
تستمر العاصمة طرابلس في جذب أنظار المشهد الثقافي العربي، مع تواصل فعاليات «موسم ليبيا الثقافي 2026» الذي انطلق صبيحة السبت الماضي. التظاهرة التي ترعاها وتشرف عليها وزارة الثقافة والتنمية المعرفية، منصة حوارية نابضة بالحياة، تعيد رسم خارطة الفعل الثقافي في ليبيا، وتفتح أبواباً مشرعة للنقاش الجاد حول مستقبل الإبداع وتحدياته حتى يوم الثلاثاء المقبل.
الافتتاح: تكريم مستحق ووطن يتجلى في قصيدة
وشهدت انطلاقة الموسم، السبت، لفتة وفاء مستحقة؛ إذ خُصص حفل الافتتاح لتكريم كوكبة من الأسماء الليبية الرائدة. شخصيات عبرت بإنتاجها الحدود المحلية لتحصد اعترافاً عربياً وعالمياً عبر منصات التتويج الكبرى، في خطوة تؤكد أن الإبداع الليبي يمتلك جذوراً راسخة قادرة على الإزهار في كل الفصول.
وفي لحظة تجلٍّ خطفت أنفاس الحضور، اعتلى شاعر ليبيا الكبير راشد الزبير المنصة، ليصافح القلوب بقصيدتين فاضتا بعشقٍ خالص للمكان. تغنى الزبير في أبياته بسحر طرابلس وشموخ بنغازي، في بوح شعري وجداني وحّد جغرافية الوطن، ونسج من محبتهما خريطة واحدة تنبض بالكلمات.
ولم يكتفِ يوم الافتتاح بهذه المحطات؛ فمع انحسار ضوء النهار، انتقل النبض نحو عراقة «السرايا الحمراء». من شرفتها المطلة على التاريخ، أطل الشاعران مفتاح العماري وصالح قدربوه في أمسية شعرية باذخة، تماهت مع إيقاع الموج ونسائم البحر الأبيض المتوسط. وعايش الحضور الليبي والعربي حالة استثنائية من التفاعل، وهم ينصتون لألق القصيدة الليبية وهي تتجلى في أبهى وأعذب صورها، لتضع مسك الختام لليوم الأول.
جدلية السرد وصناعة المعنى
ومع دخول الموسم يومه الثاني، أمس الأحد، ارتفع إيقاع النقاش الفكري ليتناول واحدة من أكثر القضايا إلحاحاً في الأدب المعاصر؛ «الترجمة الأدبية وصناعة المعنى». الجلسة التي أدار دفتها الأستاذان عطية الأوجلي وعبد السلام الغرياني، غاصت بعمق في إشكاليات نقل الروح الثقافية بين اللغات، ومسؤولية المترجم كشريك في الإبداع. ولم يغب الأدب البصري عن المشهد، حيث فككت ميسون صالح في محاضرتها الصباحية تقاطعات «الأدب المصور والخيال»، في محاولة لقراءة النصوص التي تعتمد على الصورة كبطل موازٍ للكلمة.
غير أن المساحة الأكثر دفئاً وجذباً للجمهور تمثلت في الجلسة الحوارية «حين يصبح العالم حكاية». هناك، التقى الروائي العُماني زهران القاسمي بالروائية الليبية عائشة إبراهيم، في حوار مفتوح تجاوز الأطر التقليدية ليلامس أسئلة الكتابة القلقة، وتحولات الذاكرة، وسطوة المكان على النص الروائي. وقد أُسدل ستار الأمس على إيقاع الشعر، بأمسية شعرية جمعت أصواتاً متباينة الرؤى، يتقدمهم يوسف عفط، والتونسية بسمة المسعى، إلى جانب فاطمة عموم، وخالد درويش.
اليوم: الملكية الفكرية وإطلالة فيلسوف الصحراء
واليوم الإثنين، تتجه بوصلة الموسم نحو قضايا شائكة تمس صميم العمل الإبداعي وحقوق منتجيه. تفتح ندوة «الملكية الفكرية في الأدب وحماية الإبداع» ملفات الحقوق الضائعة وآليات الدفاع الفعّال عن المؤلف في عصر الانفتاح الرقمي، وذلك بمشاركة محمد مليطان ومفتاح قناو. وتلي هذه الجلسة إطلالة تراثية نقدية يقدمها الدكتور علي برهانه، متتبعاً الدلالات الرمزية لـ «الماء في الشعر الشعبي».
وتترقب أنظار المتابعين مساء اليوم؛ اللقاء المفتوح مع الروائي العالمي إبراهيم الكوني. هذه الاستضافة الافتراضية تُمثل فرصة استثنائية للجمهور للاقتراب من فيلسوف الصحراء، وسبر أغوار عوالمه السردية الصوفية التي وضعت الأدب الليبي في قلب المشهد العالمي. ويُختتم اليوم الثالث بأمسية شعرية تحلق بأجنحة عربية، بمشاركة السودانية شريهان الطيب، والمغربي عبد الرحيم الخصار، جنباً إلى جنب مع رحاب شنيب.
غداً: الذاكرة والتاريخ ومعارك النشر
وفي يومه الرابع، غداً الثلاثاء، يضع الموسم إصبعه على جرح صناعة النشر، عبر ندوة تضع «النشر الورقي والإلكتروني» في كفتي ميزان لتقييم التحديات واستشراف الآفاق، ويتحدث فيها منصور بوشناف ونوارة محمد عقيلة . كما يطل التاريخ برأسه عبر محاضرة للدكتور فاضل بيات من العراق، مستعرضاً تقاطعات الذاكرة المكتوبة في كتابه الوثائقي «ليبيا من خلال وثائق الأرشيف العثماني».
وقبل أن تطوى صفحات هذه الدورة التأسيسية، سيكون المساء الأخير موعداً للوداع الفني، يبدأ ببوح الشعراء مع بدرية الأشهب، ومحمد الدنقلي، وأحمد شاكر، وينتهي بوصلة طرب أصيل يحييها الفنان هشام عريش، لتكون مسك ختام لتظاهرة أعادت لطرابلس موقعها كعاصمة تحتفي بالحياة عبر بوابة الثقافة.
من صناعة المعنى إلى ذاكرة الأرشيف:



