رأي

ريحانة‭ ‬القلب‭ ‬

د‭. ‬أحمد‭ ‬الروحي

لم‭ ‬تكنْ‭ ‬‮«‬ريحانة‮»‬‭ ‬يومًا‭ ‬مجرد‭ ‬طفلة‭ ‬تعيش‭ ‬في‭ ‬البيت،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬روحًا‭ ‬تديره‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تشعر‭..‬صغيرة‭ ‬البيت،‭ ‬نعم‭..‬لكنها‭ ‬الأكبر‭ ‬والأكثر‭ ‬حضوراً،‭ ‬تدخل‭ ‬بهدوء‭ ‬يشبه‭ ‬هدوء‭ ‬مَنْ‭ ‬يعرف‭ ‬مكانه‭ ‬جيداً‭.. ‬لا‭ ‬ترفع‭ ‬صوتها،‭ ‬ولا‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬إعلان‭ ‬القدوم،‭ ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬تحضر‭ ‬لتصير‭ ‬التفاصيل‭ ‬أكثر‭ ‬ترتيباً،‭ ‬والقلوب‭ ‬أكثر‭ ‬انتباهاً‭.‬

في‭ ‬عينيها‭ ‬كبرياء‭ ‬طفولي‭ ‬لا‭ ‬يطغى‭ ‬بل‭ ‬يستقر‭ ‬هادئة‭ ‬حد‭ ‬الدهشة‮…‬‭ ‬واثقة‭ ‬حد‭ ‬الإرباك‭.‬

تشبه‭ ‬والدتها‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬تجعلك‭ ‬تبتسم‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تلاحظ‭ ‬ذلك،‭ ‬في‭ ‬جنونها‭ ‬الجميل،‭ ‬في‭ ‬عفويتها‭ ‬الصادقة،‭ ‬في‭ ‬دبلوماسيتها‭ ‬الناعمة،‭ ‬وفي‭ ‬طريقة‭ ‬طلبها‭ ‬للأشياء،‭ ‬وحتى‭ ‬في‭ ‬ثورتها‭ ‬حين‭ ‬تغضب،‭ ‬ثورة‭ ‬قصيرة،‭ ‬ذكية‮…‬‭ ‬تعرف‭ ‬متى‭ ‬تبدأها‭ ‬ومتى‭ ‬تنهيها‭.‬

مع‭ ‬أمها‭ ‬لا‭ ‬تتعامل‭ ‬ريحانة‭ ‬كطفلة‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬كقلب‭ ‬صغير‭ ‬يعرف‭ ‬كيف‭ ‬يحتضن‭.‬

تناديها‭ ‬بعينين‭ ‬قبل‭ ‬اللسان،‭ ‬وتفهمها‭ ‬بإشارة‭ ‬تغلب‭ ‬البيان،‭ ‬وتجادلها‭ ‬بحب‭ ‬‮…‬‭  ‬تطلب‭ ‬منها‭ ‬الأشياء‭ ‬بأسلوب‭ ‬يجعل‭ ‬الرفض‭ ‬صعباً،‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مستحيلاً،‭ ‬ليس‭ ‬لأن‭ ‬الطلب‭ ‬كبير،‭ ‬بل‭ ‬لأن‭ ‬الطريق‭ ‬إليه‭ ‬مليء‭ ‬بالحنان‭.‬

في‭ ‬حضن‭ ‬أمها‭ ‬تهدأ‭ ‬أكثر،‭ ‬وفي‭ ‬قربها‭ ‬تشبه‭ ‬نسخة‭ ‬مصغرة‭ ‬منها،‭ ‬تعكس‭ ‬جنونها‭ ‬وعقلها‭ ‬وحكمتها‭ ‬وعفويتها‭ ‬وبرائتها‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد‭.‬

أما‭ ‬مع‭ ‬إخوتها،‭ ‬فهي‭ ‬الصغيرة‭ ‬التي‭ ‬يعرف‭ ‬الجميع‭ ‬أنها‭ ‬ليست‭ ‬أضعفهم‭.‬

تراقبهم‭ ‬بصمت،‭ ‬تتعلم‭ ‬منهم،‭ ‬وتعلمهم‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يشعروا‮…‬‭. ‬تملك‭ ‬تلك‭ ‬الحنكة‭ ‬الطفولية‭ ‬التي‭ ‬تجعلها‭ ‬تأخذ‭ ‬حقها‭ ‬كاملاً،‭ ‬وتفرض‭ ‬وجودها‭ ‬دون‭ ‬صراع‮…‬‭.‬‭  ‬إن‭ ‬خاصموها،‭ ‬انتصرت‭ ‬بهدوئها،‭ ‬وإن‭ ‬تجاهلوها،‭ ‬لفتت‭ ‬انتباههم‭ ‬إليها‭ ‬بنظرات‭ ‬محسوب،‭ ‬وبكلمات‭ ‬بليغة‭ ‬غير‭ ‬مكتوبة‭. ‬

يعرف‭ ‬إخوتها‭ ‬أن‭ ‬‮«‬ريحانة‮»‬‭ ‬إذا‭ ‬أرادتْ‭ ‬شيئا‭ ‬ستأخذه،‭ ‬ليس‭ ‬عنادًا‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬ذكاءً‭ ‬وحبًا‭. ‬

تقدس‭ ‬أشياءها‭ ‬كما‭ ‬تقدس‭ ‬علاقاتها‭ .. ‬لكل‭ ‬لعبة‭ ‬قيمة،‭ ‬ولكل‭ ‬لون‭ ‬معنى‭.. ‬تحب‭ ‬الأناقة‭ ‬وتنسق‭ ‬ملابسها‭ ‬بدقة‭ ‬شديدة،‭ ‬وكأن‭ ‬الذوق‭ ‬خُلِقَ‭ ‬معها‮…‬‭. ‬تحبُ‭ ‬نفسها‭ ‬كثيرًا،‭ ‬وتثق‭ ‬بها،‭ ‬هي‭ ‬متمردة‭ ‬بطريقتها‭ ‬الخاصة‭.. ‬لا‭ ‬تحب‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬تعليمها،‭ ‬وتميل‭ ‬إلى‭ ‬الإنجليزية،‭ ‬كأنها‭ ‬لغة‭ ‬أقرب‭ ‬لخيالها‭ ‬وخطواتها‭ ‬الخفيفة،‭ ‬فليس‭ ‬لها‭ ‬مع‭ ‬الإعراب‭ ‬ولا‭ ‬مع‭ ‬جمع‭ ‬المذكر،‭ ‬ولا‭ ‬تؤمن‭ ‬بنون‭ ‬النسوة،‭ ‬ولا‭ ‬تستسيغ‭ ‬كان‭ ‬وأخواتها‭.‬

‭ ‬‮«‬ريحانة‮»‬‭ ‬القلب‭ ‬ليستْ‭ ‬مجرد‭ ‬طفلة،‭ ‬بل‭ ‬ميزان‭ ‬البيت‭ ‬الصغير‭  ‬هي‭ ‬الحب‭ ‬حين‭ ‬يتجسد‭ ‬في‭ ‬أصغر‭ ‬أفراد‭ ‬الأسرة،‭ ‬والهدوء‭ ‬حين‭ ‬يربك‭ ‬أكبر‭ ‬الموجودين‭ ‬بالبيت،‭ ‬فهي‭ ‬الدليل‭ ‬الهادئ‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الصغار‭ ‬أحياناً‭ ‬هم‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬يفهم‭ ‬معنى‭ ‬العائلة‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى