رأي

أنا‭ ‬الغريقُ‭ ‬فما‭ ‬خوفي‭ ‬من‭ ‬البللِ

أمين‭ ‬مازن

أقدمَ‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬‮«‬دونالد‭ ‬ترامب‮»‬‭ ‬مشركًا‭ ‬معه‭ ‬‮«‬نتنياهو‮»‬‭ ‬على‭ ‬شنِّ‭ ‬عدوانه‭ ‬الآثم‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬مؤكدًا‭ ‬به‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬دأب‭ ‬على‭ ‬التسويف‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬مفاوضات‭ ‬عُمان‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬إلا‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬الترتيبات‭ ‬التي‭ ‬كانتْ‭ ‬تُعدُّ‭ ‬لضمان‭ ‬أكبر‭ ‬مردود‭ ‬من‭ ‬الضربة‭ ‬المقرَّرة،‭ ‬بحيث‭ ‬لم‭ ‬تشرق‭ ‬شمس‭ ‬الثامن‭ ‬والعشرين‭ ‬من‭ ‬فبراير‭ ‬وتُوجَّه‭ ‬الضربة‭ ‬الأولى‭ ‬حتى‭ ‬يكون‭ ‬الرئيس‭ ‬الحقيقي‭ ‬لإيران‭ ‬ومعه‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يوقع‭ ‬على‭ ‬شأن‭ ‬من‭ ‬شؤون‭ ‬الحرب،‭ ‬في‭ ‬عداد‭ ‬الموتى،‭ ‬فلم‭ ‬يكن‭ ‬ثمة‭ ‬من‭ ‬مكان‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭  ‬يوجه‭ ‬نحوه‭ ‬السلاح‭ ‬الإيراني‭ ‬سوى‭ ‬المدن‭ ‬العربية‭ ‬بوصفها‭ ‬مصادر‭ ‬النيران،‭ ‬ويصبح‭ ‬من‭ ‬تلقوا‭ ‬المتيسر‭ ‬من‭ ‬الرد‭ ‬بين‭ ‬أمرين‭ ‬أحلاهما‭ ‬مر‭ ‬كما‭ ‬يقولون،‭ ‬فإما‭ ‬أن‭ ‬يُعتبَروا‭ ‬منحازين‭ ‬للمعتدي،‭ ‬أو‭ ‬يتقبلوا‭ ‬ما‭ ‬وُجِّه‭ ‬إليهم‭ ‬على‭ ‬قاعدة‭ ‬أن‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬العرب‭ ‬ومن‭ ‬سواهم‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬ظلت‭ ‬مع‭ ‬الطرف‭ ‬الثاني‭ ‬تعتمد‭ ‬مبدأ‭ ‬الاستيلاء‭ ‬على‭ ‬الموجود،‭ ‬ربما‭ ‬بحجة‭ ‬إنقاذ‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬إنقاذه‭ ‬منذ‭ ‬انتهاء‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى‭ ‬وخروج‭ ‬تركيا‭ ‬من‭ ‬الوطن‭ ‬العربي،‭ ‬فإذا‭ ‬بها‭ ‬تتمكن‭ ‬من‭ ‬قضم‭ ‬لواء‭ ‬الاسكندرون‭ ‬من‭ ‬سوريا‭ ‬وما‭ ‬شهده‭ ‬من‭ ‬التطهير‭ ‬العرقي‭ ‬كما‭ ‬شهدتْ‭ ‬أدبيات‭ ‬المرحلة،‭ ‬إنه‭ ‬الموقف‭ ‬الذي‭ ‬تكرر‭ ‬من‭ ‬الجار‭ ‬الإيراني‭ ‬عندما‭ ‬بادر‭ ‬الإمبراطور‭ ‬الشاه‭ ‬عراب‭ ‬حلف‭ ‬بغداد‭ ‬الذي‭ ‬أسال‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الحبر‭ ‬لحشد‭ ‬عرب‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬وبروز‭ ‬الخطر‭ ‬الشيوعي‭ ‬المهدد‭ ‬لأمن‭ ‬وحرية‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬وفي‭ ‬مقدمة‭ ‬ذلك‭ ‬الوحدة‭ ‬العربية،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬التي‭ ‬تبناها‭ ‬التيار‭ ‬الناصري‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬معاداته‭ ‬الشرسة‭ ‬للغرب،‭ ‬وإنما‭ ‬امتد‭ ‬سريعًا‭ ‬إلى‭ ‬الجزيرة‭ ‬العربية‭ ‬وما‭ ‬عرفته‭ ‬من‭ ‬حراك‭ ‬نحو‭ ‬الاتحاد‭ ‬الجغرافي‭ ‬انطلاقًا‭ ‬من‭ ‬التعاون‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬عندما‭ ‬بادر‭ ‬شاه‭ ‬إيران‭ ‬بالاستيلاء‭ ‬على‭ ‬الجزر‭ ‬العربية‭ ‬الثلاثة‭ ‬حال‭ ‬قرار‭ ‬بريطانيا‭ ‬مغادرة‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج،‭ ‬مبديا‭ ‬أُذنا‭ ‬من‭ ‬طين‭ ‬وأخرى‭ ‬من‭ ‬عجين‭ ‬للاحتجاجات‭ ‬العربية‭ ‬وكذا‭ ‬التحكيمات‭ ‬القانونية،‭ ‬فإذا‭ ‬ما‭ ‬قُدِّرَ‭ ‬للشاه‭ ‬أن‭ ‬يخرج‭ ‬من‭ ‬إيران‭ ‬ويتركها‭ ‬لملالي‭ ‬قُم،‭ ‬واعتقدَ‭ ‬حسنو‭ ‬النية‭ ‬أن‭ ‬الخميني‭ ‬العائد‭ ‬من‭ ‬المنفى‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬العرب‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬من‭ ‬واساه‭ ‬في‭ ‬غربته‭ ‬وربما‭ ‬أمده‭ ‬بما‭ ‬تيسر‭ ‬أملا‭ ‬في‭ ‬تصويب‭ ‬أي‭ ‬خطأ،‭ ‬إذا‭ ‬به‭ ‬يدفع‭ ‬ببرنامج‭ ‬يؤدي‭ ‬‮«‬لو‭ ‬نجح‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬ابتلاع‭ ‬العرب‭ ‬كافة،‭ ‬اعتمادا‭ ‬على‭ ‬التيار‭ ‬الشيعي‭ ‬الذي‭ ‬يمثل‭ ‬الحضور‭ ‬الملحوظ‭ ‬في‭ ‬الجزيرة‭ ‬العربية‭ ‬تعويلا‭ ‬على‭ ‬الواجهة‭ ‬أو‭ ‬المصطلح‭ ‬السياسي‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬المعارضة‭ ‬السياسية،‭ ‬وكان‭ ‬بروزه‭ ‬الواضح‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬مرة‭ ‬وفي‭ ‬السعودية‭ ‬مرات،‭ ‬وقبل‭ ‬ذلك‭ ‬كله،‭ ‬لبنان‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬شهد‭ ‬الوجود‭ ‬الشيعي‭ ‬في‭ ‬الاستقلال‭ ‬المتبنِّي‭ ‬للتقاسم‭ ‬الطائفي‭ ‬تحت‭ ‬ترتيبات‭ ‬الميثاق‭ ‬الوطني‭ ‬الذي‭ ‬أناط‭ ‬بالشيعة‭ ‬رئاسة‭ ‬مجلس‭ ‬النواب‭ ‬وهيبة‭ ‬جنبلاط‭ ‬الأب‭ ‬ثم‭ ‬الابن،‭ ‬وأخيرا‭ ‬الإمام‭ ‬الصدر‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يختف‭ ‬من‭ ‬الوجود‭ ‬إلا‭ ‬مع‭ ‬حضور‭ ‬الخميني‭ ‬ومن‭ ‬معه‭ ‬من‭ ‬كربلاء‭ ‬وقُم،‭ ‬والجمع‭ ‬بين‭ ‬الدين‭ ‬والدنيا‭ ‬كما‭ ‬يقال،‭ ‬لتأتي‭ ‬حرب‭ ‬رمضان‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬أحد‭ ‬عدد‭ ‬ما‭ ‬تفتح‭ ‬من‭ ‬أبواب‭ ‬وما‭ ‬ستأذن‭ ‬بزواله‭ ‬من‭ ‬عهود‭ ‬وسلطات‭ ‬وإلى‭ ‬ما‭ ‬ستؤدي‭ ‬من‭ ‬تسويات،‭ ‬وليس‭ ‬أمام‭ ‬من‭ ‬وُهِبَ‭ ‬شيئا‭ ‬من‭ ‬العقل‭ ‬سوى‭ ‬الانتظار،‭ ‬وتبقى‭ ‬الأحوال‭ ‬الفردية‭ ‬ولنا‭ ‬منها‭ ‬القول‭ ‬القديم‭:‬

‮«‬أنا‭ ‬الغريقُ‭ ‬فما‭ ‬خوفي‭ ‬من‭ ‬البللٍ‮»‬‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى