ثقافة

‮«‬زين‭ ‬المعاني‮»‬‭ ‬ حين‭ ‬استعادت‭ ‬المدينة‭ ‬القديمة‭ ‬صوت‭ ‬القصيدة‭ ‬وأعلنت‭ ‬انتصار‭ ‬الثقافة‭ ‬

فائزة‭ ‬العجيلي

في‭ ‬أمسيةٍ‭ ‬احتفتْ‭ ‬بـ‭)‬الكلمة‭( ‬بوصفها‭ ‬قيمة‭ ‬إنسانية‭ ‬وجمالية،‭ ‬وبـ‭)‬الشعر‭( ‬باعتباره‭ ‬أحد‭ ‬أرقى‭ ‬أشكال‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬الوجدان،‭ ‬احتضنتْ‭ ‬المدينة‭ ‬القديمة‭ ‬بطرابلس‭ ‬أمسية‭ ‬‮«‬زين‭ ‬المعاني‮»‬،‭ ‬ضمن‭ ‬فعاليات‭ )‬ليالي‭ ‬صيف‭ ‬المدينة‭ ‬القديمة‭( ‬لموسم‭ ‬2026،‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬ثقافي‭ ‬أكد‭ ‬أن‭ ‬القصيدة‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬استقطاب‭ ‬جمهورها،‭ ‬وأن‭ ‬الثقافة‭ ‬تظل‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬جمع‭ ‬النّاس‭ ‬حول‭ ‬الجمال‭ ‬والمعرفة‭ ‬رغم‭ ‬التحوّلات‭ ‬المتسارعة‭ ‬التي‭ ‬يشهدها‭ ‬العالم‭.‬

واستهلتْ‭ ‬الأمسية‭ ‬الإعلامية‭ ‬والصحفية‭ ‬فائزة‭ ‬العجيلي،‭ ‬التي‭ ‬تولتْ‭ ‬إدارتها‭ ‬وتقديمها،‭ ‬بكلمة‭ ‬رحبت‭ ‬فيها‭ ‬بالحضور،‭ ‬مؤكدة‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الشعر‮»‬‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬روافد‭ ‬الهوية‭ ‬الثقافية،‭ ‬وأن‭ ‬الكلمة‭ ‬الصادقة‭ ‬تحفظ‭ ‬الذاكرة،‭ ‬وتبني‭ ‬الوعي،‭ ‬وتصنع‭ ‬الجمال‭..‬كما‭ ‬شدَّدتْ‭ ‬على‭ ‬أهمية‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬اللقاءات‭ ‬في‭ ‬إحياء‭ ‬المشهد‭ ‬الثقافي،‭ ‬وتعزيز‭ ‬الحوار‭ ‬بين‭ ‬المبدعين‭ ‬والجمهور،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تقدم‭ ‬الضيفين‭ ‬الشاعر‭ ‬عمر‭ ‬عبد‭ ‬الدايم،‭ ‬والشاعرة‭ ‬سميرة‭ ‬البوزيدي،‭ ‬مستعرضةً‭ ‬أبرز‭ ‬محطات‭ ‬تجربتهما‭ ‬وإسهاماتهما‭ ‬في‭ ‬إثراء‭ ‬الحركة‭ ‬الأدبية‭ ‬الليبية‭. ‬

مساحة‭ ‬للحوار‭ ‬بين‭ ‬النص‭ ‬والمتلقي‭ ‬

ولم‭ ‬تكن‭ ‬الأمسية‭ ‬مجرد‭ ‬لقاء‭ ‬لإلقاء‭ ‬القصائد،‭ ‬بل‭ ‬شكلتْ‭ ‬مساحة‭ ‬للحوار‭ ‬بين‭ ‬النصّ‭ ‬والمتلقي،‭ ‬في‭ ‬حضور‭ ‬نخبة‭ ‬من‭ ‬الأدباء‭ ‬والكتّاب‭ ‬والإعلاميين‭ ‬والمهتمين‭ ‬بالشأن‭ ‬الثقافي،‭ ‬الذين‭ ‬تابعوا‭ ‬الفقرات‭ ‬بتفاعل‭ ‬عكس‭ ‬استمرار‭ ‬تعطش‭ ‬الجمهور‭ ‬الليبي‭ ‬للفعاليات‭ ‬الأدبية‭ ‬الجادة‭. ‬ومن‭ ‬قلب‭ ‬المدينة‭ ‬القديمة؛‭ ‬حيث‭ ‬تمتزج‭ ‬عراقة‭ ‬المكان‭ ‬بعبق‭ ‬التاريخ،‭ ‬اكتسبتْ‭ ‬الأمسية‭ ‬بعدًا‭ ‬رمزيًا‭ ‬خاصًا،‭ ‬إذ‭ ‬بدا‭ ‬المشهد‭ ‬وكأن‭ ‬المدينة‭ ‬تشرع‭ ‬أبوابها‭ ‬للكلمة‭ ‬من‭ ‬جديد،‭ ‬ليصبح‭ ‬الشعر‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬ذاكرة‭ ‬المكان‭ ‬وروحه‭. ‬

واستهل‭ ‬الشاعر‭ ‬عمر‭ ‬عبد‭ ‬الدايم‭ ‬الأمسية‭ ‬بباقة‭ ‬من‭ ‬نصوصه‭ ‬التي‭ ‬عكستْ‭ ‬مشروعه‭ ‬الشعري‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬المعنى‭ ‬واستنطاق‭ ‬أسئلة‭ ‬الإنسان،‭ ‬متنقلًا‭ ‬بين‭ ‬الحب‭ ‬والحنين‭ ‬والوطن‭ ‬والذاكرة‭ ‬بلغة‭ ‬رشيقة‭ ‬وصور‭ ‬شعرية‭ ‬مكثفة‭. ‬وقد‭ ‬تميز‭ ‬أداؤه‭ ‬بحضور‭ ‬هادئ‭ ‬وواثق،‭ ‬جعل‭ ‬الجمهور‭ ‬شريكًا‭ ‬في‭ ‬التجربة،‭ ‬بينما‭ ‬قوبلت‭ ‬قصائده‭ ‬بإنصات‭ ‬عميق‭ ‬وتصفيق‭ ‬متواصل‭. ‬ويعد‭ ‬عبد‭ ‬الدايم‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬الأصوات‭ ‬الشعرية‭ ‬في‭ ‬ليبيا؛‭ ‬حيث‭ ‬رسخ‭ ‬عبر‭ ‬دواوينه،‭ ‬ومنها‭ ‬‮«‬يسكنّني‮»‬‭ ‬و‭**‬‮«‬قبضة‭ ‬حلم‮»‬‭** ‬و‭**‬‮«‬بذار‭ ‬الروح‮»‬‭**‬،‭ ‬تجربة‭ ‬شعرية‭ ‬تنحاز‭ ‬إلى‭ ‬الإنسان‭ ‬وتحتفي‭ ‬بجمال‭ ‬اللغة،‭ ‬كما‭ ‬تجاوز‭ ‬حضوره‭ ‬حدود‭ ‬الوطن‭ ‬بعد‭ ‬ترجمة‭ ‬ديوانه‭ ‬‮«‬قبضة‭ ‬حلم‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬اللغة‭ ‬الفرنسية،‭ ‬ومشاركته‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الملتقيات‭ ‬والمهرجانات‭ ‬العربية‭. ‬

الكتابة‭ ‬ليستْ‭ ‬ترفًا،‭ ‬بل‭ ‬فعل

معرفة‭ ‬ورسالة‭ ‬ومسؤولية

ومن‭ ‬فضاء‭ ‬التأمل‭ ‬الشعري،‭ ‬انتقلتْ‭ ‬الأمسية‭ ‬إلى‭ ‬تجربة‭ ‬الشاعرة‭ ‬سميرة‭ ‬البوزيدي،‭ ‬التي‭ ‬قدمت‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬نصوصها‭ ‬المفعمة‭ ‬بالحس‭ ‬الإنساني،‭ ‬متكئة‭ ‬على‭ ‬لغة‭ ‬شفافة‭ ‬وصور‭ ‬عميقة‭ ‬تناولت‭ ‬قضايا‭ ‬الذات‭ ‬والمرأة‭ ‬والوطن،‭ ‬مؤكدة‭ ‬أن‭ ‬الكتابة‭ ‬ليستْ‭ ‬ترفًا،‭ ‬بل‭ ‬فعل‭ ‬معرفة‭ ‬ورسالة‭ ‬ومسؤولية‭. ‬كما‭ ‬سلطت‭ ‬الأمسية‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬جانب‭ ‬من‭ ‬مسيرتها‭ ‬الثقافية‭ ‬الممتدة‭ ‬منذ‭ ‬تسعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬والتي‭ ‬جمعت‭ ‬فيها‭ ‬بين‭ ‬الإبداع‭ ‬الشعري‭ ‬والعمل‭ ‬الصحفي‭ ‬والثقافي،‭ ‬وأسهمتْ‭ ‬خلالها‭ ‬في‭ ‬تحرير‭ ‬وإدارة‭ ‬الصفحات‭ ‬الثقافية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬إصدار‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الدواوين‭ ‬التي‭ ‬لاقت‭ ‬اهتمامًا‭ ‬نقديًا،‭ ‬وحضورًا‭ ‬في‭ ‬المحافل‭ ‬العربية‭.‬

تفاعل‭ ‬لافت‭ ‬من‭ ‬الحضور

وشهدت‭ ‬الأمسية‭ ‬تفاعلًا‭ ‬لافتًا‭ ‬من‭ ‬الحضور،‭ ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬يكونوا‭ ‬مجرد‭ ‬مستمعين،‭ ‬بل‭ ‬عاشوا‭ ‬تفاصيل‭ ‬النصوص،‭ ‬متنقلين‭ ‬معها‭ ‬بين‭ ‬التأمل‭ ‬والدهشة‭ ‬والحنين،‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬أكد‭ ‬أن‭ ‬القصيدة‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬ملامسة‭ ‬الوجدان‭ ‬وإثارة‭ ‬الأسئلة‭ ‬العميقة‭. ‬وتندرج‭ ‬أمسية‭ ‬‮«‬زين‭ ‬المعاني‮»‬‭ ‬ضمن‭ ‬البرنامج‭ ‬الثقافي‭ ‬الذي‭ ‬تنظمه‭ ‬‮«‬ليالي‭ ‬صيف‭ ‬المدينة‭ ‬القديمة‮»‬،‭ ‬والهادف‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬الاعتبار‭ ‬للفعل‭ ‬الثقافي،‭ ‬وتحويل‭ ‬الفضاءات‭ ‬التاريخية‭ ‬إلى‭ ‬منصات‭ ‬للإبداع‭ ‬والفنون،‭ ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬حضور‭ ‬الثقافة‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬العامة،‭ ‬ويعيد‭ ‬ربط‭ ‬الجمهور‭ ‬بالمشهد‭ ‬الأدبي‭ ‬والفني‭..‬وفي‭ ‬زمن‭ ‬تتسارع‭ ‬فيه‭ ‬وسائل‭ ‬الاتصال‭ ‬وتختزل‭ ‬الكلمة‭ ‬في‭ ‬عبارات‭ ‬عابرة،‭ ‬جاءت‭ ‬هذه‭ ‬الأمسية‭ ‬لتؤكد‭ ‬أن‭ ‬الشعر‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يحتفظ‭ ‬بسحره‭ ‬وقدرته‭ ‬على‭ ‬صناعة‭ ‬الدهشة،‭ ‬وأن‭ ‬القصيدة‭ ‬الحقيقية‭ ‬ليستْ‭ ‬نصًا‭ ‬يُلقى‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬تجربة‭ ‬تُعاش،‭ ‬لأنها‭ ‬تحمل‭ ‬ذاكرة‭ ‬الإنسان‭ ‬وأحلامه‭ ‬وأسئلته‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تنتهي‭. ‬واختتمت‭ ‬الأمسية‭ ‬وسط‭ ‬إشادة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬الحضور،‭ ‬الذين‭ ‬اعتبروها‭ ‬نموذجًا‭ ‬للفعاليات‭ ‬الثقافية‭ ‬الجادة‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬جودة‭ ‬التنظيم،‭ ‬وقيمة‭ ‬المحتوى،‭ ‬وحسن‭ ‬اختيار‭ ‬الضيوف‭. ‬

وأثبتت‭ ‬‮«‬زين‭ ‬المعاني‮»‬‭ ‬أن‭ ‬المدن‭ ‬لا‭ ‬تُقاس‭ ‬بما‭ ‬تشيده‭ ‬من‭ ‬عمران‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬بما‭ ‬تمنحه‭ ‬للكلمة‭ ‬من‭ ‬مساحة،‭ ‬وللمبدعين‭ ‬من‭ ‬منابر،‭ ‬وللجمهور‭ ‬من‭ ‬فرص‭ ‬للقاء‭ ‬الجمال،‭ ‬فحين‭ ‬يعلو‭ ‬صوت‭ ‬الشعر‭ ‬تستعيد‭ ‬المدن‭ ‬شيئًا‭ ‬من‭ ‬روحها،‭ ‬وتؤكد‭ ‬الثقافة‭ ‬قدرتها‭ ‬الدائمة‭ ‬على‭ ‬صناعة‭ ‬الحياة‭..‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى