
تظل القاماتُ الفنية والرموز الإبداعية في وطننا العربي علامات فارقة في ذاكرة الثقافة والهوية الوطنية.
وحين يُذكر المسرح والسينما والدراما في ليبيا، تحضر قامة فنية استثنائية استطاعت عبر عقود طويلة من العطاء والتميّز أن تحفر اسمها بحروف من نور في الوجدان؛ إنها )فراشة الفن الليبي(، الفنانة والمنتجة القديرة خدوجة صبري.
تاريخٌ حافلُ بالجوائز والتكريمات والمسؤوليات؛ بدءًا من حصولها على جائزة الدولة التقديرية، ووصولاً إلى شغلها منصب الأمين المساعد للرابطة العامة للفنانين بليبيا لمدة سبع سنوات، وإدارتها الفنية لفرقة البيت الفني للأعمال الدرامية بطرابلس، بجانب تجاربها الإنتاجية الرائدة التي نقلتْ الفن الليبي إلى المحافل العربية والدولية.
البدايات دائمًا تحمل سحرًا خاصًا.. كيف قادتكِ الخُطى الأولى نحو المسرح؟، وكيف واجهتِ الخوفَ وأنتِ طفلة على الخشبة؟
بدايتي مع فرقة )الجيل الصاعد( كانتْ بمحض المصادفة والشغف الطفولي؛ لفتت انتباهي يافطة الفرقة بالشارع فتمسكتُ بوالدتي لدخول العالم الفني. وقبلها اكتشفتُ مُدرسة النشاط بمدرسة جامع محمود الابتدائية بالمدينة القديمة موهبتي في التمثيل. وكان الراحل مختار عوبة أول مخرج قدماني بمسرحية )مَنِ المسؤول(. موافقة والدي جاءتْ بصعوبة، وفي أول عرض على مسرح )السينما الحمراء( تملكني الخوفُ ونسيتُ الحوارَ، لكن الفنانة الكبيرة «سالمة حسن» ساعدتني حتى أكملتُ الدور وشجعتني الصحافة. وبعد الانتقال لمدرسة «الجلاء» بشارع ميزران وُلد الإصرار الفني بجماليته.
انطلاقتكِ مع المخرج القدير عبد الله الزروق شكلتْ رحلة ممتدة..كيف تتذكرين تلك المرحلة؟
انطلاقتي الحقيقية كانتْ مع فرقة المسرح الليبي بمسرحية )الحضيض(، ثم )اللي أديره تلقاه( مع عبد الله الزروق، لتبدأ رحلة حافلة بالجوائز بين المسرح، السينما، والتلفزيون. ثم تعيّنتُ بالمسرح الوطني بطرابلس وقدمتُ )وين العسل يا نسبتي( مع نخبة النجوم.
المسرح تعلمتُ منه الالتزام والأخلاق والوقوف بثبات أمام الجمهور.
حقَّقتِ رقمًا قياسيًا كأول ممثلة ليبية يصل رصيدها لـ 17 فيلمًا سينمائيًا بين المحلّي والعربي..كيف أثمرتْ هذه التجربة؟
أنا محظوظة كوني أول ممثلة ليبية تحقَّق هذا الرقم في السينما الليبية والعربية برصيد 17 فيلمًا. السينما كانتْ )شهادة ميلادي( وعاملًا رئيسًا في انتشاري عربيًا واختياري بلجان تحكيم المهرجانات. ولا أنسى رائدات السينما؛ كـ«الفنانة زهرة مصباح» أول ممثلة بالسينما الليبية، والقديرة «حميدة الخوجة». ومن أعمالي المحفورة في الذاكرة فيلم )معزوفة المطر، وفيلم معركة تاقرفت( المجلل بالعرض في مهرجان )كان( السينمائي الدولي، بطولة حميدة الخوجة، وإخراج عياد دريزة وحضرتُ عرضه هناك.
خضتِ تجربة الإنتاج الفني لإنتاج أعمال خارج الوطن..كيف توّجت هذه الرؤية الفن الليبي عالميًا؟
إيماني العميق بنقل الفن الليبي للخارج جعلنا ننتج أعمالاً جابتْ العالم؛ كمسرحية )حكاية طرابلسية( تأليف منصور بوشناف، وإخراج جمال عبدالناصر الحاصدة لـ )18( جائزة دولية. كما أنتجتُ الفيلم القصير «زهرة البنفسج» ونال شهادة أفضل فيلم ليبي ببروكسل، وتوجتُ كأفضل ممثلة عن فيلم «أحلام صغيرة» بقرطاج، والفيلم التلفزيوني «الوجه الآخر للقمر» الحاصل على جائزة بمهرجان إيران. أثبتنا أن الفن الليبي قادرٌ على المنافسة عالميًا.
تتعدَّد مسؤولياتك القيادية كمدير فني للبيت الفني، وعطاؤك النقابي كـ«أمين مساعد للرابطة العامة للفنانين» لسبع سنوات، إلى جانب حصولكِ على «جائزة الدولة التقديرية».. كيف توازنين بين الإدارة والإبداع؟
نيل جائزة الدولة التقديرية كان تتويجًا رسمياً ووسام فخر لرحلة التضحيات. أما مسؤوليّتي كـ مدير فني للبيت الفني للأعمال الدرامية بطرابلس، وعملي النقابي كـ أمين مساعد للرابطة العامة للفنانين طوال سبع سنوات، فهي تكليف لخدمة زملائي ورعاية الشباب وصناعة فرص ترتقي بالذائقة وتصون الهوية الفنية. ومؤخراً توّجنا بـ جائزة لجنة التحكيم الخاصة بمسرحية )على كيفها( تأليف صالح أبو السنون بمهرجان آفاق المسرحي العربي بالقاهرة 2025.
قدمتِ أعمالاً تلفزيونية خالدة مثل مسلسل «الهاربة»، وسهرة «الكادح».. كيف ترين كواليس تلك الفترة؟
التلفزيون له مكانة خاصة في قلبي لأنه يدخل كل بيت ليبي. انطلاقتي الدرامية الحقيقية كانت في مسلسل «الهاربة» من بطولة القديرة حميدة الخوجة وإخراج حسن التركي، وعملتُ فيه بجانب قامات كبيرة مثل زهرة مصباح وعلي القبلاوي وسعاد الحداد.
أما سهرة «الكادح» مع المخرج محمد الساحلي، فكانت أول تجربة لي أمام كاميرا التلفزيون.
وأتذكر فيها موقفاً إنسانياً نبيلاً للفنان الراحل محمد شرف الدين؛ حيث كان يكتب ليّ النص ّبخط كبير على سبورة بالطباشير ليساعدني أثناء التصوير.
هذه الروح والمحبة هي السمة التي ميزتْ جيلنا العظيم.
موازنة رصينة بين التتويج بـ «جائزة الدولة التقديرية» والمسؤولية القيادية والنقابية
توازنين بين موقعكِ الإداري والنقابي وعطائكِ الإبداعي وتتويجكِ بجائزة الدولة التقديرية.. كيف تحافظين على هذا الشغف؟
الشغفُ هو الوقود الحقيقي. الحصول على جائزة الدولة التقديرية كان لحظة فارقة تتوج سنوات من السهر والتضحيات في سبيل الفن. أما مسؤوليّتي كـ مدير فني لفرقة البيت الفني للأعمال الدرامية بطرابلس، وعطائي النقابي كـ أمين مساعد للرابطة العامة للفنانين طوال سبع سنوات، فهما تكليف وشرف لخدمة زملائي ودعم الشباب وصيانة الهوية الثقافية.
وحتى على مستوى الخشبة، لا أتوانى عن العطاء؛ ومؤخراً شَرفتُ بتتويج مسرحية )على كيفها(تأليف صالح أبو السنون بـ جائزة لجنة التحكيم الخاصة بمهرجان آفاق المسرحي العربي بالقاهرة 2025.
كلمة أخيرة لجمهوركِ ومحبيكِ؟
كلُ ما قدمته تمثيلاً وإنتاجاً وإدارة كان بفضل حبكم.
الفن رسالة سامية، وكل المعاناة تحوّلتْ لإعتزاز حين أرى التقدير بفيض عيونكم والجوائز المرفوعة باسم ليبيا. حفظ الله ليبيا. وأثرى ساحتها بالإبداع.


