رأي

دفء البيوت

نعيمة سلامة  

‭ ‬‮  ‬‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬تتسارع‭ ‬فيه‭ ‬وتيرة‭ ‬الحياة،‭ ‬وتتزايد‭ ‬الضغوط‭ ‬والتحديات،‭ ‬تظل‭ ‬الأسرة‭ ‬الملاذ‭ ‬الأول‭ ‬الذي‭ ‬يبحث‭ ‬فيه‭ ‬الإنسان‭ ‬عن‭ ‬الأمان‭ ‬والسكينة‭.‬‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬استقرار‭ ‬البيت‭ ‬لا‭ ‬يُمنح‭ ‬مصادفة،‭ ‬ولا‭ ‬يُبنى‭ ‬على‭ ‬خلو‭ ‬الحياة‭ ‬من‭ ‬المشكلات،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬ثمرة‭ ‬يومية‭ ‬للتفاهم‭ ‬والاحتواء‭ ‬والاحترام‭ ‬المتبادل‭ ‬بين‭ ‬الزوجين‭.‬

فالاحتواء‭ ‬العاطفي‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬وجود‭ ‬الزوجين‭ ‬تحت‭ ‬سقف‭ ‬واحد،‭ ‬وإنما‭ ‬أن‭ ‬يجد‭ ‬كل‭ ‬طرف‭ ‬في‭ ‬شريكه‭ ‬مساحة‭ ‬آمنة‭ ‬يلجأ‭ ‬إليها‭ ‬حين‭ ‬يثقل‭ ‬التعب،‭ ‬أو‭ ‬تتراكم‭ ‬الضغوط،‭ ‬أو‭ ‬تعصف‭ ‬به‭ ‬المخاوف‭. ‬أن‭ ‬يُقابل‭ ‬الضعف‭ ‬الإنساني‭ ‬بالرفق‭ ‬لا‭ ‬باللوم،‭ ‬وأن‭ ‬يكون‭ ‬الإنصات‭ ‬مشاركة‭ ‬وجدانية‭ ‬حقيقية،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬سماع‭ ‬عابر‭.‬

وتظل‭ ‬الكلمة‭ ‬الطيبة،‭ ‬والتقدير،‭ ‬والامتنان‭ ‬للتفاصيل‭ ‬الصغيرة،‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬ما‭ ‬يحمي‭ ‬العلاقة‭ ‬الزوجية‭ ‬من‭ ‬الجفاف‭ ‬العاطفي،‭ ‬ويجعل‭ ‬البيت‭ ‬سنداً‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬قسوة‭ ‬الحياة‭.‬

ولا‭ ‬يتوقف‭ ‬أثر‭ ‬هذا‭ ‬الاستقرار‭ ‬عند‭ ‬الزوجين،‭ ‬فالأبناء‭ ‬يراقبون‭ ‬بصمت،‭ ‬ويتعلمون‭ ‬من‭ ‬طبيعة‭ ‬العلاقة‭ ‬القائمة‭ ‬بين‭ ‬والديهم‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬يتعلمون‭ ‬من‭ ‬المواعظ‭ ‬والنصائح‭. ‬فالاحترام‭ ‬المتبادل،‭ ‬والحوار‭ ‬الهادئ،‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬الخلاف،‭ ‬كلها‭ ‬دروس‭ ‬تربوية‭ ‬تُغرس‭ ‬في‭ ‬نفوسهم‭ ‬دون‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬شرح‭.‬

ومن‭ ‬هنا،‭ ‬فإن‭ ‬احتواء‭ ‬الزوجين‭ ‬لبعضهما‭ ‬ينعكس‭ ‬قدرة‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬احتواء‭ ‬الأبناء‭ ‬وفهم‭ ‬احتياجاتهم‭ ‬النفسية‭ ‬ومراحل‭ ‬نموهم‭ ‬المختلفة‭. ‬فالطفل‭ ‬الذي‭ ‬ينشأ‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬يسودها‭ ‬الأمان،‭ ‬يملك‭ ‬فرصة‭ ‬أكبر‭ ‬ليكون‭ ‬شخصية‭ ‬متوازنة،‭ ‬واثقة‭ ‬وقادرة‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬علاقات‭ ‬صحية‭ ‬مع‭ ‬الآخرين‭.‬

إن‭ ‬البيوت‭ ‬المستقرة‭ ‬ليست‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تخلو‭ ‬من‭ ‬الخلافات،‭ ‬بل‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تعرف‭ ‬كيف‭ ‬تديرها‭ ‬بحكمة،‭ ‬وتحوّل‭ ‬الاختلاف‭ ‬إلى‭ ‬مساحة‭ ‬للحوار،‭ ‬والشدائد‭ ‬إلى‭ ‬فرصة‭ ‬للتكاتف‭.‬فبالاحتواء‭ ‬تُبنى‭ ‬الطمأنينة،‭ ‬وبالقدوة‭ ‬تُصنع‭ ‬الأجيال،‭ ‬وبهما‭ ‬معاً‭ ‬تظل‭ ‬الأسرة‭ ‬حصن‭ ‬المجتمع‭ ‬الأول‭. ‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى