ‬التأبين‭ ‬أيضا‭. ‬فجنازة‭ ‬تُشيعها‭ ‬الجموع‭ ‬والكاميرات،‭ ‬وجنازة‭ ‬يمشي‭ ‬فيها‭ ‬نفر‭ ‬قليل‭. ‬وحتى‭ ‬القبور‭ ‬صار‭ ‬لها‭ ‬‮«‬أنواع‮»‬‭. ‬قبر‭ ‬رخامي‭ ‬فخم‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬ظاهر،‭ ‬وقبر‭ ‬بسيط‭ ‬في‭ ‬زاوية‭ ‬نائية‭. ‬ومكان‭ ‬المقبرة‭ ‬واسمها‭ ‬وموقعها‭.. ‬وكأن‭ ‬التراب‭ ‬الذي‭ ‬سيأكلنا‭ ‬جميعاً‭ ‬صار‭ ‬يفرق‭ ‬بيننا‭.‬

وحتى‭ ‬الفكر‭ ‬صار‭ ‬مؤدلجاً‭. ‬فالمعارضة‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬على‭ ‬نهج‭ ‬فلان،‭ ‬والموافقة‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬على‭ ‬طريقة‭ ‬فلان‭. ‬كأن‭ ‬العقل‭ ‬نفسه‭ ‬صار‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬أن‭ ‬يقول‭ ‬إلا‭ ‬ما‭ ‬قاله‭ ‬غيره‭…‬هنا‭ ‬مكمن‭ ‬الخطر‭.‬‮ ‬أن‭ ‬نصل‭ ‬يوماً‭ ‬فنظن‭ ‬أن‭ ‬الدعاء‭ ‬المجاني‭ ‬‮«‬ناقص‮»‬‭ ‬ويحتاج‭ ‬إلى‭ ‬ترقية‭. ‬وأن‭ ‬ننتظر‭ ‬إعلاناً‭ ‬عن‭ ‬‮«‬باقة‭ ‬الترحم‭ ‬الذهبية‮»‬‭ ‬حتى‭ ‬نترحم‭ ‬على‭ ‬موتانا‭. ‬وأن‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬ثمن‭ ‬لافتة‭ ‬أو‭ ‬صدقة‭ ‬معلنة،‭ ‬لا‭ ‬يستحق‭ ‬أن‭ ‬يُذكر‭. ‬وأن‭ ‬الفقير‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬منصب‭ ‬له،‭ ‬قد‭ ‬يُحرم‭ ‬حتى‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يُترحم‭ ‬على‭ ‬روحه‭.‬‮ ‬أي‭ ‬عبث‭ ‬هذا؟ أيُعقل‭ ‬أن‭ ‬نُقسم‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬درجات،‭ ‬ثم‭ ‬نعود‭ ‬فنقسمهم‭ ‬في‭ ‬الموت‭ ‬درجات‭ ‬أخرى؟

دعوة‭ ‬للاقتداء‭.. ‬تعالوا‭ ‬نُحي‭ ‬الفكرة‭ ‬الأولى،‭ ‬الفكرة‭ ‬النقية‭. ‬فكرة‭ ‬أن‭ ‬الدعاء‭ ‬دعاء‭… ‬لا‭ ‬دعاية‭. ‬‮ ‬وأن‭ ‬الرحمة‭ ‬رحمة‭… ‬لا‭ ‬مغنم‭. ‬فلنُكثر‭ ‬من‭ ‬الدعاء‭ ‬الخفي‭. ‬‮«‬اللهم‭ ‬ارحم‭ ‬موتانا‭ ‬وموتى‭ ‬المسلمين‮»‬‭ ‬دعوة‭ ‬واحدة‭ ‬في‭ ‬السجود،‭ ‬خير‭ ‬من‭ ‬ألف‭ ‬إعلان‭ ‬لا‭ ‬يصل‭.‬‮ ‬لنتذكر‭ ‬أن‭ ‬الموتى‭ ‬عند‭ ‬الله‭ ‬سواسية‭. ‬فلا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يختلف‭ ‬الدعاء‭ ‬لهم،‭ ‬ولا‭ ‬طريقة‭ ‬دفنهم،‭ ‬ولا‭ ‬نوع‭ ‬قبورهم،‭ ‬ولا‭ ‬مكانها‭.‬‮ ‬الرحمة‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬واسطة‭. ‬والذكر‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬فاتورة‭.‬‮ «‬‭[‬إن‭ ‬أكرمكم‭ ‬عند‭ ‬الله‭ ‬أتقاكم‭]‬‮»‬‭… ‬أحياءً‭ ‬وأمواتاً‭.‬

الترحم‭ ‬ليس‭ ‬سلعة‭..‬‮ ‬الدعاء‭ ‬ليس‭ ‬دعاية‭..‬‮ ‬الموتى‭ ‬سواسية‭..‬‮ ‬الله‭ ‬يرحم‭ ‬أخي‭ ‬الغالي‭ ‬الصادق‭ ‬كان‭ ‬مرجع‭ ‬لي‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬المقالات‭..‬‮ ‬الله‭ ‬يرحمه‭ ‬ويغفر‭ ‬له‭ ‬الله‭ ‬يرحم‭ ‬أمي‭ ‬وأبي‭ ‬واخواتي‭ ‬والله‭ ‬يرحم‭ ‬جيراني‭ ‬وأقاربي‭ ‬وأصحابي‭ ‬اللهم‭ ‬ارحم‭ ‬موتانا‭ ‬وموتى‭ ‬المسلمين‭ ‬أجمعين‭ ‬يا رب‭ ‬العالمين‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى