
أثار مشروع توحيد السلطة المنقسمة لدن تقديمه من الدبلوماسي الأمريكي الجنسية «بولس»، وتحديد مفرداته في رئاسة المجلس الرئاسي ونائبين ورئيس للحكومة، وقيادة واحدة للقوات المسلحة والتي أجملها في القوة الفاعلة في شرق البلاد وغربها، ما لا حصر له من ردود الأفعال التي جمعت بين الاندهاش وقد نقول الاستنكار مما ضجت به الفضائيات المصطفة وغير المصطفة والتي كثيرًا ما تكتظ بعديد المحللين واضحي الانحياز لهذا الطرف، أو ذاك، فتراهم لا يستكفون التأييد المكشوف ولا يتحرّجون من وضع العصي في الدواليب.
وقد تابعتُ على الصعيد الشخصي الكثير مما قيل في الخصوص ولم أُفاجأ مما طرأ من متغيرات على كثير المواقف، فليس في الحياة عداوات دائمة ولا صداقات دائمة كما يقول ميكاڤيلِّي ويأخذ به عديد الذين يُنعَتون به بين المشتركين في الكثير مما يثير الخلاف ويستدعي تسفيه الخصم وبالضرورة تبجيل الحليف، إنها الفلسفة التي لخصها ذلك الفلاح وهو يجيب القاضي عن أي مذهب يتبع لكي يعطيه الفتوى المتفقة مع المذهب فأجاب بكل الوضوح أن مذهبه هو الذي يحقق له استعادة مزرعته -التي يدعونها بالسانية- وإذا ما اعتبرنا الليبيين جميعا في موقع ذلك الفلاح فلا شك أنهم قد يقبلون بما يريده بولس، ولتذهب الانتخابات النيابية وحتى الرئاسية ما دام السلاح لن يحمل على الأكتاف وما دامت الأموال لن تُعطى إلا بشروط معلنة وفي استطاعة أي كان أن يصر على ضرورة التأكد من وجودها وليرأس الحكومة من يرأس ما دام هو ومن معه سيقسم اليمين ومن يتم عزله أو استبداله ستُذكَر أسباب توليته أو إبعاده، وما دامت المرتبات سيحكمها سلّم والمحروقات سيُحدد لها ثمن يستحيل معه تهريبها وبالجملة فأنها السياسة الاقتصادية التي سلكت نهج الصرف الذي تمليه الرغبة في كسب الرضا والمؤذنة بالضرورة إلى ضمان قوي الولاء حيث قويت شوكة هذا المعسكر من المنتفعين الذين لم يصعب عليهم الظفر بأي سلعة من السلع إن لم يكن بواسطة السوق المحلي فبالعملة الصعبة التي فُتحت أبوابها على اتساعها بدعوى تيسير أحوال الناس فيما هي في حقيقة الأمر قد جاءت على هيئة لُقمٍ سائغة تتلقفها أفواه هؤلاء النهمين الذين ليس لهم سوى المداومة على الهتاف للسلطة إلى الحد الذي أنسى الناس كل ما كان مثار غضبهم زمن ما سبق فبراير، فإذا بهم يُصدَمون بما لا يقل عن ذلك سوءًا واستفزازا ولم يبقَ سوى انتظار ما تجيئ به الأقدار وألطاف رب الأقدار ومن كتب الانقسام لن يصعب عليه الالتئام.



