
بهذه الكلمات الموجعة، تتلخص مأساة الأمن الغذائي في ليبيا. كارثة جديدة تضرب موائد المواطنين بلا هوادة، بعد أن كشفت أبحاث أكاديمية موثقة أن 65% من الخضروات والفواكه المعروضة في الأسواق المفتوحة مشبعة بمبيدات مسرطنة ومحظورة دولياً. غياب مخيف للأجهزة الرقابية التي تُخصص لها ميزانيات مليارية، وتُجار يبحثون عن الربح السريع على حساب صحة المستهلك. هذه الأزمة تستدعي دق نواقيس الخطر، ليس فقط لمحاسبة المتورطين، بل لإنقاذ وطن ينهشه التلوث البطيء، وسط اتهامات صريحة لقيادات مسؤولة باللامبالاة تجاه كارثة قد تخلف أجيالاً مشوهة.
استطلعت صحيفتنا آراء نخبة من الأكاديميين والمختصين للوقوف على أبعاد هذه الجريمة، والبحث في مسبباتها، وطرح الحلول الكفيلة بوقف هذا النزيف الصحي.
غياب الرقابة وفضيحة «الصدفة الأكاديمية»
“لو لم تقم الطالبة حواء الشريف، بالتعاون مع قسم علم الحشرات بجامعة طرابلس ومركز الرقابة على الأغذية، بمشروع بحثها، هل كنا سنظل نأكل هذه السموم إلى الأبد؟ بهذا التساؤل الاستنكاري المرير، يضع الدكتور يونس الطيب أبوشيبه «كلية الاقتصاد، جامعة مصراتة» إصبعه على الجرح الغائر. المفارقة هنا لا تكمن في حجم التلوث فحسب، بل في آلية اكتشافه. فرغم الميزانيات الضخمة المرصودة سنوياً، غابت مؤسسات الدولة تماماً عن مراقبة مزارع الخضار، والدواجن، والمواشي.
يعيد هذا المشهد إلى الأذهان فضيحة «برومات البوتاسيوم» في الدقيق، التي ظلت تتسرب إلى الخبز اليومي لسنوات دون اكتشافها إلا بجهود فردية. يصف أبوشيبه هذا الفراغ الرقابي بأنه التجلي الحقيقي لـ «الدولة الفاشلة»، حيث تختفي أجهزة المراقبة لتظهر الحقيقة الصادمة على يد طالبة تحضر رسالة ماجستير.
جذور الكارثة: فوضى زراعية وأرباح قاتلة
تبدأ الكارثة الحقيقية من الحقل، قبل أن تصل إلى رفوف الأسواق. يوضح المهندس علاء النعاس أن غياب الإشراف الهندسي المتخصص عن المزارع ترك الساحة مفتوحة لرؤوس أموال تبحث عن الكسب السريع وعمالة وافدة تفتقر للخبرة. الهدف الوحيد بات إنتاج محاصيل جذابة شكلاً، دون أي اعتبار لفترات الأمان أو لخطورة المبيدات المحظورة.
ويطرح النعاس معضلة لا تقل خطورة عن الجريمة ذاتها، تتعلق بمصير الكميات الهائلة التي تم ضبطها: كيف تُخزن الآن؟ وما هي الجهة المسؤولة عن إتلافها بطرق علمية آمنة تضمن عدم تسرب سمومها إلى البيئة مجدداً، أم أنها ستُترك لتتكدس في المخازن إلى أجل غير مسمى؟
في ذات السياق، يرى المهندس محمد السويح «عضو مجلس إدارة منظمة الرقيب الليبية لحماية المستهلك» أن التحقيقات التي فتحها مكتب النائب العام، ورغم أهميتها البالغة، تشبه إلقاء حجر في مياه راكدة. فالأزمة متجذرة منذ عقود، وما نحصده اليوم هو نتيجة حتمية لتراكمات طويلة من الإهمال. ويشدد السويح على ضرورة الخروج من دائرة «فقاعات الهواء» المؤقتة، وتأسيس آليات مستدامة تضمن تطبيق القانون ومعاقبة كل من أهلك الحرث والنسل.
العلم كحائط صد: تحرك أكاديمي طارئ
أمام هذا الانهيار، يقف البحث العلمي كحائط صد أخير وضروري. يؤكد الأستاذ الدكتور عبد الكريم احتاش «عميد كلية الزراعة بجامعة طرابلس» أن مواجهة الاستخدام العشوائي للمبيدات لا تتحقق بالردع الأمني والرقابي وحده، بل تبدأ من المعامل والمختبرات.
يعلن د. احتاش وضع كلية الزراعة، بوصفها بيت الخبرة الوطني الأول، كافة إمكاناتها البحثية والعلمية في خدمة مؤسسات الدولة. ويدعو إلى تكاتف عاجل بين الجهات القضائية والتنفيذية والأكاديمية، لتدريب الكوادر، وتحديث المختبرات المرجعية، ونشر ثقافة زراعية رشيدة. فالهدف الاستراتيجي هو بناء منظومة حديثة تنتج غذاءً آمناً وتحقق التنمية المستدامة، بعيداً عن الممارسات العشوائية المدمرة.
خريطة طريق للنجاة: الردع والتنظيم
كيف نخرج من هذا النفق المظلم؟ يبدأ الحل الحاسم بقوة القانون. يشيد المهندس صلاح بركة بالتحركات الأخيرة للنائب العام، مطالباً بالضرب بيد من حديد والتشهير العلني بكل المتورطين في استيراد وتداول هذه السموم، وتقديمهم لمحاكمات رادعة تجعلهم عبرة لمن تسول له نفسه التلاعب بأرواح المواطنين.
وبموازاة المسار القضائي، يقدم المهندس جمال أبو مزود رؤية تنظيمية هيكلية لإنقاذ القطاع الزراعي؛ تتمثل في إعداد «خطة زراعية وطنية موسمية» تصدرها وزارة الزراعة.
تعتمد هذه الخطة على المحددات التالية:
-إصدار دليل إرشادي إلزامي يحدد المحاصيل الموصى بزراعتها حسب كل منطقة.
- تحديد قوائم صارمة بالأسمدة والمبيدات المسموح بها وجداول الرش الآمنة.
- تكليف جهاز «الشرطة الزراعية» بالمتابعة الميدانية الدقيقة بالتنسيق المباشر مع مكاتب الإرشاد الزراعي.
بهذه الخطوات المتكاملة، يمكن لليبيا أن تنتقل من خانة رد الفعل العشوائي عند كل أزمة، إلى تأسيس قطاع زراعي منظم يحمي المزارع، ويضمن حق المواطن في غذاء آمن خالٍ من السموم.



