فنون

هاك ماهاك .. عندما تتحوّل المفارقـــة الاجتماعيــة إلى ملحمة كوميدية في أزقة النزيلة

طارق الجحاوي

حلقة‭ (‬اسويلم‭ ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬عروسة‭) ‬أنموذجاَ

في‭ ‬قلب‭ ‬محلة‭ )‬الجديد‭( ‬بمدينة‭ ‬سبها،‭ ‬وبين‭ ‬ثنايا‭ ‬بيوت‭ ‬الكوخ‭ ‬العتيقة‭ ‬بقرية‭ ‬‮«‬النزيلة‭ ‬القديمة‮»‬،‭ ‬انبعث‭ ‬مسلسل‭ ‬‭)‬هاك‭ ‬ماهاك‭(‬‭ ‬ليسجل‭ ‬حضورًا‭ ‬تاريخياً‭ ‬كأول‭ ‬عمل‭ ‬درامي‭ ‬تلفزيوني‭ ‬متكامل‭ ‬يخرج‭ ‬من‭ ‬عمق‭ ‬الجنوب‭ ‬الليبي‭. ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬حلقة‭ )‬البحثُ‭ ‬عن‭ ‬العروس‭ ‬المستحيلة‭( ‬لبطل‭ ‬العمل‭ ‬‮«‬اسويلم‮»‬‭ ‬مجرد‭ ‬حلقة‭ ‬عابرة،‭ ‬بل‭ ‬كانتْ‭ ‬تشريحًا‭ ‬فنيًا‭ ‬ساخرًا‭ ‬لذهنية‭ ‬اجتماعية‭ ‬غارقة‭ ‬في‭ ‬التناقض‭.‬

فخ‭ ‬المثالية‭ ‬المستحيلة

دارتْ‭ ‬أحداث‭ ‬الحلقة‭ ‬حول‭ ‬‮«‬الأنا‮»‬‭ ‬المتضخمة‭ ‬للبطل‭ ‬الشعبي،‭ ‬الذي‭ ‬يضع‭ ‬شروطًا‭ ‬تعجيزية‭ ‬لشريكة‭ ‬حياته،‭ ‬مستعيناً‭ ‬بقريبته‭ )‬الخاطبة‭( ‬في‭ ‬رحلة‭ ‬بحث‭ ‬عبثية‭.‬

لقد‭ ‬نجح‭ ‬السيناريو‭ ‬في‭ ‬توظيف‭ ‬المثل‭ ‬الشعبي‭ )‬يبيها‭ ‬حمرة‭ ‬وجراية‭ ‬وما‭ ‬تاكل‭ ‬شعير‭( ‬ليحوّله‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬قول‭ ‬مأثور‭ ‬إلى‭ ‬تيمة‭ ‬درامية‭ ‬تُحرك‭ ‬الأحداث‭. ‬هذا‭ ‬الاستخدام‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬عفوياً؛‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬نقدًا‭ ‬ذكيًا‭ ‬لرغبة‭ ‬الفرد‭ ‬في‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬الكمال‭ )‬الجمال‭ ‬والنشاط‭( ‬دون‭ ‬تقديم‭ ‬أي‭ ‬مقابل،‭ ‬أو‭ ‬تحمل‭ ‬أدنى‭ ‬مسؤولية‭ )‬ما‭ ‬تاكل‭ ‬شعير‭(.‬

عبقرية‭ ‬المكان‭ ‬والأداء

أدتْ‭ ‬جغرافيا‭ ‬‮«‬النزيلة‭ ‬القديمة‮»‬‭ ‬دورًا‭ ‬محوريًا‭ ‬في‭ ‬تعميق‭ ‬الكوميديا؛‭ ‬فالبساطة‭ ‬المتناهية‭ ‬للمكان‭ ‬واصطدامها‭ ‬بسقف‭ ‬طموحات‭ ‬‮«‬اسويلم‮»‬‭ ‬الخيالية‭ ‬خلق‭ ‬نوعاً‭ ‬من‭ ‬الكوميديا‭ ‬الموقفية‭ (‬Situational Comedy‭). ‬أداء‭ ‬الممثل‭ ‬في‭ ‬تقمص‭ ‬شخصية‭ ‬الشاب‭ ‬الذي‭ ‬يرفض‭ ‬الواقع‭ ‬ويتمسك‭ ‬بالسراب،‭ ‬أعطى‭ ‬للعمل‭ ‬بعداً‭ ‬إنسانياً‭ ‬جعل‭ ‬المشاهد‭ ‬يتعاطف‭ ‬معه‭ ‬ويضحك‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد‭.‬

الرسالة‭ ‬الدرامية‭: ‬انتصار‭ ‬الواقع‭ ‬على‭ ‬الوهم

انتهت‭ ‬الحلقة‭ ‬بالفشل‭ ‬المنطقي،‭ ‬وهو‭ ‬فشل‭ ‬يُحسب‭ ‬لكاتب‭ ‬العمل‭ ‬ومخرجه؛‭ ‬فعدم‭ ‬قبول‭ ‬العرائس‭ ‬بطلبات‭ ‬اسويلم،‭ ‬وفشل‭ ‬قريبته‭ ‬في‭ ‬ترويض‭ ‬خياله‭ ‬الجامح،‭ ‬هو‭ ‬انتصار‭ ‬للواقعية‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬لقد‭ ‬قدم‭ ‬المسلسل‭ ‬درساً‭ ‬في‭ ‬القناعة،‭ ‬مؤكداً‭ ‬أن‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬النموذج‭ ‬التعجيزي‭ ‬لا‭ ‬يؤدي‭ ‬إلا‭ ‬إلى‭ ‬العزلة‭ ‬في‭ ‬بيوت‭ ‬الكوخ‭ ‬الصامتة‭.‬‮ ‬إن‭ ‬مسلسل‭ ‬هاك‭ ‬ماهاك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬الحلقة،‭ ‬أثبت‭ ‬أن‭ ‬الدراما‭ ‬في‭ ‬الجنوب‭ ‬الليبي‭ ‬تمتلك‭ ‬أدواتها‭ ‬الخاصة،‭ ‬وقادرة‭ ‬على‭ ‬تطويع‭ ‬الموروث‭ ‬الشعبي‭ ‬لخدمة‭ ‬قضايا‭ ‬معاصرة‭ ‬بأسلوب‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬عراقة‭ ‬المكان‭ ‬وحداثة‭ ‬الطرح،‭ ‬اسويلم‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬باحث‭ ‬عن‭ ‬عروس،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬مرآة‭ ‬تعكس‭ ‬صراع‭ ‬الإنسان‭ ‬بين‭ ‬طموحاته‭ ‬غير‭ ‬الواقعية‭ ‬وواقعه‭ ‬البسيط‭.‬

اسويلم‭: ‬بين‭ ‬فخاخ‭ ‬الشكلانية‭ ‬ومرارة‭ ‬الواقع

تعد‭ ‬حلقة‭ ‬اسويلم‭ ‬في‭ ‬مسلسل‭ ‬هاك‭ ‬ما‭ ‬هاك‭ ‬نموذجاً‭ ‬درامياً‭ ‬يسلط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬الصدام‭ ‬الأزلي‭ ‬بين‭ ‬المتخيل‭ ‬والواقعي‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬الليبي،‭ ‬وتحديداً‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬الجنوب‭ (‬فزان‭)‬،‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬تتبع‭ ‬رحلة‭ ‬البطل‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬زوجة،‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬النص‭ ‬استطاع‭ ‬تعرية‭ ‬مفاهيم‭ ‬اجتماعية‭ ‬واقتصادية‭ ‬بأسلوب‭ ‬ساخر‭ ‬وناقد‭.‬

مفارقة‭ ‬الطول‭ ‬والعدم‭: ‬صراع‭ ‬الرمزية‭ ‬والشكل

تبدأ‭ ‬العقدة‭ ‬الدرامية‭ ‬بشرط‭ ‬تعجيزي‭ ‬وضعه‭ ‬اسويلم،‭ ‬وهو‭ ‬طول‭ ‬180‭ ‬سم‭ ‬فنياً،‭ ‬هذا‭ ‬الشرط‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬مجرد‭ ‬رغبة‭ ‬جمالية،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬ستار‭ ‬يختبئ‭ ‬خلفه‭ ‬البطل‭ ‬للهروب‭ ‬من‭ ‬واقع‭ ‬العجز‭ ‬المادي‭. ‬فبينما‭ ‬يفتقر‭ ‬اسويلم‭ ‬لأبسط‭ ‬مقومات‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬حي‭ ‬سكني‭ ‬بدائي،‭ ‬يضع‭ ‬شروطاً‭ ‬هوليودية‭ ‬لعروسة‭ ‬المستقبل،‭ ‬هذه‭ ‬المفارقة‭ ‬تخدم‭ ‬الكوميديا‭ ‬السوداء؛‭ ‬حيث‭ ‬يضحك‭ ‬المشاهد‭ ‬على‭ ‬الفجوة‭ ‬الشاسعة‭ ‬بين‭ ‬سقف‭ ‬طموحات‭ ‬الشخصية‭ ‬وبين‭ ‬قاع‭ ‬واقعها‭ ‬المعيشي‭.‬

المكان‭ ‬كعنصر‭ ‬ضاغط‭: ‬حي‭ ‬سكني‭ ‬والريف‭ ‬القاسي

لم‭ ‬يأتِ‭ ‬اختيار‭ ‬حي‭ ‬سكني‭ ‬مفتقر‭ ‬للإمكانات‭ ‬كخلفية‭ ‬عابرة،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬محركاً‭ ‬درامياً‭.. ‬المسلسل‭ ‬هنا‭ ‬يطرح‭ ‬تساؤلاً‭ ‬فلسفياً‭: ‬هل‭ ‬البيئة‭ ‬القاسية‭ ‬تفرض‭ ‬على‭ ‬الإنسان‭ ‬تخفيض‭ ‬سقف‭ ‬أحلامه؟‭ ‬فالبحث‭ ‬عن‭ ‬عروس‭ ‬قنوعة‭ ‬تشارك‭ ‬حياة‭ ‬العدم‭ ‬يعكس‭ ‬مرارة‭ ‬الواقع‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬ويحول‭ ‬الزواج‭ ‬من‭ ‬مؤسسة‭ ‬لبناء‭ ‬المستقبل‭ ‬إلى‭ ‬شراكة‭ ‬في‭ ‬المعاناة‭.‬

فلسفة‭ “‬بسبس‭ ‬من‭ ‬طينك‭”: ‬تأصيل‭ ‬الانتماء

يبرز‭ ‬توظيف‭ ‬المثل‭ ‬الشعبي‭ “‬بسبس‭ ‬من‭ ‬طينك‭” ‬يغنيك‭ ‬كذروة‭ ‬التحول‭ ‬في‭ ‬فكر‭ ‬الشخصية،‭ ‬إن‭ ‬تفضيل‭ ‬اسويلم‭ ‬لبنات‭ ‬فزان‭ ‬عن‭ ‬غيرهن‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬انحياز‭ ‬منطقي،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬اعتراف‭ ‬درامي‭ ‬بأن‭ ‬ابنة‭ ‬المنطقة‭ ‬هي‭ ‬الوحيدة‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬فك‭ ‬شفرات‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوسط‭ ‬الجغرافي‭ ‬الصعب،‭ ‬هي‭ ‬فلسفة‭ ‬التكيف؛‭ ‬حيث‭ ‬تصبح‭ ‬القناعة‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬تحمل‭ ‬شظف‭ ‬العيش‭ ‬أهم‭ ‬من‭ ‬مواصفات‭ ‬الطول‭ ‬والجمال‭ ‬الشكلي‭.‬

نجحت‭ ‬الحلقة‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬نقد‭ ‬لاذع‭ ‬للرجل‭ ‬الذي‭ ‬يضع‭ ‬شروطًا‭ ‬تفوق‭ ‬ما‭ ‬يقدمه‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬كما‭ ‬نجحتْ‭ ‬في‭ ‬تصوير‭ ‬البيئة‭ ‬كقوة‭ ‬قاهرة‭ ‬تشكل‭ ‬الوعي‭ ‬وتغير‭ ‬القرارات‭ ‬المصيرية‭.‬

لقد‭ ‬تحوّل‭ ‬‮«‬اسويلم‮»‬‭ ‬من‭ ‬باحث‭ ‬عن‭ ‬صورة‭ ‬إلى‭ ‬باحث‭ ‬عن‭ ‬سند،‭ ‬وهو‭ ‬تحوّل‭ ‬درامي‭ ‬يعكس‭ ‬نضج‭ ‬الشخصية‭ ‬تحت‭ ‬وطأة‭ ‬الحاجة‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى