الرئيسيةرأي

قلعة أوباري.. من ركام النزاع إلى جسور التآخي.. قصة انبعاث النسيج الواحد

منى بن هيبة

بين‭ ‬أسوار‭ ‬التاريخ‭ ‬وذاكرة‭ ‬المكان،‭ ‬وفي‭ ‬قلب‭ ‬مدينة‭ ‬أوباري‭ ‬التي‭ ‬عانقت‭ ‬الحضارة‭ ‬منذ‭ ‬القدم،‭ ‬رُفعت‭ ‬الستارة‭ ‬مؤخراً‭ ‬عن‭ ‬مشهد‭ ‬تاريخي‭ ‬جديد‭ ‬يعلن‭ ‬انتصار‭ ‬الحياة‭ ‬والتعايش‭ ‬على‭ ‬ركام‭ ‬الحرب‭.‬

‭ ‬في‭ ‬أجواء‭ ‬احتفالية‭ ‬بهيجة‭ ‬شهدت‭ ‬حضوراً‭ ‬رسمياً‭ ‬وشعبياً‭ ‬لافتاً،‭ ‬تم‭ ‬مؤخرًا‭ ‬الإعلان‭ ‬رسمياً‭ ‬عن‭ ‬افتتاح‭ ‬قلعة‭ ‬أوباري‭ ‬التاريخية‭ ‬وانتهاء‭ ‬أعمال‭ ‬الترميم‭ ‬الجزئي‭ ‬فيها،‭ ‬كخطوة‭ ‬أولى‭ ‬وعملاقة‭ ‬نحو‭ ‬استعادة‭ ‬المعلم‭ ‬الأبرز‭ ‬في‭ ‬الجنوب‭ ‬الليبي‭ ‬لبريقه‭ ‬ومكانته‭.‬

جراح‭ ‬الماضي‭.. ‬قلعة‭ ‬أوباري‭ ‬وأحداث‭ ‬2015

لا‭ ‬يمكن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الإنجاز‭ ‬دون‭ ‬استحضار‭ ‬الندوب‭ ‬التي‭ ‬تركتها‭ ‬سنوات‭ ‬القلق؛‭ ‬فقد‭ ‬تعرضت‭ ‬القلعة،‭ ‬التي‭ ‬تعد‭ ‬رمزاً‭ ‬لهوية‭ ‬المنطقة‭ ‬وعنواناً‭ ‬لأصالتها،‭ ‬لإهمال‭ ‬وتدمير‭ ‬ممنهج‭ ‬نتيجة‭ ‬النزاعات‭ ‬المسلحة‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬المدينة‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2015‭.‬

تحولت‭ ‬الأسوار‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تحمي‭ ‬المدينة‭ ‬يوماً‭ ‬ما‭ ‬إلى‭ ‬أطلال‭ ‬صامتة،‭ ‬وتضررت‭ ‬هياكلها‭ ‬التاريخية‭ ‬بفعل‭ ‬القذائف‭ ‬والإهمال‭ ‬الطويل،‭ ‬مما‭ ‬جعلها‭ ‬عرضة‭ ‬للاندثار‭. ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬المؤلم‭ ‬جعل‭ ‬من‭ ‬ضرورة‭ ‬التدخل‭ ‬لإنقاذها‭ ‬مطلباً‭ ‬شعبياً‭ ‬ووطنياً‭ ‬ملحاً،‭ ‬حتى‭ ‬تظافرت‭ ‬الجهود‭ ‬لتحويل‭ ‬هذا‭ ‬الحلم‭ ‬إلى‭ ‬حقيقة‭ ‬ملموسة‭.‬

فلسفة‭ ‬الترميم‭.. ‬إحياء‭ ‬الحجر‭ ‬لترميم‭ ‬البشر

لم‭ ‬تكن‭ ‬أعمال‭ ‬الترميم‭ ‬التي‭ ‬جرت‭ ‬مؤخراً‭ ‬مجرد‭ ‬جهد‭ ‬معماري‭ ‬وتقني‭ ‬بحت،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬تطبيقاً‭ ‬حياً‭ ‬لشعار‭ ‬صاغه‭ ‬أبناء‭ ‬المدينة‭: ‬‮«‬تأهيل‭ ‬وترميم‭ ‬القلعة‭ ‬هو‭ ‬ترميم‭ ‬للنسيج‭ ‬الاجتماعي‮»‬‭.‬

فقد‭ ‬أثبتت‭ ‬سواعد‭ ‬المتدربين‭ ‬والخبراء‭ ‬الذين‭ ‬شاركوا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬الطموح‭ ‬أن‭ ‬القلعة‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬حجارة‭ ‬مرصوصة،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬بوتقة‭ ‬تنصهر‭ ‬فيها‭ ‬الثقافات‭ ‬المحلية‭ ‬لتشكل‭ ‬ثقافة‭ ‬واحدة‭.‬

إنها‭ ‬الذاكرة‭ ‬المشتركة‭ ‬التي‭ ‬تربط‭ ‬ماضي‭ ‬الأجداد‭ ‬بحاضر‭ ‬الأحفاد،‭ ‬وترسم‭ ‬ملامح‭ ‬مستقبل‭ ‬تتشابك‭ ‬فيه‭ ‬جهود‭ ‬الجميع‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬موروثهم‭ ‬الحضاري‭.‬

احتفالية‭ ‬بهيجة‭ ‬وحضور‭ ‬رسمي‭ ‬رفيع

شهدت‭ ‬القلعة‭ ‬احتفالية‭ ‬مميزة‭ ‬بمناسبة‭ ‬هذا‭ ‬الافتتاح‭ ‬الجزئي،‭ ‬ضمت‭ ‬لـفيفاً‭ ‬من‭ ‬المهتمين‭ ‬بقطاع‭ ‬الثقافة‭ ‬والتراث،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬حضور‭ ‬بارز‭ ‬لعميد‭ ‬وأعضاء‭ ‬المجلس‭ ‬البلدي‭ ‬أوباري،‭ ‬ووكيل‭ ‬المجلس‭ ‬البلدي،‭ ‬ولفيف‭ ‬من‭ ‬القيادات‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬والأعيان،‭ ‬والفعاليات‭ ‬بالمنطقة‭.‬

أكّد‭ ‬الحاضرون‭ ‬خلال‭ ‬الكلمات‭ ‬التي‭ ‬أُلقيت‭ ‬في‭ ‬الحفل‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الالتفاف‭ ‬الرسمي‭ ‬والأهلي‭ ‬يعكس‭ ‬الجدية‭ ‬الكبيرة‭ ‬في‭ ‬مواصلة‭ ‬العمل،‭ ‬وتأكيداً‭ ‬على‭ ‬دور‭ ‬منظمة‭ ‬ممكن‭ ‬بالتعاون‭ ‬مع‭ ‬المجتمع‭ ‬المحلي‭ ‬ومراقبة‭ ‬آثار‭ ‬الجنوب‭ ‬في‭ ‬قيادة‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬الحضاري‭.‬

إن‭ ‬إعادة‭ ‬افتتاح‭ ‬قلعة‭ ‬أوباري‭ ‬اليوم،‭ ‬والبدء‭ ‬في‭ ‬بث‭ ‬الروح‭ ‬في‭ ‬أركانها،‭ ‬هي‭ ‬رسالة‭ ‬قوية‭ ‬للعالم‭ ‬أجمع؛‭ ‬بأن‭ ‬المدينة‭ ‬قد‭ ‬طوت‭ ‬بوعي‭ ‬أبنائها‭ ‬صفحة‭ ‬الركام‭ ‬والفرقة،‭ ‬وبدأت‭ ‬رسمياً‭ ‬في‭ ‬تشييد‭ ‬جسور‭ ‬الصلة‭ ‬والتآخي‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تنقطع‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى