رأي

أهرامات الحطية .. تجليات العمارة الجرمنتية وفلسفة الخلود في صحراء فزان

هناء الجواشي

تعد‭ ‬أهرامات‭ ‬الحطية،‭ ‬الواقعة‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬منطقة‭ ‬فزان‭ ‬بجنوب‭ ‬ليبيا،‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬الشواهد‭ ‬الأثرية‭ ‬التي‭ ‬تروي‭ ‬قصة‭ ‬حضارة‭ ‬الجرمنت‭ ‬العريقة‭. ‬هذه‭ ‬المعالم‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬شواهد‭ ‬صامتة‭ ‬على‭ ‬التاريخ،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬نص‭ ‬معماري‭ ‬وبصري‭ ‬متكامل،‭ ‬يعكس‭ ‬براعة‭ ‬إنسانية‭ ‬فذة‭ ‬في‭ ‬تطويع‭ ‬البيئة‭ ‬القاسية‭ ‬لخدمة‭ ‬غايات‭ ‬جنائزية‭ ‬وفلسفية‭ ‬تتجاوز‭ ‬مفهوم‭ ‬المدافن‭ ‬التقليدية‭ ‬إلى‭ ‬مفهوم‭ ‬بناء‭ ‬الهوية‭ ‬في‭ ‬الفراغ‭ ‬الصحراوي‭.‬

السياق‭ ‬الجغرافي‭ ‬والنشأة‭ ‬الرقمية

تتمركز‭ ‬هذه‭ ‬المجموعة‭ ‬الأثرية‭ ‬المهمة‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬بوادي‭ ‬الآجال‭ ‬بجنوب‭ ‬غرب‭ ‬ليبيا،‭ ‬وتحديداً‭ ‬على‭ ‬بعد‭ ‬20‭ ‬كيلومتراً‭ ‬غرب‭ ‬مدينة‭ ‬جرمة‭ ‬التاريخية‭. ‬وتتكون‭ ‬أهرامات‭ ‬الحطية‭ ‬من‭ ‬مجموعة‭ ‬تضم‭ ‬20‭ ‬هرماً،‭ ‬تتفاوت‭ ‬في‭ ‬أحجامها‭ ‬لتتراوح‭ ‬ارتفاعاتها‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬المترين‭ ‬والخمسة‭ ‬أمتار‭. ‬تعود‭ ‬هذه‭ ‬الصروح‭ ‬إلى‭ ‬شعب‭ ‬الجرمنت‭ ‬الذي‭ ‬أسس‭ ‬حضارة‭ ‬عريقة‭ ‬في‭ ‬فزان‭ ‬خلال‭ ‬الألف‭ ‬الأول‭ ‬قبل‭ ‬الميلاد،‭ ‬وامتد‭ ‬نفوذها‭ ‬وتطورها‭ ‬المعماري‭ ‬ليزدهر‭ ‬بشكل‭ ‬خاص‭ ‬في‭ ‬القرون‭ ‬الأولى‭ ‬للميلاد،‭ ‬مما‭ ‬يضع‭ ‬هذه‭ ‬الأهرامات‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬تاريخي‭ ‬يعكس‭ ‬تراكماً‭ ‬حضارياً‭ ‬طويلاً‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

العمارة‭ ‬والتكوين‭ ‬الهندسي‭: ‬نقد‭ ‬في‭ ‬فلسفة‭ ‬المدرجات

تتميز‭ ‬أهرامات‭ ‬الحطية‭ ‬بخصوصية‭ ‬شكلية‭ ‬تجعل‭ ‬منها‭ ‬حالة‭ ‬دراسية‭ ‬في‭ ‬النقد‭ ‬المعماري‭. ‬لا‭ ‬تعتمد‭ ‬هذه‭ ‬الأهرامات‭ ‬على‭ ‬زوايا‭ ‬حادة‭ ‬انسيابية‭ ‬كما‭ ‬نرى‭ ‬في‭ ‬العمارة‭ ‬الجنائزية‭ ‬الرومانية‭ ‬أو‭ ‬المصرية،‭ ‬بل‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬نظام‭ ‬المصاطب‭ ‬أو‭ ‬الطبقات‭ ‬المتراكبة‭. ‬هذا‭ ‬التدرج‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬قراءته‭ ‬كخيار‭ ‬جمالي‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬ضرورة‭ ‬إنشائية‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬فهم‭ ‬عبقري‭ ‬للبيئة؛‭ ‬فالتدرج‭ ‬يقلل‭ ‬من‭ ‬مساحة‭ ‬الكتلة‭ ‬كلما‭ ‬اتجهنا‭ ‬نحو‭ ‬القمة،‭ ‬مما‭ ‬يمنح‭ ‬الهيكل‭ ‬ثباتاً‭ ‬هيكلياً‭ ‬عالياً‭ ‬ضد‭ ‬الرياح‭ ‬الصحراوية،‭ ‬ويخلق‭ ‬إيقاعاً‭ ‬بصرياً‭ ‬يتصاعد‭ ‬نحو‭ ‬السماء‭.‬

من‭ ‬الناحية‭ ‬النقدية،‭ ‬يمثل‭ ‬هذا‭ ‬التكوين‭ ‬تضاداً‭ ‬درامياً‭ ‬بين‭ ‬الخارج‭ ‬والداخل؛‭ ‬فبينما‭ ‬توحي‭ ‬الكتلة‭ ‬الخارجية‭ ‬بالوقار‭ ‬والجمود،‭ ‬يقوم‭ ‬الجوهر‭ ‬المعماري‭ ‬على‭ ‬فراغ‭ ‬غائر‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬الغرف‭ ‬الجنائزية‭ ‬السفلية‭. ‬هذا‭ ‬الانفصال‭ ‬بين‭ ‬ظاهر‭ ‬الهرم‭ ‬وباطنه‭ ‬يثير‭ ‬تساؤلات‭ ‬نقدية‭ ‬حول‭ ‬علاقة‭ ‬الإنسان‭ ‬بالمكان،‭ ‬حيث‭ ‬تحول‭ ‬القبر‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬حفرة‭ ‬في‭ ‬الأرض‭ ‬إلى‭ ‬مركز‭ ‬ثقل‭ ‬هندسي‭ ‬يحدد‭ ‬وجود‭ ‬الصرح‭ ‬بأكمله،‭ ‬مما‭ ‬يضفي‭ ‬على‭ ‬الموقع‭ ‬هيبة‭ ‬قدسية‭ ‬تتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬الجسد‭.‬

الخامات‭ ‬واللون‭: ‬الحوار‭ ‬مع‭ ‬المحيط

اعتمد‭ ‬المعماري‭ ‬الجرمنتي‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ ‬الاستدامة‭ ‬والاندماج‭ ‬الذي‭ ‬تفتقده‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬عمارة‭ ‬اليوم‭. ‬شُيدت‭ ‬الأهرامات‭ ‬باستخدام‭ ‬الحجر‭ ‬الجيري‭ ‬المقطع،‭ ‬المستخرج‭ ‬من‭ ‬المحاجر‭ ‬المحلية‭ ‬في‭ ‬فزان‭. ‬إن‭ ‬هذا‭ ‬الاختيار‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬تقنياً‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬تشكيلياً‭ ‬بامتياز؛‭ ‬إذ‭ ‬تتماهى‭ ‬درجات‭ ‬ألوان‭ ‬الحجر،‭ ‬من‭ ‬البيج‭ ‬الرملي‭ ‬إلى‭ ‬المغرة‭ ‬الباهتة،‭ ‬مع‭ ‬التربة‭ ‬والرمال‭ ‬المحيطة‭.‬

إن‭ ‬اختيار‭ ‬هذه‭ ‬الألوان‭ ‬يخلق‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬أحادية‭ ‬اللون‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬الأثر‭ ‬يبدو‭ ‬وكأنه‭ ‬نتوء‭ ‬طبيعي‭ ‬من‭ ‬قلب‭ ‬الأرض‭ ‬وليس‭ ‬جسماً‭ ‬دخيلاً‭ ‬عليها‭. ‬من‭ ‬منظور‭ ‬نقدي،‭ ‬يمكن‭ ‬اعتبار‭ ‬هذا‭ ‬التصميم‭ ‬ذروة‭ ‬الفن‭ ‬البيئي؛‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬يسعى‭ ‬البناء‭ ‬لفرض‭ ‬هيمنته‭ ‬على‭ ‬الصحراء،‭ ‬بل‭ ‬يسعى‭ ‬للحوار‭ ‬معها‭. ‬إن‭ ‬قدرة‭ ‬الحجارة‭ ‬على‭ ‬امتصاص‭ ‬الضوء‭ ‬وتغيير‭ ‬تضاريسها‭ ‬بفعل‭ ‬الظلال‭ ‬خلال‭ ‬ساعات‭ ‬النهار‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬الأهرامات‭ ‬عملاً‭ ‬فنياً‭ ‬حياً‭ ‬يتفاعل‭ ‬مع‭ ‬حركة‭ ‬الزمن‭ ‬والشمس،‭ ‬مما‭ ‬يطرح‭ ‬تحدياً‭ ‬حقيقياً‭ ‬للعمارة‭ ‬المعاصرة‭ ‬التي‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬تصر‭ ‬على‭ ‬معارضة‭ ‬الطبيعة‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬التصالح‭ ‬معها‭.‬

الوظيفة‭ ‬والدور‭: ‬بين‭ ‬السيادة‭ ‬والذاكرة

لم‭ ‬تكن‭ ‬أهرامات‭ ‬الحطية‭ ‬مجرد‭ ‬مدافن‭ ‬ملكية،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬بمثابة‭ ‬علامات‭ ‬مكان‭ ‬تؤكد‭ ‬سيادة‭ ‬الجرمنت‭ ‬على‭ ‬أراضيهم‭ ‬وتثبت‭ ‬استقرارهم‭ ‬الحضاري‭. ‬هذه‭ ‬الصروح،‭ ‬بعددها‭ ‬الذي‭ ‬يناهز‭ ‬العشرين‭ ‬هرماً،‭ ‬كانت‭ ‬تعمل‭ ‬كمتاحف‭ ‬للذاكرة؛‭ ‬حيث‭ ‬تُجهز‭ ‬الغرف‭ ‬الجنائزية‭ ‬بمقتنيات‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬مكانة‭ ‬المتوفى‭ ‬وتفاصيل‭ ‬حياته،‭ ‬مما‭ ‬يجعلها‭ ‬وثائق‭ ‬تاريخية‭ ‬تروي‭ ‬جوانب‭ ‬من‭ ‬العقائد‭ ‬والطقوس‭ ‬الجنائزية‭ ‬المتطورة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬سائدة‭. ‬إن‭ ‬هذا‭ ‬الدور‭ ‬يجسد‭ ‬رغبة‭ ‬الإنسان‭ ‬الأزلي‭ ‬في‭ ‬هزيمة‭ ‬الفناء،‭ ‬حيث‭ ‬تحولت‭ ‬هذه‭ ‬الأبنية‭ ‬إلى‭ ‬قصائد‭ ‬معمارية‭ ‬تخلد‭ ‬ذكرى‭ ‬أصحابها‭ ‬وتفرض‭ ‬حضورهم‭ ‬عبر‭ ‬القرون‭.‬

خاتمة‭ ‬نقدية‭: ‬الدرس‭ ‬المعاصر

إن‭ ‬ما‭ ‬يدهش‭ ‬في‭ ‬أهرامات‭ ‬الحطية‭ ‬اليوم‭ ‬هو‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬تقديم‭ ‬درس‭ ‬في‭ ‬التقشف‭ ‬البصري‭. ‬فقد‭ ‬استطاع‭ ‬الإنسان‭ ‬القديم،‭ ‬بفضل‭ ‬ذكائه‭ ‬الفطري‭ ‬وقدرته‭ ‬على‭ ‬الملاحظة،‭ ‬أن‭ ‬يخلق‭ ‬جمالاً‭ ‬فائقاً‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬البساطة‭. ‬إن‭ ‬التضاد‭ ‬بين‭ ‬خشونة‭ ‬الحجر‭ ‬التي‭ ‬صقلتها‭ ‬عوامل‭ ‬التعرية‭ ‬ونعومة‭ ‬الرمال‭ ‬المحيطة‭ ‬يضعنا‭ ‬أمام‭ ‬تساؤل‭ ‬نقدي‭ ‬حاد‭: ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬مدى‭ ‬يمكن‭ ‬للعمارة‭ ‬المعاصرة‭ ‬أن‭ ‬تستلهم‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الفلسفة‭ ‬الجرمنتية‭ ‬لتحقيق‭ ‬مبانٍ‭ ‬تعيش‭ ‬في‭ ‬وئام‭ ‬حقيقي‭ ‬مع‭ ‬بيئتها،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬أجساداً‭ ‬غريبة‭ ‬ومنبوذة‭ ‬في‭ ‬محيطها؟

تظل‭ ‬أهرامات‭ ‬الحطية‭ ‬أيقونة‭ ‬معمارية‭ ‬في‭ ‬فزان،‭ ‬لا‭ ‬بضخامتها،‭ ‬بل‭ ‬بتوازنها‭ ‬الفريد‭ ‬بين‭ ‬الكتلة‭ ‬والفراغ،‭ ‬وبقدرتها‭ ‬على‭ ‬الصمود‭ ‬كشاهد‭ ‬صامت‭ ‬يربط‭ ‬حاضر‭ ‬المنطقة‭ ‬بجذورها‭ ‬الضاربة‭ ‬في‭ ‬أعماق‭ ‬التاريخ،‭ ‬داعيةً‭ ‬كل‭ ‬فنان‭ ‬ومعماري‭ ‬ومعاصر‭ ‬للتأمل‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬الفن‭ ‬الذي‭ ‬يعيش‭ ‬طويلاً‭ ‬هو‭ ‬ذلك‭ ‬الذي‭ ‬يولد‭ ‬من‭ ‬رحم‭ ‬المكان،‭ ‬لا‭ ‬ذلك‭ ‬الذي‭ ‬يُفرض‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬خارجه‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى