
سُئِل الفيلسوف جان جاك روسو: ما هو الوطن؟ فأجاب: الوطن هو المكان الذي لا يبلغ فيه مواطنٌ من الثراء ما يجعله قادراً على شراء مواطنٍ آخر، ولا يبلغ فيه مواطنٌ من الفقر ما يجعله مضطراً أن يبيع نفسه أو كرامته. الوطن هو رغيف الخبز والسقف والشعور بالانتماء، والدفء والإحساس بالكرامة. ليس الوطن أرضاً فقط، ولكنه الأرض والحق معاً. فإن كانت الأرض معهم فليكن الحق معك. الوطن هو حيث يكون المرء في خير. أما نحن فكيف ننظر إلى الوطن؟ وما هي رؤيتنا الحقيقية لهذا الوطن؟ ماذا قدّمنا للوطن؟ لماذا نتعامل مع الوطن وكأنه حقل تجارب لواقعنا اليومي، وانعكاس سلبي لدواليب الحياة الرتيبة والمملة؟! فارتباطنا بهذا الكيان أضحى ارتباطاً مادياً: نأخذ منه كل ما نريد، ولا نقدّم له إلا النزر اليسير مما يريد! علاقتنا بالوطن مصلحية نفعية اتكالية، طغت عليها السلبية المقيتة والمصلحة الفردية.
فمن يولّونه مسؤولاً أو مديراً على أي مرفق ينهبه ويسرقه، ولا يتركه إلا هيكلاً محطّماً، وكأنه جسد أنهكه المرض وأخذ منه ما أخذ! ومن يكلّفونه بإدارة مشروع تنموي اقتصادي أو زراعي أو خدمي يتعامل معه وكأنه ملكٌ له، يحق له التصرف فيه دون غيره. لا يستشير ولا يقبل استشارة أحد. إن رُصدت له الميزانيات أهدرها وبعثرها وشتت شملها، غير مبالٍ أو مكترث بدولة أو قانون. ولا يرف لهم جفن، ولا يتحرك لهم شعور ولو بالرفض وعدم الرضا. انسلخوا وأصابهم العمى، وماتت ضمائرهم، ولم يعد اسم الوطن في قاموسهم يمثل لهم شيئاً ولو مثقال ذرة! الوطن هو الأمل، هو النبض، هو الهواء والماء والحياة. هو الأرض والعرض والإحساس والشعور بالانتماء. هو الحب الذي لا يضاهيه حب سواه. هو ذلك المسكون في قلوبنا كشجرة خضراء وارفة الظلال، أصلها في الأرض وفرعها في السماء.


