اجتماعي

  جــرائم أسريــة تهز المجتمع

فائزة العجيلي

لم‭ ‬تعد‭ ‬الجرائم‭ ‬الأسرية‭ ‬حوادث‭ ‬عابرة‭ ‬تمرّ‭ ‬في‭ ‬هامش‭ ‬الأخبار،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬وقائع‭ ‬صادمة‭ ‬تفرض‭ ‬نفسها‭ ‬بقوة‭ ‬على‭ ‬الوعي‭ ‬الجمعي،‭ ‬وتدفع‭ ‬المجتمع‭ ‬إلى‭ ‬التوقف‭ ‬أمام‭ ‬سؤال‭ ‬بالغ‭ ‬الخطورة‭: ‬كيف‭ ‬يتحوّل‭ ‬البيت،‭ ‬الذي‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الملاذ‭ ‬الأول‭ ‬للأمان،‭ ‬إلى‭ ‬مسرح‭ ‬للقتل‭ ‬والعنف‭ ‬والدم؟

خلال‭ ‬الفترة‭ ‬الأخيرة،‭ ‬استفاق‭ ‬المجتمع‭ ‬الليبي‭ ‬على‭ ‬جرائم‭ ‬أسرية‭ ‬مروعة‭ ‬هزت‭ ‬الضمير‭ ‬العام؛‭ ‬شاب‭ ‬يقتل‭ ‬جدته‭ ‬ثم‭ ‬يُعثر‭ ‬عليه‭ ‬وقد‭ ‬أنهى‭ ‬حياته،‭ ‬وطفل‭ ‬يدفع‭ ‬حياته‭ ‬ثمنًا‭ ‬لخلافات‭ ‬بين‭ ‬الكبار،‭ ‬وأخ‭ ‬يقتل‭ ‬شقيقتيه‭ ‬في‭ ‬جريمة‭ ‬تفتح‭ ‬أبوابًا‭ ‬واسعة‭ ‬للتساؤل‭ ‬حول‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬يحدث‭ ‬داخل‭ ‬بعض‭ ‬الأسر،‭ ‬وما‭ ‬الذي‭ ‬يدفع‭ ‬الخلافات‭ ‬إلى‭ ‬تجاوز‭ ‬حدودها‭ ‬لتتحول‭ ‬إلى‭ ‬جرائم‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬التراجع‭ ‬عنها‭.‬

وبينما‭ ‬تظل‭ ‬لكل‭ ‬جريمة‭ ‬ملابساتها‭ ‬الخاصة،‭ ‬وتبقى‭ ‬نتائج‭ ‬التحقيقات‭ ‬القضائية‭ ‬هي‭ ‬الفيصل‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬المسؤوليات‭ ‬والدوافع،‭ ‬فإن‭ ‬تكرار‭ ‬هذه‭ ‬الوقائع،‭ ‬وبشاعتها،‭ ‬يستحقان‭ ‬قراءة‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬التوقف‭ ‬عند‭ ‬تفاصيل‭ ‬الجريمة‭. ‬فخلف‭ ‬كل‭ ‬حادثة‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬هناك‭ ‬أزمة‭ ‬نفسية‭ ‬لم‭ ‬تُكتشف،‭ ‬أو‭ ‬عنف‭ ‬متراكم‭ ‬لم‭ ‬يجد‭ ‬من‭ ‬يتدخل،‭ ‬أو‭ ‬تعاطٍ‭ ‬للمخدرات‭ ‬والمؤثرات‭ ‬العقلية،‭ ‬أو‭ ‬ضغوط‭ ‬اجتماعية‭ ‬واقتصادية،‭ ‬أو‭ ‬أسرة‭ ‬فقدت‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬الحوار‭ ‬والاحتواء‭.‬

لكن‭ ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬المجتمع‭ ‬الليبي‭ ‬أصبح‭ ‬أكثر‭ ‬عنفًا؟‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬الجرائم‭ ‬أصبحت‭ ‬أكثر‭ ‬حضورًا‭ ‬في‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬ومنصات‭ ‬التواصل،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬جعلها‭ ‬تبدو‭ ‬أكثر‭ ‬انتشارًا؟‭ ‬وهل‭ ‬نحن‭ ‬أمام‭ ‬ظاهرة‭ ‬اجتماعية‭ ‬متصاعدة،‭ ‬أم‭ ‬أمام‭ ‬مؤشرات‭ ‬خطيرة‭ ‬تستوجب‭ ‬الدراسة‭ ‬قبل‭ ‬إصدار‭ ‬الأحكام؟

بين‭ ‬الجريمة‭ ‬والانطباع

يرى‭ ‬منصور‭ ‬بشير،‭ ‬نقيب‭ ‬عام‭ ‬نقابة‭ ‬الاختصاصيين‭ ‬الاجتماعيين‭ ‬والنفسيين،‭ ‬أن‭ ‬تزايد‭ ‬تداول‭ ‬الجرائم‭ ‬التي‭ ‬تقع‭ ‬داخل‭ ‬الأسرة‭ ‬يثير‭ ‬قلقًا‭ ‬مشروعًا،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الحكم‭ ‬على‭ ‬وصولها‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬الظاهرة‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬دراسات‭ ‬وإحصاءات‭ ‬علمية‭ ‬دقيقة‭.‬

ويشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تكرار‭ ‬هذه‭ ‬الحوادث‭ ‬يستوجب‭ ‬الوقوف‭ ‬بجدية‭ ‬أمام‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬العوامل‭ ‬المتداخلة،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬انتشار‭ ‬المخدرات‭ ‬والمؤثرات‭ ‬العقلية‭ ‬وتعدد‭ ‬أنواعها،‭ ‬وما‭ ‬قد‭ ‬يترتب‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬اضطرابات‭ ‬سلوكية‭ ‬وعنف‭ ‬وفقدان‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬الانفعالات،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الضغوط‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والمعيشية‭ ‬المتزايدة،‭ ‬والتغيرات‭ ‬التي‭ ‬أحدثها‭ ‬التطور‭ ‬التقني‭ ‬ووسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬في‭ ‬أنماط‭ ‬العلاقات‭ ‬والتفاعل‭ ‬والسلوك‭.‬

ويؤكد‭ ‬أن‭ ‬الجرائم‭ ‬الأسرية‭ ‬لا‭ ‬تنشأ‭ ‬غالبًا‭ ‬بصورة‭ ‬مفاجئة،‭ ‬بل‭ ‬تسبقها‭ ‬مؤشرات‭ ‬تحذيرية،‭ ‬مثل‭ ‬تصاعد‭ ‬الخلافات،‭ ‬والتفكك‭ ‬الأسري،‭ ‬والعنف‭ ‬اللفظي،‭ ‬والعزلة‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬وضعف‭ ‬التواصل،‭ ‬وتعاطي‭ ‬المخدرات،‭ ‬ووجود‭ ‬مشكلات‭ ‬نفسية‭ ‬أو‭ ‬سلوكية‭ ‬لا‭ ‬تجد‭ ‬التدخل‭ ‬المهني‭ ‬المناسب‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬المناسب‭.‬

ومن‭ ‬هنا،‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬مواجهة‭ ‬الجريمة‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬الجانب‭ ‬الأمني‭ ‬والقانوني،‭ ‬بل‭ ‬تتطلب‭ ‬تكاملًا‭ ‬بين‭ ‬الأسرة‭ ‬والمدرسة‭ ‬والإعلام‭ ‬والمؤسسات‭ ‬الدينية‭ ‬والاجتماعية،‭ ‬مع‭ ‬تفعيل‭ ‬دور‭ ‬الاختصاصيين‭ ‬الاجتماعيين‭ ‬والنفسيين‭ ‬باعتبارهم‭ ‬خطًا‭ ‬أول‭ ‬للوقاية‭ ‬والحماية‭ ‬الاجتماعية‭.‬

ليس‭ ‬كل‭ ‬قاتل‭ ‬مريضًا‭ ‬نفسيًا

من‭ ‬جانبها،‭ ‬توضح‭ ‬د‭. ‬دعاء‭ ‬مرمش،‭ ‬الأختصاصية‭ ‬النفسية،‭ ‬أن‭ ‬الجرائم‭ ‬الأسرية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تفسيرها‭ ‬بعامل‭ ‬واحد،‭ ‬بل‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬تنتج‭ ‬عن‭ ‬تداخل‭ ‬عوامل‭ ‬نفسية‭ ‬واجتماعية‭ ‬متعددة،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬ضعف‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تنظيم‭ ‬الانفعالات،‭ ‬والاندفاع،‭ ‬وتراكم‭ ‬الضغوط،‭ ‬وضعف‭ ‬مهارات‭ ‬التعامل‭ ‬معها،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬تعاطي‭ ‬المخدرات‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الحالات،‭ ‬وما‭ ‬قد‭ ‬يصاحبه‭ ‬من‭ ‬اضطرابات‭ ‬في‭ ‬التفكير‭ ‬أو‭ ‬سلوك‭ ‬عدواني‭.‬

وتشدد‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬عدم‭ ‬ربط‭ ‬الجرائم‭ ‬العنيفة‭ ‬تلقائيًا‭ ‬بالمرض‭ ‬النفسي،‭ ‬مؤكدة‭ ‬أن‭ ‬الغالبية‭ ‬العظمى‭ ‬من‭ ‬الأشخاص‭ ‬الذين‭ ‬يعانون‭ ‬من‭ ‬اضطرابات‭ ‬نفسية‭ ‬لا‭ ‬يرتكبون‭ ‬جرائم‭ ‬عنيفة‭. ‬وترى‭ ‬أن‭ ‬الضغوط‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية،‭ ‬والخلافات‭ ‬الأسرية،‭ ‬وتعاطي‭ ‬المواد‭ ‬المخدرة،‭ ‬وضعف‭ ‬مهارات‭ ‬إدارة‭ ‬الغضب‭ ‬وحل‭ ‬النزاعات،‭ ‬والإهمال‭ ‬التربوي،‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬عوامل‭ ‬أكثر‭ ‬حضورًا‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الحالات‭.‬

وفي‭ ‬حالات‭ ‬محدودة،‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬اضطراب‭ ‬نفسي‭ ‬شديد‭ ‬غير‭ ‬مشخص‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬معالج،‭ ‬لكن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إثباته‭ ‬أو‭ ‬تعميمه‭ ‬دون‭ ‬تقييم‭ ‬طبي‭ ‬ونفسي‭ ‬متخصص‭ ‬لكل‭ ‬حالة‭ ‬على‭ ‬حدة‭.‬

أسرة‭ ‬فقدت‭ ‬أدوات‭ ‬الاحتواء

ويشير‭ ‬علي‭ ‬فرج،‭ ‬المستشار‭ ‬الاجتماعي‭ ‬بوزارة‭ ‬الشؤون‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬مؤشرات‭ ‬مقلقة‭ ‬على‭ ‬ارتفاع‭ ‬الجرائم‭ ‬داخل‭ ‬الأسرة،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬تتوافر‭ ‬بعد‭ ‬إحصاءات‭ ‬رسمية‭ ‬شاملة‭ ‬تثبت‭ ‬حجم‭ ‬الزيادة‭ ‬بدقة‭. ‬ويرى‭ ‬أن‭ ‬السلوك‭ ‬الإجرامي‭ ‬داخل‭ ‬الأسرة‭ ‬يرتبط‭ ‬بمتغيرات‭ ‬اجتماعية‭ ‬عدة،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬التغير‭ ‬في‭ ‬أساليب‭ ‬التربية،‭ ‬وانتشار‭ ‬المخدرات‭ ‬والمؤثرات‭ ‬العقلية،‭ ‬وضعف‭ ‬الوازع‭ ‬الديني،‭ ‬وهي‭ ‬عوامل‭ ‬تؤثر‭ ‬بصورة‭ ‬مباشرة‭ ‬في‭ ‬سلوك‭ ‬أفراد‭ ‬الأسرة،‭ ‬خصوصًا‭ ‬فئة‭ ‬الشباب‭ ‬والمراهقين‭.‬

ويؤكد‭ ‬أن‭ ‬مواجهة‭ ‬هذه‭ ‬التحديات‭ ‬تتطلب‭ ‬برامج‭ ‬وأنشطة‭ ‬اجتماعية‭ ‬وتربوية‭ ‬ونفسية‭ ‬تتصدى‭ ‬للظواهر‭ ‬التي‭ ‬تُحدث‭ ‬تغييرًا‭ ‬سلبيًا‭ ‬في‭ ‬أنماط‭ ‬الحياة،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬دعم‭ ‬الأسرة‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬استقرار‭ ‬المجتمع‭.‬

أما‭ ‬د‭. ‬ماجدة‭ ‬جبريل‭ ‬الطيب،‭ ‬مستشارة‭ ‬الدعم‭ ‬النفسي‭ ‬والتربوي،‭ ‬فترى‭ ‬أن‭ ‬المجتمع‭ ‬الليبي‭ ‬لم‭ ‬يتحول‭ ‬بالضرورة‭ ‬إلى‭ ‬مجتمع‭ ‬عنيف،‭ ‬لكن‭ ‬الجرائم‭ ‬الأسرية‭ ‬الأخيرة‭ ‬أصبحت‭ ‬أكثر‭ ‬صدمة،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يستوجب‭ ‬الوقوف‭ ‬عندها‭ ‬بجدية‭.‬

وتربط‭ ‬بين‭ ‬تصاعد‭ ‬الضغوط‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والنفسية،‭ ‬وغلاء‭ ‬المعيشة‭ ‬والبطالة‭ ‬وصعوبة‭ ‬توفير‭ ‬حياة‭ ‬مستقرة،‭ ‬وبين‭ ‬ارتفاع‭ ‬مستويات‭ ‬التوتر‭ ‬داخل‭ ‬بعض‭ ‬الأسر‭. ‬

كما‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬دور‭ ‬العائلة‭ ‬الممتدة‭ ‬في‭ ‬احتواء‭ ‬الخلافات،‭ ‬بعدما‭ ‬كان‭ ‬أحد‭ ‬كبار‭ ‬الأسرة‭ ‬أو‭ ‬الأقارب‭ ‬يتدخل‭ ‬مبكرًا‭ ‬لمنع‭ ‬تفاقم‭ ‬النزاعات‭.‬

وترى‭ ‬أن‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬جعل‭ ‬الجرائم‭ ‬أكثر‭ ‬حضورًا‭ ‬وانتشارًا،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬فيه‭ ‬الوعي‭ ‬بالصحة‭ ‬النفسية‭ ‬وطلب‭ ‬المساعدة‭ ‬المتخصصة‭ ‬محدودًا،‭ ‬مؤكدة‭ ‬أهمية‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الإحصاءات‭ ‬الرسمية‭ ‬لا‭ ‬الانطباعات‭ ‬وحدها‭.‬

الوقاية‭ ‬قبل‭ ‬الجريمة

تتفق‭ ‬الآراء‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬حماية‭ ‬الأسرة‭ ‬لا‭ ‬تبدأ‭ ‬بعد‭ ‬وقوع‭ ‬الجريمة،‭ ‬بل‭ ‬قبلها‭ ‬بكثير‭. ‬فالأسرة‭ ‬مطالبة‭ ‬برصد‭ ‬التغيرات‭ ‬السلوكية‭ ‬المفاجئة،‭ ‬مثل‭ ‬العزلة،‭ ‬والعصبية‭ ‬المفرطة،‭ ‬والتهديد‭ ‬بالعنف،‭ ‬وتعاطي‭ ‬المخدرات،‭ ‬وعدم‭ ‬التعامل‭ ‬معها‭ ‬باعتبارها‭ ‬مجرد‭ ‬مرحلة‭ ‬عابرة‭.‬

أما‭ ‬المدرسة،‭ ‬فلا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يقتصر‭ ‬دورها‭ ‬على‭ ‬التعليم،‭ ‬بل‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬فضاءً‭ ‬لاكتشاف‭ ‬المشكلات‭ ‬السلوكية‭ ‬والنفسية‭ ‬مبكرًا،‭ ‬مع‭ ‬تفعيل‭ ‬دور‭ ‬الاختصاصيين‭ ‬الاجتماعيين‭ ‬والنفسيين‭. ‬ويأتي‭ ‬الإعلام‭ ‬مسؤولًا‭ ‬عن‭ ‬تقديم‭ ‬معالجة‭ ‬مهنية‭ ‬لا‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬الإثارة‭ ‬أو‭ ‬استثمار‭ ‬صدمة‭ ‬الجريمة،‭ ‬بل‭ ‬تفتح‭ ‬نقاشًا‭ ‬واعيًا‭ ‬حول‭ ‬أسبابها‭ ‬وسبل‭ ‬الوقاية‭ ‬منها‭.‬

كما‭ ‬تملك‭ ‬المؤسسات‭ ‬الدينية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬دورًا‭ ‬مهمًا‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬قيم‭ ‬الرحمة‭ ‬والتسامح،‭ ‬وحرمة‭ ‬الدم،‭ ‬والإصلاح‭ ‬بين‭ ‬الناس،‭ ‬والتأكيد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الخلافات‭ ‬تُحل‭ ‬بالحوار‭ ‬والقانون،‭ ‬لا‭ ‬بالعنف‭.‬

خاتمة

إن‭ ‬الجريمة‭ ‬التي‭ ‬تقع‭ ‬داخل‭ ‬الأسرة‭ ‬لا‭ ‬تقتل‭ ‬فردًا‭ ‬واحدًا‭ ‬فقط؛‭ ‬إنها‭ ‬تضرب‭ ‬الثقة،‭ ‬وتهز‭ ‬منظومة‭ ‬القيم،‭ ‬وتترك‭ ‬آثارًا‭ ‬عميقة‭ ‬في‭ ‬نفوس‭ ‬الناجين‭ ‬والأطفال‭ ‬والأقارب‭ ‬والمجتمع‭ ‬بأسره‭. ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬السؤال‭ ‬الحقيقي‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭: ‬من‭ ‬ارتكب‭ ‬الجريمة؟‭ ‬بل‭: ‬ماذا‭ ‬حدث‭ ‬قبلها؟‭ ‬ومن‭ ‬كان‭ ‬يمكنه‭ ‬أن‭ ‬يلاحظ‭ ‬إشارات‭ ‬الخطر؟‭ ‬وأين‭ ‬غابت‭ ‬الأسرة؟‭ ‬وأين‭ ‬تأخر‭ ‬التدخل؟

لا‭ ‬يمكن‭ ‬مواجهة‭ ‬الجرائم‭ ‬الأسرية‭ ‬بالعقوبة‭ ‬وحدها،‭ ‬رغم‭ ‬أهميتها،‭ ‬ولا‭ ‬بالخطاب‭ ‬الوعظي‭ ‬وحده،‭ ‬ولا‭ ‬بتبادل‭ ‬الاتهامات‭.‬

المطلوب‭ ‬منظومة‭ ‬وقائية‭ ‬متكاملة‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬الأسرة،‭ ‬وتمتد‭ ‬إلى‭ ‬المدرسة‭ ‬والمؤسسات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والصحية‭ ‬والدينية‭ ‬والإعلامية‭ ‬والأمنية‭.‬

فالجريمة‭ ‬تبدأ‭ ‬لحظة‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬أو‭ ‬وقوع‭ ‬الاعتداء،‭ ‬لكن‭ ‬الأزمة‭ ‬التي‭ ‬تقود‭ ‬إليها‭ ‬قد‭ ‬تبدأ‭ ‬قبل‭ ‬ذلك‭ ‬بسنوات؛‭ ‬في‭ ‬صمت‭ ‬طويل،‭ ‬وخلافات‭ ‬متراكمة،‭ ‬وعنف‭ ‬لا‭ ‬يراه‭ ‬أحد،‭ ‬أو‭ ‬إدمان‭ ‬يُتجاهل،‭ ‬أو‭ ‬اضطراب‭ ‬نفسي‭ ‬لا‭ ‬يجد‭ ‬من‭ ‬يمد‭ ‬له‭ ‬يد‭ ‬المساعدة‭.‬‮  ‬‭ ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬الجريمة‭ ‬لحظة‭ ‬النهاية،‭ ‬فإن‭ ‬الوقاية‭ ‬هي‭ ‬المعركة‭ ‬الحقيقية‭. ‬

فالمجتمع‭ ‬الذي‭ ‬ينتظر‭ ‬الدماء‭ ‬حتى‭ ‬يتحرك،‭ ‬يكون‭ ‬قد‭ ‬تأخر‭ ‬كثيرًا‭. ‬أما‭ ‬حماية‭ ‬الأسرة،‭ ‬فتبدأ‭ ‬من‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬رؤية‭ ‬الخطر‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬مأساة،‭ ‬ومن‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬الحوار‭ ‬والثقة‭ ‬والاحتواء‭ ‬داخل‭ ‬البيت،‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يصبح‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬يحمي‭ ‬الإنسان‭ ‬هو‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬يفقد‭ ‬فيه‭ ‬حياته‭. ‬

من‭ ‬داخل‭ ‬البيت‭ ‬تبدأ‭ ‬الحكاية‭.. ‬حين‭ ‬تتحوّل‭ ‬الخلافات‭ ‬إلى‭ ‬دماء

‭ ‬المخدرات‭ ‬والضغوط‭ ‬النفسية‭ ‬والاجتماعية‭.. ‬عوامل‭ ‬تغذي‭ ‬

العنف‭ ‬الأسري

‭ ‬الوقاية‭ ‬قبل‭ ‬الجريمة‭.. ‬هل‭ ‬نتحرك‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬الصمت‭ ‬إلى‭ ‬مأساة؟‭ ‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى