
مرّ عليّ قبل أيام منشور لشركة بريد ليبيا يستعرض إنجازات مشروع العنونة البريدية. ورغم أن المشروع يمثل تحولاً تاريخياً طال انتظاره لعقود في دولة توقف تخطيطها العمراني منذ الثمانينيات، واعتمد مواطنوها على الوصف الشفهي” «بجانب الجزيرة وخلف المحل وأمام محطة البنزين»، إلا أن صياغة الخبر خذلت أهمية الحدث.. في الإعلام المهني، المواطن هو المركز يهمه أن يعرف: من، ماذا، متى وأين؟ ثم تفاصيل تتعلق ب «كيف ولماذا» مع ملاحظة عدم إغفال مصدر الخبر. ما لاحظته هو متلازمة شائعة في الإعلام الليبي؛ حيث يتم تقديم «المسؤول الحكومي» على «الحدث». المواطن الذي يعاني منذ عقود من غياب هوية واضحة للشوارع والمباني لا يهمه من حضر ومن غاب بقدر ما يهمه: متى سأحصل على رمزي البريدي؟ وكيف سيصلني الطرد أو الشحنة إلى باب بيتي؟ تركيز الخبر على رصّ أسماء ومناصب الحاضرين في السطور الأولى يقتل القيمة الإخبارية ويحول المشروع القومي إلى مجرد لقطة تصويرية ونشاط مكتبي.
تُعدّ ليبيا من الدول القليلة التي غابت عنها العنونة البريدية لعقود؛ فلا شوارع مسماة ولا مبان مرقمة وظل المواطن رهين الوصف الشفهي المستند إلى العلامات الدالة كالمحال وجزر الدوران ومحطات البنزين. ويمتد هذا الخلل البنيوي إلى ركائز الدولة الإدارية؛ إذ تخلو بيانات السجل المدني من أي عنوان فعلي، وتبقى الأرقام الوطنية مرتبطة ببيانات الميلاد والتسجيل الإداري دون مراعاة للإقامة الحقيقية، وهو ذات القصور في كتيبات المركبات لدى إدارة المرور والتراخيص. إن غياب هذه البيانات يُشكل عيباً إدارياً وتخطيطياً في حق دولة غنية ذات مساحة شاسعة توقف تخطيطها العمراني منذ الثمانينيات، مما يجعل مشروع العنونة الأخير تحدياً تاريخياً معقداً. لذا، كان الأولى بالخطاب الإعلامي للشركة أن يركز على آليات تفكيك هذه المعضلة وحلولها الرقمية.
تفتقر الأرقام المعلنة «300 ألف مبنى مرقم وتصنيع 600 ألف ومليون موقع جغرافي» إلى الخارطة الجغرافية والآلية الفنية التي توضحها. فوجئت قبل أسابيع بتركيب لوحة بريدية تحمل أرقاما بجانب بيت منزلي دون أن أعرف متى وكيف ومن قام بتركيبها؟ ولم نجد أي إعلان في صفحة شركة بريد ليبيا أنهم يقومون بتركيب اللوحات البريدية على المنازل، ولم يطرق بابنا أحد ليخبرنا بأنهم سيقومون بتركيب لوحة بريدية ولم يعطنا مستندا يحمل الرقم الإلكتروني لهذا العنونة. إن المواطن بحاجة ليعرف في أي المدن والمناطق ومتي ستصل العنونة البريدية إلى منطقته؟ كيف يمكن للمواطن أن يستفيد من هذه العنونة؟ هل يمكن أن تصل المواطن رسائل وطرودا بريدية إلى منزله يوما ما؟ وهل هناك رؤية لربط الرمز البريدي الجديد بعدادات الكهرباء والمياه، وتوأمته مع السجل المدني وإدارة المرور لضمان بناء قاعدة بيانات وطنية متكاملة؟.جاء الإعلان عن إطلاق التطبيقات والموقع الإلكتروني وشهادة العنوان المؤمنة مبتوراً من الناحية العملية؛ لغياب الروابط المباشرة أو حتى تسمية التطبيق المتاح للجمهور. فالتسويق الخدمي الرقمي يقتضي وضع رابط للانتقال المباشر، وبدون تحديد كيفية دخول المواطن واستخراجه للشهادة، يفقد هذا الإعلان بريقه ويتحول إلى إحباط رقمي للمستهدفين من الخدمة.” نتمنى من المكاتب الإعلامية في مؤسساتنا الخدمية أن تتخلى عن عقلية الإعلام البروتوكولي وتتجه نحو الإعلام الخدمي الذي يخاطب حاجة المواطن مباشرة، بدلاً من استعراض نشاط المسؤول.



