اقتصادرأي

80 شهراً من الانتظار..

محمد ونيس

متى‭ ‬تنتهي‭ ‬معاناة‭ ‬موظفي‭ ‬الشركات‭ ‬المتعثرة‭ ‬في‭ ‬ليبيا؟‭.. ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ست‭ ‬سنوات‭ ‬ونصف،‭ ‬وموظفون‭ ‬ما‭ ‬زالوا‭ ‬ينتظرون‭ ‬معالجة‭ ‬أوضاعهم‭ ‬وعودة‭ ‬مرتباتهم،‭ ‬فيما‭ ‬تزداد‭ ‬مسؤوليات‭ ‬الحياة‭ ‬يوماً‭ ‬بعد‭ ‬يوم،‭ ‬وتجد‭ ‬آلاف‭ ‬الأسر‭ ‬نفسها‭ ‬أمام‭ ‬ظروف‭ ‬معيشية‭ ‬صعبة‭ ‬لا‭ ‬تخفى‭ ‬على‭ ‬أحد‭.. ‬نحو‭ ‬30‭ ‬شركة‭ ‬محلية‭ ‬وحوالي‭ ‬5‭ ‬آلاف‭ ‬موظف‭ ‬يعيشون‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬الاستقرار‭ ‬الوظيفي،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أصبحت‭ ‬مؤسساتهم‭ ‬ضمن‭ ‬ملف‭ ‬الشركات‭ ‬المتعثرة‭.‬

ورغم‭ ‬أن‭ ‬العدد‭ ‬ليس‭ ‬كبيراً‭ ‬مقارنة‭ ‬بأعداد‭ ‬العاملين‭ ‬في‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة،‭ ‬فإن‭ ‬استمرار‭ ‬هذا‭ ‬الملف‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬السنوات‭ ‬يطرح‭ ‬تساؤلات‭ ‬مشروعة‭ ‬حول‭ ‬إمكانية‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬حل‭ ‬نهائي‭ ‬وعادل‭ ‬ينهي‭ ‬معاناة‭ ‬الموظفين‭ ‬وأسرهم‭.. ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬شهدت‭ ‬فيه‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬إجراءات‭ ‬للإفراج‭ ‬عن‭ ‬مرتبات‭ ‬أعداد‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬المواطنين،‭ ‬يبقى‭ ‬موظفو‭ ‬هذه‭ ‬الشركات‭ ‬في‭ ‬انتظار‭ ‬معالجة‭ ‬أوضاعهم،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعلهم‭ ‬يتساءلون‭ ‬عن‭ ‬موعد‭ ‬انتهاء‭ ‬هذه‭ ‬الأزمة،‭ ‬وعن‭ ‬الآلية‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تضمن‭ ‬لهم‭ ‬حقوقهم‭ ‬بصورة‭ ‬واضحة‭ ‬ومستقرة‭.‬

وراء‭ ‬هذه‭ ‬الأرقام‭ ‬قصص‭ ‬إنسانية‭ ‬كثيرة،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬قصة‭ ‬فرج‭ ‬بلعيد،‭ ‬الشاب‭ ‬الذي‭ ‬عُيّن‭ ‬في‭ ‬الشركة‭ ‬الوطنية‭ ‬للبناء‭ ‬والتشييد،‭ ‬ثم‭ ‬تزوج‭ ‬وأصبح‭ ‬أباً‭ ‬لسبعة‭ ‬أبناء‭.. ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬السنوات،‭ ‬ازدادت‭ ‬مسؤولياته‭ ‬وتضاعفت‭ ‬احتياجات‭ ‬أسرته،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يجد‭ ‬نفسه‭ ‬أمام‭ ‬توقف‭ ‬مرتبه‭ ‬ودخوله‭ ‬ضمن‭ ‬ملف‭ ‬موظفي‭ ‬الشركات‭ ‬المتعثرة‭.. ‬لم‭ ‬يكتفِ‭ ‬فرج‭ ‬بالانتظار،‭ ‬بل‭ ‬حاول‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬حل،‭ ‬وتنقل‭ ‬بين‭ ‬مناطق‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬البلاد،‭ ‬شرقاً‭ ‬وغرباً،‭ ‬أملاً‭ ‬في‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬جهة‭ ‬تساعده‭ ‬وتوضح‭ ‬له‭ ‬مصير‭ ‬وظيفته‭ ‬ومرتبه‭.‬

شارك‭ ‬مع‭ ‬زملائه‭ ‬في‭ ‬الاعتصامات،‭ ‬وحاولوا‭ ‬إيصال‭ ‬صوتهم‭ ‬إلى‭ ‬الجهات‭ ‬المعنية،‭ ‬لكن‭ ‬ظروفهم‭ ‬الصعبة‭ ‬جعلت‭ ‬حتى‭ ‬التنقل‭ ‬إلى‭ ‬أماكن‭ ‬الاعتصام‭ ‬عبئاً‭ ‬إضافياً‭ ‬عليهم،‭ ‬وفي‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ثمن‭ ‬سيارة‭ ‬الأجرة‭ ‬متوفراً‭.‬

اليوم،‭ ‬يعيش‭ ‬فرج‭ ‬وآلاف‭ ‬الموظفين‭ ‬أمثاله‭ ‬ظروفاً‭ ‬قاسية،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬ارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬المعيشة‭ ‬وتزايد‭ ‬مسؤوليات‭ ‬الأسر،‭ ‬ومع‭ ‬اقتراب‭ ‬العام‭ ‬الدراسي‭ ‬الذي‭ ‬يحمل‭ ‬معه‭ ‬أعباء‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬شراء‭ ‬الكتب‭ ‬والملابس‭ ‬والحقائب‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الاحتياجات‭ ‬الأساسية‭.. ‬إنها‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬قضية‭ ‬مرتب‭ ‬أو‭ ‬وظيفة،‭ ‬بل‭ ‬قضية‭ ‬أسر‭ ‬تنتظر‭ ‬الاستقرار‭.. ‬موظفو‭ ‬الشركات‭ ‬المتعثرة‭ ‬لا‭ ‬يبحثون‭ ‬عن‭ ‬امتيازات‭ ‬خاصة،‭ ‬وإنما‭ ‬يتطلعون‭ ‬إلى‭ ‬معرفة‭ ‬مصيرهم‭ ‬الوظيفي،‭ ‬والحصول‭ ‬على‭ ‬حقوقهم،‭ ‬والوصول‭ ‬إلى‭ ‬حل‭ ‬ينهي‭ ‬حالة‭ ‬الانتظار‭ ‬الطويلة‭.‬

وقد‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬المهم‭ ‬اليوم‭ ‬أن‭ ‬تتضافر‭ ‬جهود‭ ‬الجهات‭ ‬المعنية‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬وضع‭ ‬حل‭ ‬شامل‭ ‬ونهائي‭ ‬لهذا‭ ‬الملف،‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬تجاذبات،‭ ‬وبما‭ ‬يراعي‭ ‬ظروف‭ ‬الموظفين‭ ‬ويحفظ‭ ‬حقوق‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭.. ‬فالسنوات‭ ‬الطويلة‭ ‬التي‭ ‬مرت‭ ‬كافية‭ ‬لتؤكد‭ ‬أن‭ ‬استمرار‭ ‬الوضع‭ ‬الحالي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬حلاً،‭ ‬وأن‭ ‬معالجة‭ ‬هذا‭ ‬الملف‭ ‬أصبحت‭ ‬حاجة‭ ‬إنسانية‭ ‬واجتماعية‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬كونها‭ ‬قضية‭ ‬إدارية‭ ‬ومالية‭.‬

خمسة‭ ‬آلاف‭ ‬موظف‭ ‬ليسوا‭ ‬مجرد‭ ‬أرقام،‭ ‬فخلف‭ ‬كل‭ ‬موظف‭ ‬أسرة‭ ‬وأبناء‭ ‬ومسؤوليات‭ ‬وحياة‭ ‬كاملة‭.. ‬ومع‭ ‬اقتراب‭ ‬عام‭ ‬دراسي‭ ‬جديد،‭ ‬يبقى‭ ‬الأمل‭ ‬قائماً‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تجد‭ ‬هذه‭ ‬القضية‭ ‬طريقها‭ ‬إلى‭ ‬الحل،‭ ‬وأن‭ ‬تنتهي‭ ‬سنوات‭ ‬الانتظار،‭ ‬وأن‭ ‬يعود‭ ‬الاستقرار‭ ‬إلى‭ ‬آلاف‭ ‬الأسر‭ ‬التي‭ ‬أنهكها‭ ‬الانتظار‭.. ‬فهل‭ ‬حان‭ ‬الوقت‭ ‬لوضع‭ ‬حل‭ ‬نهائي‭ ‬وعادل‭ ‬لملف‭ ‬الشركات‭ ‬المتعثرة،‭ ‬وإنهاء‭ ‬معاناة‭ ‬موظفيها؟‭ ‬إنصاف‭ ‬هؤلاء‭ ‬الموظفين‭ ‬ليس‭ ‬مطلباً‭ ‬مبالغاً‭ ‬فيه،‭ ‬وإنما‭ ‬هو‭ ‬دعوة‭ ‬إلى‭ ‬معالجة‭ ‬ملف‭ ‬طال‭ ‬أمده،‭ ‬بما‭ ‬يحقق‭ ‬الاستقرار‭ ‬لهم‭ ‬ولأسرهم،‭ ‬ويحفظ‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬المصلحة‭ ‬العامة‭.. ‬اللهم‭ ‬فرّج‭ ‬عنهم،‭ ‬وأعنهم‭ ‬على‭ ‬ظروفهم،‭ ‬وارزقهم‭ ‬وأبناءهم‭ ‬حياة‭ ‬كريمة‭ ‬ومستقبلاً‭ ‬أكثر‭ ‬أمناً‭ ‬واستقراراً‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى