رأي

كُلّ إثنين..

علي باني

تسعة‭ ‬في‭ ‬ستة‭..‬

يجلسُ‭ ‬على‭ ‬‮«‬الكاصّة‮»‬‭ ‬شابٌ‭ ‬وسيمٌ،‭ ‬ابتسامته،‭ ‬وأسلوبه‭ ‬ينمّان‭ ‬عن‭ ‬حُسن‭ ‬تربية،‭ ‬أنيقٌ‭ ‬في‭ ‬غير‭ ‬تكلّفٍ،‭ ‬وقفتُ‭ ‬أمامه‭ ‬منتظرًا‭ ‬منه‭ ‬إخباري‭ ‬عن‭ ‬ثمن‭ ‬قطعتي‭ ‬‮«‬بيتسا‮»‬‭ ‬في‭ ‬ضغطه‭ ‬على‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الأزرار‭ ‬لاحظتُ‭ ‬نوعًا‭ ‬من‭ ‬الارتباك‭ ‬في‭ ‬أمرِ‭ ‬ظنَّنتُ‭ ‬أنّه‭ ‬بسيط‭..‬

تبادلنا‭ ‬الحديث،‭ ‬وكعادتي‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬المواقف،‭ ‬متباهيًا‭ ‬بمعرفتي‭ ‬جدول‭ ‬الضرب،‭ ‬سألته‭:‬

تسعة‭ ‬في‭ ‬ستة‭ ‬كم‭..‬؟

من‭ ‬هاتف‭ ‬‮«‬أيفون‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬أمامه‭ ‬أجابني‭ ‬من‭ ‬الشاشة‭: ‬54

دفعني‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬سؤاله‭: ‬ستة‭ ‬في‭ ‬تسعة‭ ‬كم؟‭ ‬

مرّة‭ ‬أخرى‭ ‬استعان‭ ‬بصديقه‭ ‬‮«‬الأيفون‮»‬‭ ‬للإجابة‭…‬

الحادثة‭ ‬تكرَّرتْ‭ ‬معي‭ ‬داخل‭ ‬مصعد‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬فنادق‭ ‬‮«‬تونس‮»‬‭ ‬حينما‭ ‬استرقتُ‭ ‬السمع‭ ‬لشابٍ‭ ‬ناجح‭ ‬بامتياز‭ ‬في‭ ‬الثانوية‭ ‬العامة‭ ‬منذ‭ ‬شهرين‭ ‬على‭ ‬الأكثر،‭ ‬وسألته‭ ‬سؤالاً‭ ‬يتناسب‭ ‬وتخصصه‭ ‬العلمي‭: ‬1‭/‬3‭+‬1‭/‬7‭ …‬

في‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬كانتْ‭ ‬إجابته‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يقرأ‭ ‬منذ‭ ‬ظهور‭ ‬النتيجة‭ ..!‬

بالطبع‭ ‬هذا‭ ‬ليسَ‭ ‬تعميمًا،‭ ‬أو‭ ‬أنّه‭ ‬يعطيني‭ ‬الحقّ‭ ‬في‭ ‬ادّعاء‭ ‬حملي‭ ‬بعضًا‭ ‬من‭ ‬‮«‬DNA‮»‬‭ ‬الخوارزمي‭..! ‬

لكنّه‭ ‬ذكرني‭ ‬بصياح‭ ‬زميلي‭ ‬في‭ ‬الصف‭ ‬الرابع‭ ‬الابتدائي،‭ ‬وقد‭ ‬أطبق‭ ‬‮«‬عيسى‮»‬‭ ‬عليه‭ ‬بالفلقة،‭ ‬وتَولّى‭ ‬مُعلّم‭ ‬الحساب‭ ‬في‭ ‬مدرسة‭ ‬الأربع‭ ‬عرصات،‭ ‬عقابه‭ ‬بغصن‭ ‬شجرة‭ ‬زيتون،‭ ‬أعدّها‭ ‬خصيصًا‭ ‬لمثل‭ ‬هذا‭ ‬الطالب‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يحفظ‭ ‬جدول‭ ‬الضرب‭ ‬مثل‭ ‬شراب‭ ‬الماء‭ .‬

الغريبُ‭ ‬في‭ ‬الأمرِ‭ ‬أنّ‭ ‬‮«‬الفلقة‮»‬‭ ‬ربّما‭ ‬تكون‭ ‬قد‭ ‬أتتْ‭ ‬أُكلها،‭ ‬فقد‭ ‬أصبحَ‭ ‬هذا‭ ‬الطالبُ‭ ‬مُدرّسًا‭ ‬في‭ ‬كلية‭ ‬الهندسة‭ ‬لسنوات‭ ‬عديدة‭..!‬

هذا‭ ‬الطرحُ‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬أن‭ ‬تتبنّى‭ ‬هذه‭ ‬الطريقة‭ ‬في‭ ‬تخريج‭ ‬مهندسين،‭ ‬وأساتذة،‭ ‬وإن‭ ‬كُنتُ‭ ‬أعرف‭ ‬أنَّ‭ ‬الكثيرين‭ ‬سيسيل‭ ‬لعابهم‭ ‬لهذه‭ ‬الطريقة‭ ‬الحاسمة،‭ ‬التي‭ ‬يُقال‭ ‬إنّها‭ ‬تُسهم‭ ‬في‭ ‬دفع‭ ‬الدمّ‭ ‬من‭ ‬القدمين‭ ‬إلى‭ ‬الدماغ،‭ ‬كوسيلة‭ ‬علاج‭ ‬طبيعية‭ ‬مُستدامة‭..‬

كثيرون‭ ‬من‭ ‬أجيال‭ ‬سابقة‭ ‬تتفاخر‭ ‬أنّها‭ ‬تعلّمتْ‭ ‬القراءة‭ ‬والكتابة،‭ ‬وحفَظتْ‭ ‬جدول‭ ‬الضرب‭ ‬بواسطة‭ ‬تعذيب‭ ‬القدمين،‭ ‬هنا‭ ‬لن‭ ‬أسلب‭ ‬منهم‭ ‬هذا‭ ‬التميّز،‭ ‬فعقود‭ ‬من‭ ‬تخلفنا‭ ‬على‭ ‬كثيرٍ‭ ‬من‭ ‬الأصعدة‭ ‬ربّما‭ ‬يفعل‭ ‬ذلك‭..‬

‮«‬المهم‭ ‬في‭ ‬الأمر‭ ‬ليس‭ ‬ما‭ ‬تعرف،‭ ‬ولكن‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬تفعله‭ ‬بما‭ ‬تعرف‮»‬‭.‬

وككل‭ ‬طرقنا‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬مشكلاتنا‭ ‬المزمنة،‭ ‬قفزنا‭ ‬من‭ ‬حالة‭ ‬حفظ‭ ‬جدول‭ ‬الضرب،‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬دون‭ ‬معالجة‭ ‬ما‭ ‬بينهما‭…‬

تُرى‭ ‬كم‭ ‬يكون‭ ‬عدد‭ ‬مستخدمي‭ ‬‮«‬فَلقة‭ ‬آب‮»‬‭ ‬إن‭ ‬أنتجها‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬غدًا‭..‬؟‭!.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى