
راتب المعلم في الدرجة العاشرة لا يرتقي حتى لمستوى إعانات العاطلين عن العمل، تتصدر علاوة الحصة المشهد التربوي في ليبيا كواحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في أروقة قطاع التعليم. وبينما يرى فيها المعلمون طوق نجاة لتحقيق العدالة المهنية والتميز في الأداء، يقابلها آخرون بحذر متزايد، متخوفين من تداعياتها على الملاك الوظيفي المتضخم أصلًا. وفي ظل مطالبات متصاعدة بغربلة القطاع الذي يضم أكثر من 600 ألف موظف، تبرز تساؤلات جوهرية حول ما إذا كانت هذه العلاوة استثمارًا حقيقيًا في جودة التعليم، أم مجرد مسكن مؤقت لأزمة هيكلية أعمق.
وفي محاولة لفهم وجهة نظر الميدان التربوي، التقينا المعلمة/ فتحيّة القاضي، التي ترى أن جوهر الأزمة يكمن في غياب التمييز بين من يعمل فعليًا ومن يكتفي بالصفة الوظيفية فقط. تقول القاضي: إن الحديث عن علاوة الحصة ليس مجرد نقاش مالي، بل هو نقاش حول العدالة والإنصاف داخل المؤسسة التعليمية؛ فالمعلم الذي يقف يوميًا أمام الطلاب، يحضر دروسه، يصحح أعمالهم، ويبحث عن استراتيجيات مبتكرة لتوصيل المعلومة لعقول الطلبة المتنوعة، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يُساوى بزميل له لا يؤدي عملًا فعليًا أو لا يبذل الجهد ذاته. وتضيف القاضي مشيرة إلى أن القطاع يعاني من تكدس وظيفي غير منطقي، حيث لا تتجاوز الحاجة الفعلية 150 ألف موظف بينما يتجاوز العدد الفعلي الـ 600 ألف، وهو تضخم يعرقل تطوير المنظومة ويؤخر صرف المزايا المستحقة للعاملين فعلياً. وتختتم مؤكدة أن الغربلة واجب وطني؛ فمن لديه المؤهل والجهد مرحب به، ومن لا يملك ذلك يجب أن يُنقل إلى قطاعات أخرى، كما تفعل الدول التي تحترم مواردها البشرية.
وعلى الجانب الآخر، يرى محمد علي إبراهيم، وهو معلم متقاعد من بلدية ترهونة، أن علاوة الحصة غير مبررة في ظل الظروف الراهنة. ويقول إبراهيم إن المعلم يتقاضى مرتباً شهرياً نظير عمله، وإذا كانت ميزانية الدولة تسمح، فالأجدر أن يتم تسوية أوضاع مرتبات المعلمين الذين يعملون لسنوات دون مرتب، أو حتى المرتبات التي تم الإفراج عنها مؤخراً والتي بدأ حسابها من الشهر الحالي فقط. ويضيف إبراهيم أن العلاوة تفتقر للشفافية، متسائلاً عن ضمانات التزام المديرين بتسجيل المعلمين الفعليين فقط، وهل توجد لجان رقابية تراقب آلية اعتماد الكشوفات؟ مشيراً إلى أنه حتى بعد نشر الكشوفات عبر صفحات المؤسسات التعليمية، لوحظ وجود أسماء لمعلمين لا يعرفون طريق المدرسة، مما يعزز وجهة نظره بأن العلاوة قد تفتح باباً جديداً للمحسوبية بدلاً من الإنصاف.
وفي سياق ذي صلة، يطرح المعلم/ علي الفيتوري من بلدية بنغازي إشكالية المعلم الذي بدأ العام الدراسي باستلام جدول حصص، ثم أسندت إليه لاحقاً مهمة «خبير مادة» ليتحول من معلم إلى إداري. يتساءل الفيتوري عن الموقف المالي لهؤلاء، حيث يلاحظ أن هذه الفئة لم تشملها العلاوة بالرغم من قيامهم بالتدريس فعلياً لفترة ما خلال العام الدراسي الحالي، مما يضعهم في موقف مالي ومعنوي غير منصف، كونهم أداوا جزءاً كبيراً من العبء الدراسي قبل تحولهم للمهام الإدارية.
ومن بلدية زليتن، يؤكد المعلم/ سالم بن حامد على أهمية العلاوة كأداة تحفيز لا غنى عنها لتمييز المعلم الممارس والفعلي. يرى بن حامد أن التعليم في ليبيا يحتاج إلى صدمة إيجابية، وعلاوة الحصة هي الطريقة الأسرع لربط الأجر بالإنتاجية، مشيراً إلى أن المعلم الذي يقضي ساعات في التحضير والتدريس لا يمكن أن يكون مساوياً لمن يتغيب أو يتهرب من مسؤولياته، معتبراً أن هذه العلاوة هي «شهادة تقدير» مادية تعيد الاعتبار للمعلم الذي يحمل العبء الحقيقي للمنهج.
بينما يرى المفتش التربوي لمادة العلوم من بلدية أوباري، امحمد إسماعيل الخضير، أن علاوة الحصة إجراء تنظيمي يتماشى مع المبدأ القانوني والشرعي «الأجر على قدر المشقة». ويوضح الخضير أن المرتب الأساسي يغطي الالتزام بالدوام، أما «العلاوة» فهي مكافأة تمييزية لمن يتحمل العبء الأكبر والأثر المباشر داخل الفصل، وهي أداة إستراتيجية لسد العجز وتشجيع المعلمين على قبول حصص إضافية بدلاً من التعاقد مع معلمين جدد، مما يقلل من ظاهرة التغيب والتهرب من التدريس الفعلي.
وفي بلدية سبها، يشير المعلم إبراهيم القذافي إلى تحدٍ آخر يتعلق بإمكانية تنفيذ هذه العلاوة في ظل عجز الدولة المالي عن صرف الفروقات المالية للموظفين في قطاعات أخرى. يتساءل القذافي عن مدى ديمومة هذه العلاوة، وهل ستكون مجرد إجراء مؤقت يختفي عند أول أزمة في الميزانية، مؤكداً أن الدولة يجب أن تضع خطة مالية واضحة ومستدامة إذا كانت ترغب في أن تكون هذه العلاوة جزءاً من «الاستحقاق الشهري» للمعلم، وإلا فإنها ستتحول إلى مصدر إحباط جديد بدلاً من أن تكون دافعاً للعمل.
أما في بلدية البوانيس، فيلفت التربوي عبد الله الزياني إلى ضرورة وجود آلية صارمة تمنع التلاعب بالحصص الصورية. ويطالب منصور بوضع معايير دقيقة تحكم منح العلاوة، بحيث لا تترك لتقدير الإدارات المدرسية فقط، مشدداً على أن غياب الرقابة الحقيقية سيحول العلاوة إلى وسيلة لزيادة التضخم المالي دون أي أثر يذكر على مخرجات التعليم، مؤكداً أن الميدان يحتاج إلى تطبيق فعلي لمعايير الجودة والمتابعة الدورية لكل حصة دراسية معتمدة ضمن قوائم الصرف.
وأخيراً، تضيف الأستاذة/ رحمة بندي، المفتش التربوي لمادة الإحصاء، بعداً رقابياً جوهرياً، مؤكدة أن علاوة الحصة حق مشروع، ولكنها تشترط الشفافية والمصداقية. وترى أن الاعتماد الكلي على إدارة المدرسة هو عمل ناقص، وتدعو إلى تفعيل دور المفتش التربوي ومرجعية «نموذج رقم 6» الذي يوثق الزيارات والمتابعة الدقيقة. وتشدد على أنها كمسؤولة تتابع الكشوفات المنشورة لضمان عدم سقوط أي اسم، وتدعو لربط التقارير السنوية للتفتيش التربوي بالرقابة الإدارية لضمان وصول الحقوق لمستحقيها، متسائلة: كيف يمكن للمفتش أن يواجه المعلم في العام القادم إذا سقط اسمه دون وجه حق؟
تؤكد المعلمة حليمة محمد مسعود من بلدية أوباري أن صرف «علاوة الحصص» والمستحقات المالية المتأخرة للمعلمين يمثل حقاً مهنياً أصيلاً لا يقبل الإهمال أو المماطلة تحت أي ظرف. وتشدد على أن المعلمين قد تحملوا كامل مسؤولياتهم المهنية في سبيل ضمان استمرار العملية التعليمية، مؤدّين واجبهم بكل إخلاص وتفانٍ رغم قسوة التحديات والظروف المحيطة، حيث استمروا في تنفيذ البرامج التعليمية، وسد العجز القائم، وتقديم الحصص الإضافية إيماناً منهم برسالتهم التربوية السامية ودورهم الجوهري في بناء الأجيال.
وفي هذا السياق، توضح المعلمة أن الاستمرار في تأخير صرف هذه المستحقات قد أفرز أعباءً معيشية بالغة الأثر، انعكست بشكل مباشر وملموس على أوضاع المعلمين واستقرارهم. وبناءً عليه، تطالب المعلمة حليمة محمد مسعود بضرورة الإفصاح بشفافية تامة عن الإجراءات المتخذة في المرحلة التنفيذية، مع الإسراع في اتخاذ الخطوات الفعلية لإنصاف المعلمين وتمكينهم من حقوقهم المستحقة، تقديراً لجهودهم وتضحياتهم في أداء أمانة العمل التربوي.
وفي سياق متصل، يضيف معلم الفيزياء من بلدية أوباري، خالد مصطفى، رؤية تنظيمية لهذا الملف، معتبراً أن الآلية المثلى لصرف علاوة الحصة تقتضي تسويتها بنهاية كل فصل دراسي، على أن يستحقها كل من يحمل صفة معلم جدول، ويقترح مصطفى إرساء قاعدة لثبات قيمة الحصة، أو اعتماد نظام تفاضلي يمنح الأولوية في القيمة الأعلى لمعلمي المرحلة الابتدائية، مع تناقص القيمة تدريجياً كلما ارتقت المرحلة التعليمية.
ويشدد مصطفى على ضرورة هذه الإصلاحات نظراً لتدني الرواتب الحالية، مشيراً إلى أن راتب المعلم في الدرجة العاشرة، إذا ما قُوّم بالعملة الصعبة، لا يتجاوز 200 دولار، وهي قيمة يرى أنها لا ترتقي حتى لمستوى الإعانات التي تُمنح للعاطلين عن العمل أو الحالات الإنسانية.



