ثقافة

غربة الإبداع الليبي

د.عادل بشير الصاري

لماذا‭ ‬الأعمال‭ ‬الأدبية‭ ‬والفنية‭ ‬الليبية‭ ‬كـ‭)‬الشعر‭ ‬والقصة‭ ‬والأغنية‭ ‬والمسرحية‭ ‬والمسلسلات‭ ‬والفن‭ ‬التشكيلي‭ ( ‬مجهولة‭ ‬لدى‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الجيران‭ ‬العرب‭ ‬ذوي‭ ‬القربى‭ ‬والجُنُب؟‭!.‬

إنّ‭ ‬معظم‭ ‬العرب‭ ‬لا‭ ‬يعرفون‭ ‬الشيء‭ ‬الكثير‭ ‬عن‭ ‬النشاط‭ ‬الثقافي‭ ‬والفكري‭ ‬والأدبي،‭ ‬والفني‭ ‬في‭ ‬ليبيا،‭ ‬لكن‭ ‬الليبي‭ ‬يعرف‭ ‬الكثير‭ ‬عن‭ ‬ممارسي‭ ‬هذه‭ ‬الأنشطة‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬المغرب‭ ‬العربي،‭ ‬وفي‭ ‬المشرق‭ ‬والخليج،‭ ‬بل‭ ‬إنه‭ ‬يقبل‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬ينتجونه،‭ ‬فيقرأ‭ ‬كتبهم،‭ ‬ويستمع‭ ‬إلى‭ ‬أغانيهم،‭ ‬ويشاهد‭ ‬مسلسلاتهم‭ ‬وأفلامهم‭ ‬ومسرحياتهم‭. ‬

ليبيا‭ ‬اليوم‭ ‬بحمد‭ ‬الله‭ ‬فيها‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المبدعين‭ ‬في‭ ‬سائر‭ ‬الآداب‭ ‬والفنون،‭ ‬ولكن‭ ‬العالم‭ ‬الآخر‭ ‬يجهلهم‭ ‬ولا‭ ‬يعرف‭ ‬عن‭ ‬إبداعاتهم‭ ‬إلا‭ ‬القليل‭ ‬القليل‭.‬

لا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬أسبابًا‭ ‬كثيرة‭ ‬منها‭ ‬إدارية‭ ‬وإعلامية،‭ ‬واقتصادية‭ ‬تسويقية،‭ ‬لكن‭ ‬هناك‭ ‬سببًا‭ ‬آخر‭ ‬بنيوي‭ ‬يخص‭ ‬طبيعة‭ ‬الشخصية‭ ‬الليبية،‭ ‬ومزاجها‭ ‬وملَكاتها؛‭ ‬بحيث‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭: ‬إنها‭ ‬لا‭ ‬تملك‭ ‬ما‭ ‬تملكه‭ ‬الشخصية‭ )‬المصرية‭ ‬والشامية‭ ‬والخليجية‭( ‬من‭ ‬جاذبية‭ ‬وسحر‭ ‬الحضور،‭ ‬ولا‭ ‬تقدر‭ ‬على‭ ‬مجاراة‭ ‬غيرها‭ ‬في‭ ‬فن‭ ‬التفاعل‭ ‬والتواصل‭ ‬مع‭ ‬الآخر‭.‬

إن‭ ‬الشخصية‭ ‬الليبية‭ ‬تميل‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬إلى‭ ‬الانغلاق‭ ‬على‭ ‬الذات‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬تميل‭ ‬إلى‭ ‬الانفتاح‭ ‬والتواصل‭ ‬مع‭ ‬الغير،‭ ‬وهي‭ ‬حين‭ ‬تمارس‭ ‬العمل‭ ‬الإبداعي‭ ‬كـ«الكتابة‭ ‬والغناء‮»‬‭ ‬مثلاً‭ ‬فإنما‭ ‬تكتب‭ ‬وتغني‭ ‬لنفسها‭ ‬أي‭ ‬لليبي‭ ‬مثلها،‭ ‬غير‭ ‬آبهة‭ ‬ولا‭ ‬حريصة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يقرأ‭ ‬كتاباتها‭ ‬ويسمع‭ ‬غناءها‭ ‬الآخر‭ ‬البعيد،‭ ‬وسبب‭ ‬اجتنابها‭ ‬للآخر‭ ‬وعدم‭ ‬اكتراثها‭ ‬به‭ ‬يعود‭ ‬ربما‭ ‬إلى‭ ‬خوفها‭ ‬من‭ ‬الذوبان‭ ‬فيه،‭ ‬وقد‭ ‬تبرر‭ ‬خوفها‭ ‬بأنه‭ ‬حفاظ‭ ‬على‭ ‬أصالة‭ ‬ذاتها‭ ‬وخصوصيتها‭. ‬

هناك‭ ‬عدد‭ ‬قليل‭ ‬جدًا‭ ‬من‭ ‬المبدعين‭ ‬الليبيين‭ ‬استطاعوا‭ ‬أن‭ ‬يخرجوا‭ ‬من‭ ‬العباءة‭ ‬الليبية‭ ‬ومن‭ ‬محليتهم‭ ‬وخاطبوا‭ ‬العالم‭ ‬بلغته،‭ ‬فاستمع‭ ‬إليهم‭ ‬وتحاور‭ ‬معهم‭ ‬أبرزهم‭ : ‬المفكر‭ ‬الصادق‭ ‬النيهوم‭ ‬والروائي‭ ‬إبراهيم‭ ‬الكوني‭.‬

الأستاذ‭ ‬علي‭ ‬مصطفى‭ ‬المصراتي‭ ‬مثلاً‭ ‬لم‭ ‬يكتب،‭ ‬ولم‭ ‬يحاور‭ ‬في‭ ‬مؤلفاته‭ ‬الكثيرة‭ ‬سوى‭ ‬الليبي،‭ ‬لذلك‭ ‬هو‭ ‬معروف‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬ومجهول‭ ‬خارجها،‭ ‬كذلك‭ ‬الفنان‭ ‬محمد‭ ‬حسن،‭ ‬فهو‭ ‬برغم‭ ‬نبوغه‭ ‬في‭ ‬الطرب،‭ ‬وعبقريته‭ ‬في‭ ‬التلحين‭ ‬لم‭ ‬يستطع‭ ‬أن‭ ‬يُسمِع‭ ‬غناءه‭ ‬خارج‭ ‬خيمته‭ ‬ومضارب‭ ‬قبيلته‭ ‬إلا‭ ‬بخطواتٍ‭ ‬قليلة‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى