
رمضان
الخيرُ الصامت، هذا ما يمكن أن يُطلق على وجبات إفطار يحملها شيب وشباب في انتظار مسافر يسعف بها جسمه وقت الإفطار.
بلا لافتات ولا ضجيج، فقط أياد تمتد من القلب..حيث تتحوَّل الطرقات والمساجد إلى احتفاء إنساني يسابق الأجر يجتمع فيه الإيمان والمحبة.
من مدينة السراج مرورًا بجنزور قدت سيارتي مرورًا بالمحاور المؤدية إلى وسط العاصمة وصولًا إلى البوابات الغربية والجنوبية، تنتشر موائد الرحمن بعضها عبارة عن خيام نصبت ووضعت بها الطاولات والكراسي واصطفت عليها أطباق التمر وأكواب الماء والحليب واللبن فيما اختارت مبادرات أخرى أسلوب التوزيع المباشر حيث يقف شيب وشباب على جانبي الطريق، يمدّون أيديهم بوجبات مغلفة وضعت بداخلها بعض من التمور والكيك والماء والحليب للسائقين قبل لحظات من رفع أذان المغرب.
لا يقتصر المشهد على توزيع الطعام فحسب بل يحمل في طياته تفاصيل إنسانية صغيرة تمنحه معناه الحقيقي. شاب حاملا بين ذراعيه مأكولات خفيفة خرح بها من بيته قاصدًا إطعام صائم راغبا في الأجر والثواب وآخرون يبتسمون للمارة ويعطونهم علب التمر وسائق يشد على منبه السيارة رافعًا يده شاكرا أهل الخير والاحسان كل حركة مهما بدت بسيطة تسهم في رسم صورة كبيرة عنوانها التكافل.
القائمون على هذه المبادرات يؤكدون أن الفكرة تنطلق من حاجة ملموسة. فالكثير من المسافرين، وسائقي الشاحنات، والعاملين الذين تنتهي مناوباتهم مع اقتراب المغرب، يجدون أنفسهم على الطريق وقت الإفطار.
هنا، تصبح وجبة بسيطة مكوّنة من تمر وماء وطبق رئيس كفيلة بأن تخفف عنهم مشقة يوم طويل من الصيام والعمل. بعض الموائد تستقبل الصائمين للجلوس وتناول إفطارهم في المكان بينما يفضل آخرون أخذ وجباتهم ومواصلة طريقهم نحو أسرهم.
تقاسم أدوار
وتبرز في هذه المشاهد مساهمة لافتة للشباب. مجموعات تطوعية تشكلت عبر الأحياء ووسائل التواصل الاجتماعي تتقاسم الأدوار فيما بينها فريق يتكفل بالطهي، وآخر بالتغليف، وثالث بالتوزيع وتنظيم المكان.
يبدأ العمل منذ ساعات العصر؛ حيث تُعد الوجبات في مطابخ المنازل، أو في مقرات الجمعيات، ثم تنقل قبل المغرب إلى النقاط المحددة. وفي كل يوم، يتكرر المشهد بروح متجددة، وكأن التعب لا يجد طريقه إلى هؤلاء المتطوعين.
العائلات أيضًا لها حضورها الواضح. كثير من السيدات يحرصن على إعداد أصناف منزلية وإرسالها إلى موائد الرحمن القريبة من مناطقهن، في صورة تعكس امتداد روح المشاركة من البيت إلى الشارع. لا يُنظر إلى الأمر بوصفه نشاطًا موسميًا فحسب، بل كعادة اجتماعية متجذرة، تنتقل من جيل إلى آخر. فالأطفال الذين يرافقون آباءهم اليوم في توزيع الوجبات، سيكبرون وهم يحملون في ذاكرتهم مشهد العطاء هذا، ليعيدوا إنتاجه مستقبلًا.
من الناحية التنظيمية، تحرص الجهات المشرفة على اختيار مواقع مناسبة لا تعيق حركة السير، مع توفير إجراءات السلامة اللازمة، خاصة في الطرق السريعة. تُحدد نقاط التوزيع بعناية، ويُراعى التنسيق مع الجهات المعنية لضمان انسيابية الحركة. كما تُوزع الوجبات بطريقة سريعة ومدروسة، بحيث لا تستغرق العملية أكثر من ثوانٍ معدودة لكل مركبة، تفاديًا لأي ازدحام قد يؤثر على سلامة السائقين.
ورغم بساطة الفكرة، فإن أثرها يتجاوز حدود اللحظة. فموائد الرحمن تسهم في تعزيز الثقة بين أفراد المجتمع، وتؤكد أن روح التعاون لا تزال حيّة رغم التحديات الاقتصادية والاجتماعية. في زمن تتزايد فيه الضغوط المعيشية، تبدو هذه المبادرات كرسالة أمل مفادها أن التضامن ليس رفاهية، بل ضرورة تُعيد التوازن إلى الحياة اليومية.
كما تحمل هذه الموائد بُعدًا رمزيًا مهمًا؛ فهي تعكس صورة طرابلس كمدينة مفتوحة للجميع، لا تفرّق بين مقيم وعابر سبيل. الصائم الذي يتوقف عند إحدى هذه النقاط قد يكون من سكان العاصمة، أو قادمًا من مدينة أخرى، أو حتى عاملًا وافدًا. الجميع يُستقبل بالترحاب ذاته، وتُقدَّم له الوجبة دون سؤال أو تمييز. إنها لحظة مساواة إنسانية خالصة، يجتمع فيها الناس تحت مظلة الشهر الفضيل.
ويشير بعض المشاركين إلى أن التحدي الأكبر لا يكمن في توفير الطعام، بل في الاستمرارية طوال أيام الشهر. فالحفاظ على الوتيرة اليومية يتطلب جهدًا وتنظيمًا ودعمًا متواصلًا. ومع ذلك، يصرّ القائمون على أن العزيمة أقوى من أي عائق، مستندين إلى دعم المجتمع المحلي وثقته. التبرعات، سواء أكانت مالية أم عينية، تتدفق من أفراد يرغبون في المشاركة ولو بالقليل، إدراكًا منهم لقيمة هذا العمل.
فصل جديد
وعند لحظة الأذان، يتوقف الزمن لثوانٍ. تُرفع الأيدي بالدعاء، ويرتشف الصائمون أولى قطرات الماء. في تلك اللحظة، تتجلى الغاية الحقيقية لموائد الرحمن؛ ليس فقط إطعام الجائع، بل إشعاره بأنه ليس وحده. أن هناك من فكّر فيه، وانتظره، وحرص على أن يشاركه هذه اللحظة الروحانية. بعد دقائق، تبدأ السيارات في التحرك من جديد، وتُطوى الطاولات، لكن أثر المشهد يبقى عالقًا في الذاكرة.
ومع توالي أيام رمضان، تتحوَّل هذه المبادرات إلى جزء من المشهد اليومي للعاصمة. ينتظرها البعض كما ينتظرون مدفع الإفطار، ويتناقلون أخبارها عبر الأحاديث ومواقع التواصل، في إشادة مستمرة بروح العطاء التي تعم المكان. وربما لا تُقاس قيمة هذه الموائد بعدد الوجبات التي تُوزع، بل بما تزرعه من شعور بالانتماء والتكاتف.
في نهاية المطاف، تثبت موائد الرحمن في طرابلس أن الخير لا يحتاج إلى ضجيج كي يُرى، ولا إلى شعارات كي يُصدَّق. يكفي أن تقف يدٌ ممدودة على جانب الطريق، وأن تُقدَّم وجبة بسيطة في وقتها المناسب، ليُكتب فصل جديد من فصول التضامن الاجتماعي. وهكذا، تظل العاصمة، رغم كل الظروف، مدينة تنبض بالحياة والرحمة.
الخير لا يحتاج لــــــ«شــو» فقط الإخلاص في النية
فريق للطهي وآخر للتغليف وثالث للتوزيع وتنظيم المكان



