رأي

الصندوق‭ ‬بعشرة‭..‬

علي‭ ‬باني

تُعيد‭ ‬صناديق‭ ‬‮«‬الفراولة‮»‬‭ ‬المنتشرة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان‭ ‬إلى‭ ‬الذاكرة‭ ‬أوّلى‭ ‬تجاربي‭ ‬مع‭ ‬الفاكهة‭.. ‬صِغاراً‭ ‬كان‭ ‬التهامنا‭ ‬‮«‬برج‭ ‬الدلاعة‮»‬‭ ‬أشبه‭ ‬بالتهام‭ ‬أُسدٍ‭ ‬جائعٍ‭ ‬لفريسةٍ‭ ‬لذيذة،‭ ‬نَنشبُ‭ ‬فيه‭ ‬أسناننا‭ ‬وأحياناً‭ ‬أنوفنا‭ ‬فرحين‭ ‬بطعمها‭ ‬السُكريّ‭ ‬وقد‭ ‬سال‭ ‬دمها‭ ‬على‭ ‬ملابسنا،‭ ‬لابتهاجنا‭ ‬بهذا‭ ‬الصيد‭ ‬الثمين‭ ‬سببٌ‭ ‬مقنع،‭ ‬فقد‭ ‬أقنعنا‭ ‬والدي‭ -‬رحمه‭ ‬الله‭- ‬أنّ‭ ‬مذاقه‭ ‬عندما‭ ‬يكون‭ ‬‮«‬عِيّنة‮»‬‭ ‬أي‭ ‬أول‭ ‬أيام‭ ‬نزوله‭ ‬الأسواق،‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬طعم‭ ‬‮«‬القاز‮»‬‭.‬

وكان‭ ‬رده‭ ‬المشهور‭ ‬على‭ ‬طلبنا‭ ‬شراءها‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭: ‬‮«‬بَنتّها‭ ‬قاز‮»‬‭..!‬

وهو‭ ‬ردٌ‭ ‬مقنعٌ‭ ‬لنا،‭ ‬بل‭ ‬استغربنا‭ ‬كيف‭ ‬يقبل‭ ‬النَّاس‭ ‬على‭ ‬أكلها‭ ‬وهي‭ ‬بطعم‭ ‬‮«‬القاز‮»‬‭ ‬المقزز‭.‬

حقيقة‭ ‬الأمر‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬سبباً‭ ‬كافياً‭ ‬لعدم‭ ‬شرائه‭ ‬كل‭ ‬أنواع‭ ‬الفاكهة‭ ‬وبعض‭ ‬الخضراوات‭ ‬الموسمية‭ ‬عندما‭ ‬تكون‭ ‬‮«‬عِيّنة‮»‬‭…‬

لكنه‭ ‬كان‭ ‬أباً‭ ‬رحيماً‭ ‬أيضاً،‭ ‬فبعد‭ ‬مضيّ‭ ‬مدة‭ ‬محددة،‭ ‬نجد‭ ‬‮«‬سقيفة‮»‬‭ ‬البيت‭ ‬وقد‭ ‬امتلأتْ‭ ‬بكراتٍ‭ ‬من‭ ‬الدلاع‭ ‬متوسطة‭ ‬الحجم،‭ ‬وقد‭ ‬أعطى‭ ‬لنا‭ ‬الضوء‭ ‬الأخضر‭ ‬لالتهام‭ ‬ما‭ ‬شاء‭ ‬لنا‭ ‬منه،‭ ‬مُعللاً‭ ‬باختفاء‭ ‬طعم‭ ‬‮«‬القاز‮»‬‭ ‬منهُ‭.‬

مكرراً‭ ‬ذلك‭ ‬المنظر‭ ‬كلمّا‭ ‬نفدتْ‭ ‬كمية‭ ‬المخزون‭ ‬منه،‭ ‬أمرٌ‭ ‬أتاح‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬نأكل‭ ‬‮«‬الدلاع‮»‬‭ ‬مكتفيين‭ ‬بلبّه‭ ‬الأحمر‭ ‬اللذيذ،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بأكل‭ ‬‮«‬الأفندية‮»‬‭ ‬على‭ ‬رأي‭ ‬نكتة‭ ‬أكل‭ ‬الدلاع‭ -‬الصعيدية‭- ‬المشهورة‭.!‬

كان‭ ‬ذلك‭ ‬أيضاً‭ ‬من‭ ‬دواعي‭ ‬سرور‭ ‬والدي،‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬قشوره‭ ‬أكلة‭ ‬مفضلة‭ ‬لخروفٍ‭ ‬يربيه،‭ ‬ينام‭ ‬ليلاً‭ ‬في‭ ‬خزان‭ ‬‮«‬القبّة‮»‬‭ ‬تحت‭ ‬أعين‭ ‬صديقه‭ ‬حارس‭ ‬الخزّان‭.‬

لم‭ ‬نعرف‭ ‬من‭ ‬الفاكهة‭ ‬إلاّ‭ ‬ما‭ ‬سمحت‭ ‬به‭ ‬رقابة‭ ‬الوالد،‭ ‬ولم‭ ‬يُغيّر‭ ‬من‭ ‬سياسته‭ ‬ظهور‭ ‬عرجون‭ ‬‮«‬الموز‮»‬‭ ‬معلقاً‭ ‬في‭ ‬دكان‭ ‬‮«‬التاغدي‮»‬‭.‬

فلم‭ ‬نكن‭ ‬نأكله‭ ‬للسبب‭ ‬نفسه،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تتكاثر‭ ‬فيه‭ ‬البقع‭ ‬السوداء،‭ ‬محولةً‭ ‬أياهُ‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬جلد‭ ‬سمكة‭ ‬‮«‬الزمرينة‮»‬‭ ‬ولتنتهي‭ ‬رحلته‭ ‬من‭ ‬غابات‭ ‬الأمازون‭ ‬إلى‭ ‬مثواه‭ ‬الأخير‭ ‬في‭ ‬زنقة‭ ‬‮«‬الربي‭ ‬نسيم‮»‬‭..‬

بعد‭ ‬سنوات‭ ‬عرفنا‭ ‬أنّ‭ ‬المذاق‭ ‬الذي‭ ‬يقصده‭ ‬والدي،‭ ‬وبسببهِ‭ ‬حُرمنا‭ ‬من‭ ‬تذوّق‭ ‬الفاكهة‭ ‬عند‭ ‬أوّل‭ ‬نضجها،‭ ‬ليس‭ ‬مادة‭ ‬‮«‬القاز‮»‬‭ ‬المتغلغلة‭ ‬في‭ ‬خلايا‭ ‬الفاكهة،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬عدم‭ ‬قدرته‭ ‬الماديّة‭ ‬على‭ ‬شرائها‭ ‬تلك‭ ‬الفترة،‭ ‬فخضراوات‭ ‬وفاكهة‭ ‬ذلك‭ ‬الزمان‭ ‬كانت‭ ‬تحت‭ ‬رقابة‭ ‬ضمير‭ ‬الفلّاح،‭ ‬والمسؤول‭.‬

طريقته‭ ‬نجحتْ‭ ‬نجاحاً‭ ‬باهراً‭ ‬في‭ ‬إقناعنا‭ ‬ولو‭ ‬إلى‭ ‬حين،‭ ‬ولم‭ ‬تُرهق‭ ‬ميزانيته‭ ‬المحدودة،‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬تتح‭ ‬له‭ ‬تجربتها‭ ‬مع‭ ‬‮«‬الفراولة‮»‬‭ ‬فلم‭ ‬يتح‭ ‬ليّ‭ ‬التعرّف‭ ‬عليها‭ ‬إلاّ‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬عديدة‭.‬

في‭ ‬غياب‭ ‬ضمير‭ ‬المنتِج‭ ‬والمسؤول،‭ ‬هل‭ ‬يكون‭ ‬لطريقته‭ ‬نفس‭ ‬المفعول،‭ ‬في‭ ‬مقاومة‭ ‬ما‭ ‬يدخل‭ ‬أفواهنا،‭ ‬مما‭ ‬حَسُن‭ ‬مظهره‭ ‬وأمتلأ‭ ‬هذه‭ ‬المرّة‭ ‬بمذاق‭ ‬أكثر‭ ‬خطراً‭ ‬وأشّدُ‭ ‬فتكاً‭ ‬من‭ )‬القاز‭(.. ‬

أمّ‭ ‬أنّ‭ ‬إغراء‭ ‬الصندوق‭ ‬بعشرة‭ ‬لا‭ ‬يُقاوم؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى