مرايا

حكاية (نبيلة).. امرأة أكلتها الخيانة وخنقها الخوف          

فايزة العجيلي

لم‭ ‬تكنْ‭ ‬تتخيل‭ ‬وهي‭ ‬ترتدي‭ ‬فستانها‭ ‬الأبيض‭ ‬قبل‭ ‬عشر‭ ‬سنوات،‭ ‬أنّ‭ ‬الحبَ‭ ‬الذي‭ ‬دافعت‭ ‬عنه‭ ‬أمام‭ ‬الجميع‭ ‬سيتحوّل‭ ‬إلى‭ ‬وجع‭ ‬يومي‭ ‬ينهش‭ ‬قلبها‭ . ‬كانتْ‭ ‬تظن‭ ‬أن‭ ‬الزواج‭ ‬من‭ ‬رجل‭ ‬أحبّته‭ ‬سيمنحها‭ ‬الأمان،‭ ‬لكنها‭ ‬اليوم‭ ‬تعيش‭ ‬داخل‭ ‬بيت‭ ‬يشبه‭ ‬‮«‬البرود‮»‬‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬يشبه‭ ‬العائلة‭.‬

تقول‭ ‬‮«‬نبيلة‮»‬‭  ‬بصوتٍ‭ ‬متعب‭:‬‭ ‬‮«‬تزوجته‭ ‬عن‭ ‬حب‭ .. ‬لكن‭ ‬من‭ ‬أول‭ ‬سنوات‭ ‬الزواج‭ ‬اكتشفتُ‭ ‬إنه‭ ‬ما‭ ‬يعرفش‭ ‬معنى‭ ‬الاحترام،‭ ‬ولا‭ ‬معنى‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بزوجته‮»‬‭.‬

لم‭ ‬يكنْ‭ ‬الأمرُ‭ ‬مجرد‭ ‬شكوك‭ ‬عابرة،‭ ‬أو‭ ‬غيرة‭ ‬زوجة،‭ ‬بل‭ ‬واقع‭ ‬رأته‭ ‬بعينيها‭ ‬مرارًا‭. ‬رسائل،‭ ‬مكالمات،‭ ‬محادثات،‭ ‬وعلاقات‭ ‬لا‭ ‬تنتهي‭ ‬مع‭ ‬نساء‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬الفئات؛‭ )‬بنات،‭ ‬متزوجات،‭ ‬مطلقات،‭ ‬وأرامل‭(‬‭. ‬وكأنّ‭ ‬الرجل‭ ‬يعيش‭ ‬حياته‭ ‬بلا‭ ‬أي‭ ‬اعتبار‭ ‬لزوجة‭ ‬تنتظره‭ ‬كل‭ ‬ليلة‭ ‬بقلب‭ )‬محروق‭( ‬عشر‭ ‬سنوات‭ ‬كاملة‭ ‬وهي‭ ‬تحاول‭ ‬أن‭ ‬تُصلح‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬إصلاحه‭. ‬تدعو‭ ‬له‭ ‬بالهداية،‭ ‬تتغاضى‭ ‬أحيانًا،‭ ‬وتواجهه‭ ‬أحيانًا‭ ‬أخرى،‭ ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬كان‭ ‬يهرب‭ ‬من‭ ‬الحقيقة‭ ‬بالصراخ‭ ‬والإنكار‭.‬

تقول‭:‬‭ ‬‮«‬لما‭ ‬نواجهه‭ ‬يبدا‭ ‬يعيّط‭ ‬ويقلب‭ ‬الموضوع‭ ‬عليّ‭..‬يقولي‭ ‬أنتِ‭ ‬شن‭ ‬عرفك؟‭ ‬وأنتِ‭ ‬تراقبي‭ ‬فيّ؟‭ ‬بدل‭ ‬ما‭ ‬يتحشم‭ ‬على‭ ‬روحه‮»‬‭ ‬الأصعبُ‭ ‬من‭ ‬الخيانة‭ ‬نفسها،‭ ‬أن‭ ‬المرأة‭ ‬وجدت‭ ‬نفسها‭ ‬وحيدة‭ ‬تمامًا‭. ‬لا‭ ‬سند،‭ ‬لا‭ ‬ظهر،‭ ‬ولا‭ ‬حتى‭ ‬فرصة‭ ‬للهرب‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬التعب‭ ‬النفسي‭. ‬فوالدها‭ ‬رجل‭ ‬‮«‬صعب‮»‬‭ ‬لا‭ ‬يؤمن‭ ‬بسهولة‭ ‬الطلاق،‭ ‬ووالدتها‭ ‬تعيش‭ ‬في‭ ‬خوف‭ ‬دائم‭ ‬منه،‭ ‬حتى‭ ‬أصبحت‭ ‬الابنة‭ ‬سجينة‭ ‬بين‭ ‬زوج‭ ‬يخونها،‭ ‬وبيت‭ ‬أهل‭ ‬لا‭ ‬يفتح‭ ‬لها‭ ‬باب‭ ‬النجاة‭.                                            

وفي‭ ‬وسط‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬الخراب‭ ‬النفسي،‭ ‬هناك‭ ‬ثلاثة‭ ‬أطفال‭. ‬ثلاثة‭ ‬صغار‭ ‬يركضون‭ ‬داخل‭ ‬بيت‭ ‬يبدو‭ ‬من‭ ‬الخارج‭ ‬مستقرًا،‭ ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬مليء‭ ‬بالخذلان‭ ‬والدموع‭ ‬المخفية‭. ‬تحاول‭ ‬الأم‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬قوية‭ ‬أمامهم،‭ ‬أن‭ ‬تبتسم‭ ‬رغم‭ ‬الانكسار،‭ ‬وأن‭ ‬تخفي‭ ‬تعبها‭ ‬خلف‭ ‬تفاصيل‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية،‭ ‬لكنها‭ ‬تعترف‭ ‬بأنها‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تشعر‭ ‬بنفسها‭ ‬كما‭ ‬كانت‭.‬

تقول‭ ‬بحزن‭:‬‭ ‬‮«‬معادش‭ ‬نحس‭ ‬بروحي‭..‬حتى‭ ‬مشاعري‭ ‬ناحيته‭ ‬ماتت‮»‬‭.‬

قصتها‭ ‬ليستْ‭ ‬حالة‭ ‬فردية‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬صورة‭ ‬موجعة‭ ‬لنساء‭ ‬كثيرات‭ ‬يعشن‭ ‬تحت‭ ‬ضغط‭ ‬المجتمع‭ ‬والخوف‭ ‬من‭ ‬كلمة‭ ‬‮«‬مطلقة‮»‬‭. ‬نساء‭ ‬يفضلن‭ ‬الصمت‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬مجتمع‭ ‬قد‭ ‬يلوم‭ ‬الضحية‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الجلاد‭. ‬ففي‭ ‬بعض‭ ‬البيوت،‭ ‬تتحوَّل‭ ‬‮«‬نبيلة‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬شخص‭ ‬مطلوب‭ ‬منه‭ ‬التحمل،‭ ‬والصبر‭ ‬مهما‭ ‬كانتْ‭ ‬الخيانة‭ ‬والإهانة،‭ ‬فقط‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ )‬يخرب‭ ‬البيت‭(.‬

لكن‭ ‬الحقيقة‭ ‬التي‭ ‬يغفل‭ ‬عنها‭ ‬كثيرون‭ ‬أن‭ ‬البيوت‭ ‬لا‭ ‬تُهدم‭ ‬بالطلاق‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬تُهدم‭ ‬بالخيانة‭ ‬المتكرَّرة،‭ ‬بالكذب،‭ ‬بالإهانة،‭ ‬وبقتل‭ ‬روح‭ ‬المرأة‭ ‬ببطء‭ ‬كل‭ ‬يوم‭. ‬فالزوجة‭ ‬ليستْ‭ ‬آلة‭ ‬للصبر،‭ ‬ولا‭ ‬جدارًا‭ ‬يتحمل‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يتصدع‭.‬

هذه‭ ‬السيدة‭ ‬اليوم‭ ‬لا‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬الشفقة،‭ ‬بل‭ ‬عن‭ ‬إجابة‭ ‬واحدة‭ ‬تؤلمها‭ ‬كل‭ ‬ليلة‭: ‬لماذا‭ ‬يخون‭ ‬الرجل‭ ‬امرأة‭ ‬أحبّته‭ ‬ووقفتْ‭ ‬معه،‭ ‬وأنجبت‭ ‬له‭ ‬أبناء؟‭ ‬ولماذا‭ ‬يُطلب‭ ‬من‭ ‬المرأة‭ ‬دائمًا‭ ‬أن‭ ‬تتحمل‭ ‬وحدها‭ ‬خوفًا‭ ‬من‭ ‬كلام‭ ‬النَّاس؟‭.‬

في‭ ‬مجتمعاتنا‭ ‬كثيرٌ‭ ‬من‭ ‬النساء‭ ‬يعشن‭ ‬داخل‭ ‬قفص‭ ‬اسمه‭ )‬شن‭ ‬بيقولوا‭ ‬علينا؟‭(‬،‭ ‬فيتنازلن‭ ‬عن‭ ‬راحتهن‭ ‬النفسية‭ ‬حفاظًا‭ ‬على‭ ‬صورة‭ ‬اجتماعية‭ ‬مزيفة‭. ‬لكن‭ ‬خلف‭ ‬الأبواب‭ ‬المغلقة‭ ‬توجد‭ ‬أرواح‭ ‬تتآكل،‭ ‬وقلوب‭ ‬تنهار‭ ‬دون‭ ‬صوت‭.‬

الموعظة‭ ‬الأخيرة‭ ..‬

الحبُ‭ ‬وحده‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬لبناء‭ ‬زواج‭ ‬ناجح‭. ‬قبل‭ ‬الزواج‭ ‬اسألوا‭ ‬جيدًا‭ ‬عن‭ ‬أخلاق‭ ‬الرجل،‭ ‬عن‭ ‬ماضيه،‭ ‬عن‭ ‬طريقة‭ ‬تعامله‭ ‬مع‭ ‬النساء،‭ ‬وعن‭ ‬سمعته‭ ‬بين‭ ‬النَّاس‭. ‬لأن‭ ‬بعض‭ ‬الرجال‭ ‬لا‭ ‬تغيّرهم‭ ‬الزوجة‭ ‬الطيبة،‭ ‬ولا‭ ‬الأطفال،‭ ‬ولا‭ ‬السنوات‭. ‬فالاختيار‭ ‬الخاطيء‭ ‬قد‭ ‬يجعل‭ ‬المرأة‭ ‬تعيش‭ ‬عمرها‭ ‬كله‭ ‬بين‭ ‬‮«‬الخوف‮»‬،‭ ‬و«الخذلان‮»‬‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى