
على تمام الثامنة والنصف صباحاً، توقيت اعتيادي تبدأ فيه العائلات الليبية يومها بالدُعاء والرزق، لكن في حي «عبد الكافي» بمدينة سبها، كان هذا التوقيت فاصلاً بين براءة طفلة وعالم من الوحشية. طفلة في عمر الزهور (12 عاماً)، نزعت من حضن الأمان في واضحة النهار، اختُطفت واختفت.
حالة طواريء قصوى أعلنتها مديرية أمن سبها، تحريات مكثفة، وعمليات تمشيط واسعة قادها رجال شرطة «حي عبد الكافي»، حتى عُثر عليها. لكن المشهد لم يكن عاديًا؛ الطفلةُ عُثر عليها في حالة صدمة نفسية حادة، جسدها المرتعش يروي تفاصيل الرعب، وعلامات الضرب والاعتداء الجسدي واضحة على جسدها النحيل.
بعد تأمينها وتقديم الدعم الإسعافي، قادتْ اعترافاتها إلى كمين محكم أوقع بالذئب البشري المدعو )ص. ز.( ليبي الجنسية، الذي انهار أمام الأدلة واعترف صراحة بجريمته النكراء: الخطف والمواقعة تحت الإكراه. القضية أُحيلتْ للنيابة، لكن السؤال الذي لم يُحل بعد: كيف مرّ هذا الخبر مرور الكرام وكأنه أمر طبيعي في «مجتمع محافظ»؟!.
حاولتْ صحيفة )فبراير( التوصل لعائلة الطفلة، لكن أبوابَ السكوت كانتْ موصدة لظروف اجتماعية قاهرة. من هنا، انطلقتْ الصحفية عزيزة حسين في استطلاع موسع ومسؤول مع نخبة من الاختصاصيين والمسؤولين لفتح «علبة الباندا السوداء» وسؤال الجميع: بين الصدمة والصمت .. كيف يواجه المجتمع الليبي جرائم الاعتداء على الأطفال؟!.
الجرح لا يندمل بمجرد القبض على الجاني
الاختصاصية النفسية بهيجة الأخضر:ترى أنَّ الكارثة الحقيقية تبدأ بعد الجريمة، مؤكدة أنَّ آثار الاعتداء على الطفل لا يتوقف عند لحظة وقوعه، بل يمتد لسنوات طويلة في المستقبل.
وتضيف الأخضر :
الصدمة تظهر لاحقًا في شكل )اضطرابات قلق حادة، واكتئاب، وخوف مزمن، وفقدان تام للثقة في النفس وفي المحيطين(. كما تسبَّب في تراجعًا دراسيًا، وسلوكيات انسحابية، أو عدوانية شديدة.
وتنبه الأختصاصية الأسر الليبية إلى أن الأطفال في السن الصغيرة قد لا يملكون القدرة على التعبير اللفظي عما حدث لهم، ولكنهم يرسلون )إشارات استغاثة سلوكية( يجب الانتباه إليها فوراً، مثل:
- التبول اللاإرادي المفاجيء.
– الخوف غير المبرَّر من أماكن، أو أشخاص معينين.
– تغيرات حادة ومفاجئة في طريقة اللعب، أو الرسم، أو السلوك العام.
وتختم بأن التدخل المبكر والدعم الأسري هما طوق النجاة الوحيد للحد من آثار هذه الصدمة المدمرة.
الوصم الاجتماعي الخفي
تقول نقيب الأختصاصيين الاجتماعيين عائشة بن يحمد فرع سبها: أن معاناة الطفل الحقيقية هي معركة نفسية واجتماعية طويلة يواجه فيها مشاعر الوصم، والخوف، والخزي، حتى وإن لم يصدر حكم إدانة مباشر من المجتمع.
وتشير بن يحمد بوضوح إلى الثغرات التي يستغلها الجناة: بعض الأطفال يكونون ضحايا نتيجة لإهمال أسري غير مقصود، أو لضعف التوعية بالحدود الجسدية الخاصة بهم، ناهيك عن الاستخدام غير الآمن «للإنترنت»، والثقة المفرطة والعمياء بالغرباء، أو حتى بالمحيطين.
وتؤكد أن الأسرة هي خط الدفاع الأول والوحيد عبر فتح قنوات الحوار الدائم والملاحظة الدقيقة وتنمية الوعي الذاتي لدى الطفل بحرمة جسده.
من ملاحقة الجريمة إلى التنبؤ بها رقميًا
في الشق الأمني والوقائي، ترسم مقدم – رجعة القذافي رئيس قسم حماية الطفل والأسرة صورة للتحوَّل المخيف في نمط الجريمة، مؤكدة أن الجرائم المرتبطة بالأطفال أصبحتْ أكثر تعقيداً وتشابكاً بفعل الطفرة الرقمية وتنامي الاستغلال عبر الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي.
وتشرح القذافي الاستراتيجية الأمنية الحالية قائلة:
الأجهزةُ الأمنية لم تعد تكتفي بالأساليب التقليدية؛ نحن ندمج اليوم بين التقنيات الحديثة وأساليب البحث الجنائي التقليدي، بالاعتماد على أنظمة المراقبة الذكية، والتحليل الرقمي، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي لتتبع الجناة بسرعة قياسية.
وتعترف رجعة بأن التحدي الأكبر يكمن في الانتقال من مرحلة الاستجابة ورد الفعل بعد وقوع الجريمة إلى )العمل الوقائي والاستباقي( خاصة مع نقص بعض الإمكانات.
وشددت على أن الردع الحقيقي لا ينتهي بضبط الجاني وتطبيق القانون، بل بتفعيل الرقابة الأبوية على الإنترنت، وتأمين مرحلة ما بعد الإنقاذ عبر انتزاع مشاعر الذنب من الضحية وتقديم الأمان المطلق لها.
صوت الشارع : هل انهار قناع «المجتمع المحافظ»؟!.
بنبرة يملؤها الخوف والصدمة، تحدثتْ الصحفية ريما الفلاني من سبها، معبرة عن قلقها الشديد من أن نصل كمجتمع إلى مرحلة «الاعتياد والبلادة» تجاه هذه الجرائم المرعبة بسبب تكرارها.
وتتساءل الفلاني بمرارة:
الأمر تجاوز كل الحدود. هل الأزمات السياسية، والاقتصادية الطاحنة التي عشناها خلقت أزمة اجتماعية وانعكاسات نفسية مشوهة؟ أم أن هذه الجرائم كانت تحدث في السابق خلف الأبواب المغلقة باسم )الستر(، وجاءت وسائل التواصل الاجتماعي اليوم لتكشف المستور وتضع الحقيقة العارية أمام وجوهنا؟”
وتضيف أن تكرار هذه الحوادث بات يهز ثقتنا في أنفسنا وفي قيمنا، ويطرح سؤالاً مؤلماً: هل نحن فعلاً مجتمع محافظ تحكمه القيم، أم كنا نتقمص هذا الدور فقط؟.
غياب الوعي والمخدرات هما الوقود
أ.زمزم أحمد موسى – منسق فريق التوعية بالمنطقة الجنوبية باللجنة الوطنية الشبابية لمكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية بوزارة الشباب-
ترى أن حماية الطفل مسؤولية تضامنية مشتركة.
وتستعرض موسى الجهود الميدانية قائلة:
من خلال حملاتنا التوعوية المكثفة داخل المدارس بالمنطقة الجنوبية، ركزنا على تبيان العلاقة الطردية بين تعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية، وارتفاع معدلات الجريمة. غياب الإدراك والمسؤولية الناتج عن التعاطي هو الوقود الأساسي الذي يدفع هؤلاء الذئاب لارتكاب جرائم وحشية كالتعدي على الأطفال دون أدنى وازع من ضمير.
ختامًــــا : إما المواجهة .. أو القاع..!
إنَّ قضية طفلة سبها ذات الـ12 ربيعاً ليست مجرد محضر شرطة أُغلق بالقبض على الجاني، بل هي مرآة مكسورة تعكس تشوهات اجتماعية ونفسية باتت تنهش في جسد المجتمع الليبي. الاختباء خلف عباءة المجتمع المحافظ وشعارات الستر لم يعد يحمي أطفالنا، بل بات يوفر غطاءً آمناً للمجرمين ليعيثوا في الأرض فساداً مستغلين صمت الضحايا وخوف الأهالي من «الفضيحة».
العدالة القانونية السريعة والرادعة هي الخطوة الأولى، ولكنها لن تداوي جراح طفلة طُعنتْ في براءتها، ولن تمنع الذئب القادم من التجرؤ على طفل آخر.
لقد دقتْ ناقوس الخطر في بيوتنا جميعاً؛ فإما أن نستفيق من غيبوبة «إنكار الواقع» ونواجه هذه الوحشية بدراسات حقيقية، وتوعية جنسية وجسدية صارمة للأطفال، ورقابة مشددة، وإما أن ننتظر الفاجعة القادمة في البيت المجاور.
أطفالنا يموتون نفسيًا في واضحة النهار… فمتى يتوقف هذا العبث..؟!.


