
لم تعد الجرائم الأسرية حوادث عابرة تمرّ في هامش الأخبار، بل أصبحت وقائع صادمة تفرض نفسها بقوة على الوعي الجمعي، وتدفع المجتمع إلى التوقف أمام سؤال بالغ الخطورة: كيف يتحوّل البيت، الذي يفترض أن يكون الملاذ الأول للأمان، إلى مسرح للقتل والعنف والدم؟
خلال الفترة الأخيرة، استفاق المجتمع الليبي على جرائم أسرية مروعة هزت الضمير العام؛ شاب يقتل جدته ثم يُعثر عليه وقد أنهى حياته، وطفل يدفع حياته ثمنًا لخلافات بين الكبار، وأخ يقتل شقيقتيه في جريمة تفتح أبوابًا واسعة للتساؤل حول ما الذي يحدث داخل بعض الأسر، وما الذي يدفع الخلافات إلى تجاوز حدودها لتتحول إلى جرائم لا يمكن التراجع عنها.
وبينما تظل لكل جريمة ملابساتها الخاصة، وتبقى نتائج التحقيقات القضائية هي الفيصل في تحديد المسؤوليات والدوافع، فإن تكرار هذه الوقائع، وبشاعتها، يستحقان قراءة أعمق من مجرد التوقف عند تفاصيل الجريمة. فخلف كل حادثة قد تكون هناك أزمة نفسية لم تُكتشف، أو عنف متراكم لم يجد من يتدخل، أو تعاطٍ للمخدرات والمؤثرات العقلية، أو ضغوط اجتماعية واقتصادية، أو أسرة فقدت قدرتها على الحوار والاحتواء.
لكن هل يمكن القول إن المجتمع الليبي أصبح أكثر عنفًا؟ أم أن الجرائم أصبحت أكثر حضورًا في وسائل الإعلام ومنصات التواصل، الأمر الذي جعلها تبدو أكثر انتشارًا؟ وهل نحن أمام ظاهرة اجتماعية متصاعدة، أم أمام مؤشرات خطيرة تستوجب الدراسة قبل إصدار الأحكام؟
بين الجريمة والانطباع
يرى منصور بشير، نقيب عام نقابة الاختصاصيين الاجتماعيين والنفسيين، أن تزايد تداول الجرائم التي تقع داخل الأسرة يثير قلقًا مشروعًا، غير أن الحكم على وصولها إلى مستوى الظاهرة يحتاج إلى دراسات وإحصاءات علمية دقيقة.
ويشير إلى أن تكرار هذه الحوادث يستوجب الوقوف بجدية أمام مجموعة من العوامل المتداخلة، من بينها انتشار المخدرات والمؤثرات العقلية وتعدد أنواعها، وما قد يترتب عليها من اضطرابات سلوكية وعنف وفقدان السيطرة على الانفعالات، إلى جانب الضغوط الاقتصادية والمعيشية المتزايدة، والتغيرات التي أحدثها التطور التقني ووسائل التواصل الاجتماعي في أنماط العلاقات والتفاعل والسلوك.
ويؤكد أن الجرائم الأسرية لا تنشأ غالبًا بصورة مفاجئة، بل تسبقها مؤشرات تحذيرية، مثل تصاعد الخلافات، والتفكك الأسري، والعنف اللفظي، والعزلة الاجتماعية، وضعف التواصل، وتعاطي المخدرات، ووجود مشكلات نفسية أو سلوكية لا تجد التدخل المهني المناسب في الوقت المناسب.
ومن هنا، يرى أن مواجهة الجريمة لا ينبغي أن تقتصر على الجانب الأمني والقانوني، بل تتطلب تكاملًا بين الأسرة والمدرسة والإعلام والمؤسسات الدينية والاجتماعية، مع تفعيل دور الاختصاصيين الاجتماعيين والنفسيين باعتبارهم خطًا أول للوقاية والحماية الاجتماعية.
ليس كل قاتل مريضًا نفسيًا
من جانبها، توضح د. دعاء مرمش، الأختصاصية النفسية، أن الجرائم الأسرية لا يمكن تفسيرها بعامل واحد، بل غالبًا ما تنتج عن تداخل عوامل نفسية واجتماعية متعددة، من بينها ضعف القدرة على تنظيم الانفعالات، والاندفاع، وتراكم الضغوط، وضعف مهارات التعامل معها، إضافة إلى تعاطي المخدرات في بعض الحالات، وما قد يصاحبه من اضطرابات في التفكير أو سلوك عدواني.
وتشدد على ضرورة عدم ربط الجرائم العنيفة تلقائيًا بالمرض النفسي، مؤكدة أن الغالبية العظمى من الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية لا يرتكبون جرائم عنيفة. وترى أن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، والخلافات الأسرية، وتعاطي المواد المخدرة، وضعف مهارات إدارة الغضب وحل النزاعات، والإهمال التربوي، قد تكون عوامل أكثر حضورًا في كثير من الحالات.
وفي حالات محدودة، قد يكون هناك اضطراب نفسي شديد غير مشخص أو غير معالج، لكن ذلك لا يمكن إثباته أو تعميمه دون تقييم طبي ونفسي متخصص لكل حالة على حدة.
أسرة فقدت أدوات الاحتواء
ويشير علي فرج، المستشار الاجتماعي بوزارة الشؤون الاجتماعية، إلى وجود مؤشرات مقلقة على ارتفاع الجرائم داخل الأسرة، حتى وإن لم تتوافر بعد إحصاءات رسمية شاملة تثبت حجم الزيادة بدقة. ويرى أن السلوك الإجرامي داخل الأسرة يرتبط بمتغيرات اجتماعية عدة، من بينها التغير في أساليب التربية، وانتشار المخدرات والمؤثرات العقلية، وضعف الوازع الديني، وهي عوامل تؤثر بصورة مباشرة في سلوك أفراد الأسرة، خصوصًا فئة الشباب والمراهقين.
ويؤكد أن مواجهة هذه التحديات تتطلب برامج وأنشطة اجتماعية وتربوية ونفسية تتصدى للظواهر التي تُحدث تغييرًا سلبيًا في أنماط الحياة، بما يضمن دعم الأسرة والحفاظ على استقرار المجتمع.
أما د. ماجدة جبريل الطيب، مستشارة الدعم النفسي والتربوي، فترى أن المجتمع الليبي لم يتحول بالضرورة إلى مجتمع عنيف، لكن الجرائم الأسرية الأخيرة أصبحت أكثر صدمة، الأمر الذي يستوجب الوقوف عندها بجدية.
وتربط بين تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، وغلاء المعيشة والبطالة وصعوبة توفير حياة مستقرة، وبين ارتفاع مستويات التوتر داخل بعض الأسر.
كما تشير إلى تراجع دور العائلة الممتدة في احتواء الخلافات، بعدما كان أحد كبار الأسرة أو الأقارب يتدخل مبكرًا لمنع تفاقم النزاعات.
وترى أن وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت في جعل الجرائم أكثر حضورًا وانتشارًا، في وقت لا يزال فيه الوعي بالصحة النفسية وطلب المساعدة المتخصصة محدودًا، مؤكدة أهمية الاعتماد على الإحصاءات الرسمية لا الانطباعات وحدها.
الوقاية قبل الجريمة
تتفق الآراء على أن حماية الأسرة لا تبدأ بعد وقوع الجريمة، بل قبلها بكثير. فالأسرة مطالبة برصد التغيرات السلوكية المفاجئة، مثل العزلة، والعصبية المفرطة، والتهديد بالعنف، وتعاطي المخدرات، وعدم التعامل معها باعتبارها مجرد مرحلة عابرة.
أما المدرسة، فلا ينبغي أن يقتصر دورها على التعليم، بل يجب أن تكون فضاءً لاكتشاف المشكلات السلوكية والنفسية مبكرًا، مع تفعيل دور الاختصاصيين الاجتماعيين والنفسيين. ويأتي الإعلام مسؤولًا عن تقديم معالجة مهنية لا تقوم على الإثارة أو استثمار صدمة الجريمة، بل تفتح نقاشًا واعيًا حول أسبابها وسبل الوقاية منها.
كما تملك المؤسسات الدينية والاجتماعية دورًا مهمًا في تعزيز قيم الرحمة والتسامح، وحرمة الدم، والإصلاح بين الناس، والتأكيد على أن الخلافات تُحل بالحوار والقانون، لا بالعنف.
خاتمة
إن الجريمة التي تقع داخل الأسرة لا تقتل فردًا واحدًا فقط؛ إنها تضرب الثقة، وتهز منظومة القيم، وتترك آثارًا عميقة في نفوس الناجين والأطفال والأقارب والمجتمع بأسره. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: من ارتكب الجريمة؟ بل: ماذا حدث قبلها؟ ومن كان يمكنه أن يلاحظ إشارات الخطر؟ وأين غابت الأسرة؟ وأين تأخر التدخل؟
لا يمكن مواجهة الجرائم الأسرية بالعقوبة وحدها، رغم أهميتها، ولا بالخطاب الوعظي وحده، ولا بتبادل الاتهامات.
المطلوب منظومة وقائية متكاملة تبدأ من الأسرة، وتمتد إلى المدرسة والمؤسسات الاجتماعية والصحية والدينية والإعلامية والأمنية.
فالجريمة تبدأ لحظة إطلاق النار أو وقوع الاعتداء، لكن الأزمة التي تقود إليها قد تبدأ قبل ذلك بسنوات؛ في صمت طويل، وخلافات متراكمة، وعنف لا يراه أحد، أو إدمان يُتجاهل، أو اضطراب نفسي لا يجد من يمد له يد المساعدة. وإذا كانت الجريمة لحظة النهاية، فإن الوقاية هي المعركة الحقيقية.
فالمجتمع الذي ينتظر الدماء حتى يتحرك، يكون قد تأخر كثيرًا. أما حماية الأسرة، فتبدأ من القدرة على رؤية الخطر قبل أن يتحول إلى مأساة، ومن إعادة بناء الحوار والثقة والاحتواء داخل البيت، حتى لا يصبح المكان الذي يفترض أن يحمي الإنسان هو المكان الذي يفقد فيه حياته.
من داخل البيت تبدأ الحكاية.. حين تتحوّل الخلافات إلى دماء
المخدرات والضغوط النفسية والاجتماعية.. عوامل تغذي
العنف الأسري
الوقاية قبل الجريمة.. هل نتحرك قبل أن يتحول الصمت إلى مأساة؟

