
هو ذات الحديث لم يتغير حين تجمعنا لقاءات الصباح والمساء، لا جديد فيه يُذكر، والقديمُ يُعاد؛ دائرةٌ لا تكاد أحاديثنا تغادرها. نحن مجتمعٌ يتعايش بـ«الهدرزة»؛ إفطارُه هدرزة، غذاءه هدرزة، وعشاؤه كذلك! وفي كثيرٍ من لقاءاتنا، إذا راقبتَ الحديث وسألتَ نفسك: إلى أي مسارٍ يمضي؟ وجدته أشبه بالكلمات المتقاطعة؛ يقفز من الدوري الليبي لكرة القدم إلى سعر الدولار وسعر سقيطة الدحاج، مروراً بأخبار مضيق مضيق هرمز، ثم يعود إلى زحمة الطريق السريع، ونشرة «المسار الآمن»، وأيّ طريقٍ ينبغي أن تسلك.ثم تتدافع رسائل WhatsApp ومجموعاته التي إن غادرتَ إحداها، ظنّ «الآدمن» أنّ أحداً قد أزعجك. فتردّ ببساطة: «مش زعلان، غير بس الحكاية زحمة»، زحمةٌ في واقع حياتنا، وزحمةٌ أونلاين.وفي بحر الهدرزة المتّسع، لا تنتهي رحلةُ تجاذب أطراف الهدرزة، أطرافٌ نتجاذبها بالشحان والجبد، وكل واحد يجبد في الهدرزة جهيته ليه ليه!الهدّراز هو الراوي والحكواتي، الذي يسرد التفاصيل في ارتجالٍ لا ينقطع. حتى إذا أوشك مخزونه على النفاد، واقترب موعد مغادرته مجلس الهدرزة، سارع أحدهم قائلاً:«خيرك، زيد هدّرز… ما زال بكري، شن وراك؟»و«شن وراك؟» هذه هي النقيض العملي للمقولة الشهيرة: «الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك»، والمجتمع الهدرازي يمارس الهدرزة حتى في أماكن العمل، يبدأ أحدهم صباحه مرتشفاً كابتشينو داخل مكتبه، ثم ينطلق في سردٍ تفصيليّ لحكاية الليلة الماضية؛ سردٌ لا يشقّ له «عجاج»، بينما زملاؤه في حالة إصغاءٍ كامل والتقاطٍ لكل تفصيلة لتبدأ عملية الدهشة والنقد والعناد.يحكي كيف اختلط عليه الأمر، وغلبه الشكّ في الرابعة فجراً: هل ما يسمعه صوت ألعاب نارية احتفالاً بزفاف ولد شارعهم، ذلك الذي «خّدم على راسه لين وجعه راسه»؟ أم أنّها رمايةٌ بالذخيرة الحيّة وعركة بالقذائف؟ ولا فرق في النهاية؛ فكلّها نيرانٌ مشتعلة. ثم يتدخل هدراز آخر، فيعيد سرد حكايةٍ موازية عن زفّة عرسٍ في شارعهم أطربته في انتشاءٍ أندلسي، وفي انعطافةٍ سرديةٍ مش مفهومة ومتعرفش كيف جت، تجد الحديث وقد انتقل فجأةً إلى «ريقولي» لم يحتسبه الحكم لصالح الفريق الذي يشجعه بتعصب يكرهك فيه لو لم توافق رأيه،هنا…. تبلغ الهدرزة ذروة توهّجها… «ريقولي!» «مش ريقولي!» ينهض أحدهم من كرسيه، وقد رفع الأدرينالين حماسته العَنترية، ثم يهوِي بكفّه على الطاولة صارخاً: «ريييييقولي! إنت شن فهّمك في الكورة وهكذا هي الهدرزة؛ لا يربطها رابط، ولا يحكمها ضابط. منفلتةٌ من كلّ قيد، بلا شكلٍ ثابت، فتبدو أشبه بالأميبا التي درسناها في مادة الأحياء بالمرحلة الثانوية؛ كائنٌ يتبدّل شكله باستمرار، لكنه يظلّ حيّاً ومتمدّداً في كل اتجاه.هدرزَ يُهدرزُ فهو هدّراز.. أمّا «الهَدْرَيزيشن» في الـ«كونفِرَيْزَيْشِن» فهي جذع أصيل فريد متفرد في تفاعلاتنا الليبية اللفظية منذ انبلاج الفجر وحتى عتمة الليل، ولا أحد يعرف متى وكيف تبدأ، ولا متى تُطلق صافرة ختامها.



