اقتصادالرئيسية

العنونة البريدية مشروع خذله الإعلام البروتوكولي

رضا فحيل البوم

مرّ‭ ‬عليّ‭ ‬قبل‭ ‬أيام‭ ‬منشور‭ ‬لشركة‭ ‬بريد‭ ‬ليبيا‭ ‬يستعرض‭ ‬إنجازات‭ ‬مشروع‭ ‬العنونة‭ ‬البريدية‭. ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬المشروع‭ ‬يمثل‭ ‬تحولاً‭ ‬تاريخياً‭ ‬طال‭ ‬انتظاره‭ ‬لعقود‭ ‬في‭ ‬دولة‭ ‬توقف‭ ‬تخطيطها‭ ‬العمراني‭ ‬منذ‭ ‬الثمانينيات،‭ ‬واعتمد‭ ‬مواطنوها‭ ‬على‭ ‬الوصف‭ ‬الشفهي”‭ ‬‮«‬بجانب‭ ‬الجزيرة‭ ‬وخلف‭ ‬المحل‭ ‬وأمام‭ ‬محطة‭ ‬البنزين‮»‬،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬صياغة‭ ‬الخبر‭ ‬خذلت‭ ‬أهمية‭ ‬الحدث‭.. ‬في‭ ‬الإعلام‭ ‬المهني،‭ ‬المواطن‭ ‬هو‭ ‬المركز‭ ‬يهمه‭ ‬أن‭ ‬يعرف‭: ‬من،‮ ‬ماذا،‭ ‬متى وأين؟‭ ‬‮ ‬ثم‭ ‬تفاصيل‭ ‬تتعلق‭ ‬ب‭ ‬‮«‬كيف‭ ‬ولماذا‮»‬‭ ‬مع‭ ‬ملاحظة‭ ‬عدم‭ ‬إغفال‭ ‬مصدر‭ ‬الخبر‭. ‬ما‭ ‬لاحظته‭ ‬هو‭ ‬متلازمة‭ ‬شائعة‭ ‬في‭ ‬الإعلام‭ ‬الليبي؛‭ ‬حيث‭ ‬يتم‭ ‬تقديم‭ ‬‮«‬المسؤول‭ ‬الحكومي‮»‬‭ ‬على‭ ‬‮«‬الحدث‮»‬‭. ‬المواطن‭ ‬الذي‭ ‬يعاني‭ ‬منذ‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬غياب‭ ‬هوية‭ ‬واضحة‭ ‬للشوارع‭ ‬والمباني‭ ‬لا‭ ‬يهمه‭ ‬من‭ ‬حضر‭ ‬ومن‭ ‬غاب‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يهمه‭: ‬متى‭ ‬سأحصل‭ ‬على‭ ‬رمزي‭ ‬البريدي؟‭ ‬وكيف‭ ‬سيصلني‭ ‬الطرد‭ ‬أو‭ ‬الشحنة‭ ‬إلى‭ ‬باب‭ ‬بيتي؟‭ ‬تركيز‭ ‬الخبر‭ ‬على‭ ‬رصّ‭ ‬أسماء‭ ‬ومناصب‭ ‬الحاضرين‭ ‬في‭ ‬السطور‭ ‬الأولى‭ ‬يقتل‭ ‬القيمة‭ ‬الإخبارية‭ ‬ويحول‭ ‬المشروع‭ ‬القومي‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬لقطة‭ ‬تصويرية‭ ‬ونشاط مكتبي‭.‬

تُعدّ‭ ‬ليبيا‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬القليلة‭ ‬التي‭ ‬غابت‭ ‬عنها‭ ‬العنونة‭ ‬البريدية‭ ‬لعقود؛‭ ‬فلا‭ ‬شوارع‭ ‬مسماة‭ ‬ولا‭ ‬مبان‭ ‬مرقمة‭ ‬وظل المواطن‭ ‬رهين‭ ‬الوصف‭ ‬الشفهي‭ ‬المستند‭ ‬إلى‭ ‬العلامات‭ ‬الدالة‭ ‬كالمحال‭ ‬وجزر‭ ‬الدوران‭ ‬ومحطات‭ ‬البنزين‭. ‬ويمتد‭ ‬هذا‭ ‬الخلل‭ ‬البنيوي‭ ‬إلى‭ ‬ركائز‭ ‬الدولة‭ ‬الإدارية؛‭ ‬إذ‭ ‬تخلو‭ ‬بيانات‭ ‬السجل‭ ‬المدني‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬عنوان‭ ‬فعلي،‭ ‬وتبقى‭ ‬الأرقام‭ ‬الوطنية‭ ‬مرتبطة‭ ‬ببيانات‭ ‬الميلاد‭ ‬والتسجيل‭ ‬الإداري‭ ‬دون‭ ‬مراعاة‭ ‬للإقامة‭ ‬الحقيقية،‭ ‬وهو‭ ‬ذات‭ ‬القصور‭ ‬في‭ ‬كتيبات‭ ‬المركبات‭ ‬لدى‭ ‬إدارة‭ ‬المرور‭ ‬والتراخيص‭. ‬إن‭ ‬غياب‭ ‬هذه‭ ‬البيانات‭ ‬يُشكل‭ ‬عيباً‭ ‬إدارياً‭ ‬وتخطيطياً‭ ‬في‭ ‬حق‭ ‬دولة‭ ‬غنية‭ ‬ذات‭ ‬مساحة‭ ‬شاسعة‭ ‬توقف‭ ‬تخطيطها‭ ‬العمراني‭ ‬منذ‭ ‬الثمانينيات،‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬مشروع‭ ‬العنونة‭ ‬الأخير‭ ‬تحدياً‭ ‬تاريخياً‭ ‬معقداً‭. ‬لذا،‭ ‬كان‭ ‬الأولى‭ ‬بالخطاب‭ ‬الإعلامي‭ ‬للشركة‭ ‬أن‭ ‬يركز‭ ‬على‭ ‬آليات‭ ‬تفكيك‭ ‬هذه‭ ‬المعضلة‭ ‬وحلولها‭ ‬الرقمية‭.‬

تفتقر‭ ‬الأرقام‭ ‬المعلنة‭ ‬‮«‬300‭ ‬ألف‭ ‬مبنى‭ ‬مرقم‭ ‬وتصنيع‮ ‬600‭ ‬ألف‭ ‬ومليون‭ ‬موقع‭ ‬جغرافي‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬الخارطة‭ ‬الجغرافية‭ ‬والآلية‭ ‬الفنية‭ ‬التي‭ ‬توضحها‭. ‬فوجئت‭ ‬قبل‭ ‬أسابيع‭ ‬بتركيب‭ ‬لوحة‭ ‬بريدية‭ ‬تحمل‭ ‬أرقاما‭ ‬بجانب‭ ‬بيت‭ ‬منزلي‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬أعرف‭ ‬متى‭ ‬وكيف‭ ‬ومن‭ ‬قام‭ ‬بتركيبها؟‭ ‬ولم‭ ‬نجد‭ ‬أي‭ ‬إعلان‭ ‬في‭ ‬صفحة‭ ‬شركة‭ ‬بريد‭ ‬ليبيا‭ ‬أنهم‭ ‬يقومون‭ ‬بتركيب‭ ‬اللوحات‭ ‬البريدية‭ ‬على‭ ‬المنازل،‭ ‬ولم‭ ‬يطرق‭ ‬بابنا‭ ‬أحد‭ ‬ليخبرنا‭ ‬بأنهم‭ ‬سيقومون‭ ‬بتركيب‭ ‬لوحة‭ ‬بريدية‭ ‬ولم‭ ‬يعطنا‭ ‬مستندا‭ ‬يحمل‭ ‬الرقم‭ ‬الإلكتروني‭ ‬لهذا‭ ‬العنونة‭. ‬إن‭ ‬المواطن‭ ‬بحاجة‭ ‬ليعرف‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬المدن‭ ‬والمناطق‭ ‬ومتي‭ ‬ستصل‭ ‬العنونة‭ ‬البريدية‭ ‬إلى‭ ‬منطقته؟ كيف‭ ‬يمكن‭ ‬للمواطن‭ ‬أن‭ ‬يستفيد‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬العنونة؟‭ ‬‮ ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تصل‭ ‬المواطن‭ ‬رسائل‭ ‬وطرودا‭ ‬بريدية‭ ‬إلى‭ ‬منزله‭ ‬يوما‭ ‬ما؟ وهل‭ ‬هناك‭ ‬رؤية‭ ‬لربط‭ ‬الرمز‭ ‬البريدي‭ ‬الجديد‭ ‬بعدادات‭ ‬الكهرباء‭ ‬والمياه،‮ ‬وتوأمته‭ ‬مع‭ ‬السجل‭ ‬المدني‭ ‬وإدارة‭ ‬المرور‭ ‬لضمان‭ ‬بناء‭ ‬قاعدة‭ ‬بيانات‭ ‬وطنية‭ ‬متكاملة؟‭.‬جاء‭ ‬الإعلان‭ ‬عن‭ ‬إطلاق‭ ‬التطبيقات‭ ‬والموقع‭ ‬الإلكتروني‭ ‬وشهادة‭ ‬العنوان‭ ‬المؤمنة‭ ‬مبتوراً‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬العملية؛‭ ‬لغياب‭ ‬الروابط‭ ‬المباشرة‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬تسمية‭ ‬التطبيق‭ ‬المتاح‭ ‬للجمهور‭. ‬فالتسويق‭ ‬الخدمي‭ ‬الرقمي‭ ‬يقتضي‭ ‬وضع‭ ‬رابط‭ ‬للانتقال‭ ‬المباشر،‭ ‬وبدون‭ ‬تحديد‭ ‬كيفية‭ ‬دخول‭ ‬المواطن‭ ‬واستخراجه‭ ‬للشهادة،‭ ‬يفقد‭ ‬هذا‭ ‬الإعلان‭ ‬بريقه‭ ‬ويتحول‭ ‬إلى‭ ‬إحباط‭ ‬رقمي‭ ‬للمستهدفين‭ ‬من‭ ‬الخدمة‭.‬”‭ ‬نتمنى‭ ‬من‭ ‬المكاتب‭ ‬الإعلامية‭ ‬في‭ ‬مؤسساتنا‭ ‬الخدمية‭ ‬أن‭ ‬تتخلى‭ ‬عن‭ ‬عقلية‭ ‬الإعلام‭ ‬البروتوكولي‭ ‬وتتجه‭ ‬نحو‭ ‬الإعلام‭ ‬الخدمي‭ ‬الذي‭ ‬يخاطب‭ ‬حاجة‭ ‬المواطن‭ ‬مباشرة،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬استعراض‭ ‬نشاط‭ ‬المسؤول‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى