ما دامت كل الأجسام قد عجزت، التشريعية والتنفيذية على حد سواء، عن إقامة دولة تنجح في إرساء معادلة موزونة بين حقوق الأفراد وواجباتهم.. وما دامت الخدمات في الحضيض، فلا كهرباء ولا سيولة ولا وقود ولا مواصلات عامة..
وما دامت السلط مغتصبة، والمؤسسات منقسمة، والانتخابات موقوفة حتى إشعار آخر، حيث يمكن لأصحاب النفوذ أن يجدوا صيغة تشبع الجشع الكامن في أنفسهم المريضة، وتضمن تواجدهم جميعا في مهرجان السلب والنهب.. وما دام الغش يحكم نتائج الامتحانات، وتزوير المؤهلات متاح لأصحاب الوظائف العامة.. وما دام المواطن عاجز عن لقمة العيش، وثمن الدواء.. وما دامت السلع مسرطنة والخضروات ملوثة وصوت المديح يعلو! وما دامت الشهادات العليا التي تعد بالآلاف لم تظف إلى مشروع الدولة شيئا.. وما دامت عقلية القبيلة تسيطر على المتعلمين، والجهوية تمزق جسد الوطن..
فلماذا لا نستقدم دكتاتورا!
لا بأس أن يكون ظالما، لا بأس أن يفتح سجنا كبيرا وعلنيا بدل عشرات السجون السرية.. لا بأس أن يحكمنا بقانون الطوارئ، كدت أن أقول ويوقف العمل بالدستور ثم تذكرت أن الدستور لم ينجز بعد خمسة عشر سنة من قيام الثورة.. ليكن دكتاتورا من طراز رفيع، ليحكمنا من غرفة نومه ويسمي زوجته المصون بالسيدة الأولى.. ليعد وريثا من عائلته ويلقنه فن السيطرة على الشعوب التي كفرت بأنعم الله.. ليمنع الصحافة التي لم تنم يوما في حضن السلطان ولم تسقط مرة واحدة في حضيض الرياء، ليقفل المطابع التي تحتفي بالمفكرين والكتاب والمثقفين وتصدر لهم ألاف الإصدارات كل سنة!
ليمنع الأحزاب التي ساهمت في الحفاظ على سيادة الوطن ووحدته ولم ترتهن للأفكار المستوردة! الأحزاب التي شاركت في تحقيق التنمية الاقتصادية ورفع مستوى المعيشة! وعززت العدالة الاجتماعية وأرست مبدأ تكافؤ الفرص! الأحزاب التي دافعت عن الحقوق والحريات العامة! وكافحت الفساد وعززت مبادئ الشفافية والمساءلة! الأحزاب التي دعمت التعليم والصحة والثقافة. وحافظت على الوحدة الوطنية ونبذت التمييز والعنف! وليلغي دور القبيلة التي أفسدتها السياسة والسياسة التي أفسدتها القبيلة.. ليكن دكتاتورا كما يشاء، فقط نريد منه أن ينهي هذه المهزلة..