رأي

مجتمعٌ يتعايش بالهدرزة!

يوسف علي

هو‭ ‬ذات‭ ‬الحديث‭ ‬لم‭ ‬يتغير‭ ‬حين‭ ‬تجمعنا‭ ‬لقاءات‭ ‬الصباح‭ ‬والمساء،‭ ‬لا‭ ‬جديد‭ ‬فيه‭ ‬يُذكر،‭ ‬والقديمُ‭ ‬يُعاد؛‭ ‬دائرةٌ‭ ‬لا‭ ‬تكاد‭ ‬أحاديثنا‭ ‬تغادرها‭. ‬نحن‭ ‬مجتمعٌ‭ ‬يتعايش‭ ‬بـ«الهدرزة»؛‭ ‬إفطارُه‭ ‬هدرزة،‭ ‬غذاءه‭ ‬هدرزة،‭ ‬وعشاؤه‭ ‬كذلك‭! ‬وفي‭ ‬كثيرٍ‭ ‬من‭ ‬لقاءاتنا،‭ ‬إذا‭ ‬راقبتَ‭ ‬الحديث‭ ‬وسألتَ‭ ‬نفسك‭: ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬مسارٍ‭ ‬يمضي؟‭ ‬وجدته‭ ‬أشبه‭ ‬بالكلمات‭ ‬المتقاطعة؛‭ ‬يقفز‭ ‬من‭ ‬الدوري‭ ‬الليبي‭ ‬لكرة‭ ‬القدم‭ ‬إلى‭ ‬سعر‭ ‬الدولار‭ ‬وسعر‭ ‬سقيطة‭ ‬الدحاج،‭ ‬مروراً‭ ‬بأخبار‭ ‬مضيق‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬ثم‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬زحمة‭ ‬الطريق‭ ‬السريع،‭ ‬ونشرة‭ ‬‮«‬المسار‭ ‬الآمن‮»‬،‭ ‬وأيّ‭ ‬طريقٍ‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تسلك‭.‬ثم‭ ‬تتدافع‭ ‬رسائل‭ ‬WhatsApp‭ ‬ومجموعاته‭ ‬التي‭ ‬إن‭ ‬غادرتَ‭ ‬إحداها،‭ ‬ظنّ‭ ‬‮«‬الآدمن‮»‬‭ ‬أنّ‭ ‬أحداً‭ ‬قد‭ ‬أزعجك‭. ‬فتردّ‭ ‬ببساطة‭: ‬‮«‬مش‭ ‬زعلان،‭ ‬غير‭ ‬بس‭ ‬الحكاية‭ ‬زحمة‮»‬،‭ ‬زحمةٌ‭ ‬في‭ ‬واقع‭ ‬حياتنا،‭ ‬وزحمةٌ‭ ‬أونلاين‭.‬وفي‭ ‬بحر‭ ‬الهدرزة‭ ‬المتّسع،‭ ‬لا‭ ‬تنتهي‭ ‬رحلةُ‭ ‬تجاذب‭ ‬أطراف‭ ‬الهدرزة،‭ ‬أطرافٌ‭ ‬نتجاذبها‭ ‬بالشحان‭ ‬والجبد،‭ ‬وكل‭ ‬واحد‭ ‬يجبد‭ ‬في‭ ‬الهدرزة‭ ‬جهيته‭ ‬ليه‭ ‬ليه‭!‬الهدّراز‭ ‬هو‭ ‬الراوي‭ ‬والحكواتي،‭ ‬الذي‭ ‬يسرد‭ ‬التفاصيل‭ ‬في‭ ‬ارتجالٍ‭ ‬لا‭ ‬ينقطع‭. ‬حتى‭ ‬إذا‭ ‬أوشك‭ ‬مخزونه‭ ‬على‭ ‬النفاد،‭ ‬واقترب‭ ‬موعد‭ ‬مغادرته‭ ‬مجلس‭ ‬الهدرزة،‭ ‬سارع‭ ‬أحدهم‭ ‬قائلاً‭:‬‮«‬خيرك،‭ ‬زيد‭ ‬هدّرز‭… ‬ما‭ ‬زال‭ ‬بكري،‭ ‬شن‭ ‬وراك؟»و«شن‭ ‬وراك؟‮»‬‭ ‬هذه‭ ‬هي‭ ‬النقيض‭ ‬العملي‭ ‬للمقولة‭ ‬الشهيرة‭: ‬‮«‬الوقت‭ ‬كالسيف‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬تقطعه‭ ‬قطعك‮»‬،‭ ‬والمجتمع‭ ‬الهدرازي‭ ‬يمارس‭ ‬الهدرزة‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬أماكن‭ ‬العمل،‭ ‬يبدأ‭ ‬أحدهم‭ ‬صباحه‭ ‬مرتشفاً‭ ‬كابتشينو‭ ‬داخل‭ ‬مكتبه،‭ ‬ثم‭ ‬ينطلق‭ ‬في‭ ‬سردٍ‭ ‬تفصيليّ‭ ‬لحكاية‭ ‬الليلة‭ ‬الماضية؛‭ ‬سردٌ‭ ‬لا‭ ‬يشقّ‭ ‬له‭ ‬‮«‬عجاج‮»‬،‭ ‬بينما‭ ‬زملاؤه‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬إصغاءٍ‭ ‬كامل‭ ‬والتقاطٍ‭ ‬لكل‭ ‬تفصيلة‭ ‬لتبدأ‭ ‬عملية‭ ‬الدهشة‭ ‬والنقد‭ ‬والعناد‭.‬يحكي‭ ‬كيف‭ ‬اختلط‭ ‬عليه‭ ‬الأمر،‭ ‬وغلبه‭ ‬الشكّ‭ ‬في‭ ‬الرابعة‭ ‬فجراً‭: ‬هل‭ ‬ما‭ ‬يسمعه‭ ‬صوت‭ ‬ألعاب‭ ‬نارية‭ ‬احتفالاً‭ ‬بزفاف‭ ‬ولد‭ ‬شارعهم،‭ ‬ذلك‭ ‬الذي‭ ‬‮«‬خّدم‭ ‬على‭ ‬راسه‭ ‬لين‭ ‬وجعه‭ ‬راسه»؟‭ ‬أم‭ ‬أنّها‭ ‬رمايةٌ‭ ‬بالذخيرة‭ ‬الحيّة‭ ‬وعركة‭ ‬بالقذائف؟‭ ‬ولا‭ ‬فرق‭ ‬في‭ ‬النهاية؛‭ ‬فكلّها‭ ‬نيرانٌ‭ ‬مشتعلة‭. ‬ثم‭ ‬يتدخل‭ ‬هدراز‭ ‬آخر،‭ ‬فيعيد‭ ‬سرد‭ ‬حكايةٍ‭ ‬موازية‭ ‬عن‭ ‬زفّة‭ ‬عرسٍ‭ ‬في‭ ‬شارعهم‭ ‬أطربته‭ ‬في‭ ‬انتشاءٍ‭ ‬أندلسي،‭ ‬وفي‭ ‬انعطافةٍ‭ ‬سرديةٍ‭ ‬مش‭ ‬مفهومة‭ ‬ومتعرفش‭ ‬كيف‭ ‬جت،‭ ‬تجد‭ ‬الحديث‭ ‬وقد‭ ‬انتقل‭ ‬فجأةً‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬ريقولي‮»‬‭ ‬لم‭ ‬يحتسبه‭ ‬الحكم‭ ‬لصالح‭ ‬الفريق‭ ‬الذي‭ ‬يشجعه‭ ‬بتعصب‭ ‬يكرهك‭ ‬فيه‭ ‬لو‭ ‬لم‭ ‬توافق‭ ‬رأيه،هنا‭…. ‬تبلغ‭ ‬الهدرزة‭ ‬ذروة‭ ‬توهّجها‭… ‬‮«‬ريقولي‭!‬‮»‬‭ ‬‮«‬مش‭ ‬ريقولي‭!‬‮»‬‭ ‬ينهض‭ ‬أحدهم‭ ‬من‭ ‬كرسيه،‭ ‬وقد‭ ‬رفع‭ ‬الأدرينالين‭ ‬حماسته‭ ‬العَنترية،‭ ‬ثم‭ ‬يهوِي‭ ‬بكفّه‭ ‬على‭ ‬الطاولة‭ ‬صارخاً‭: ‬‮«‬ريييييقولي‭! ‬إنت‭ ‬شن‭ ‬فهّمك‭ ‬في‭ ‬الكورة‭ ‬وهكذا‭ ‬هي‭ ‬الهدرزة؛‭ ‬لا‭ ‬يربطها‭ ‬رابط،‭ ‬ولا‭ ‬يحكمها‭ ‬ضابط‭. ‬منفلتةٌ‭ ‬من‭ ‬كلّ‭ ‬قيد،‭ ‬بلا‭ ‬شكلٍ‭ ‬ثابت،‭ ‬فتبدو‭ ‬أشبه‭ ‬بالأميبا‭ ‬التي‭ ‬درسناها‭ ‬في‭ ‬مادة‭ ‬الأحياء‭ ‬بالمرحلة‭ ‬الثانوية؛‭ ‬كائنٌ‭ ‬يتبدّل‭ ‬شكله‭ ‬باستمرار،‭ ‬لكنه‭ ‬يظلّ‭ ‬حيّاً‭ ‬ومتمدّداً‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬اتجاه‭.‬هدرزَ‭ ‬يُهدرزُ‭ ‬فهو‭ ‬هدّراز‭.. ‬أمّا‭ ‬‮«‬الهَدْرَيزيشن‮»‬‭ ‬في‭ ‬الـ«كونفِرَيْزَيْشِن‮»‬‭ ‬فهي‭ ‬جذع‭ ‬أصيل‭ ‬فريد‭ ‬متفرد‭ ‬في‭ ‬تفاعلاتنا‭ ‬الليبية‭ ‬اللفظية‭ ‬منذ‭ ‬انبلاج‭ ‬الفجر‭ ‬وحتى‭ ‬عتمة‭ ‬الليل،‭ ‬ولا‭ ‬أحد‭ ‬يعرف‭ ‬متى‭ ‬وكيف‭ ‬تبدأ،‭ ‬ولا‭ ‬متى‭ ‬تُطلق‭ ‬صافرة‭ ‬ختامها‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى