اجتماعيمرايا

ما وراء (شيط رزك).. نقدٌ اجتماعي لثقافة الخصوصية في الموروث الشعبي الليبي

منى بن هيبة

في‭ ‬فضاء‭ ‬اللهجة‭ ‬الليبية،‭ ‬وتحديداً‭ ‬في‭ ‬مدن‭ ‬الشرق‭ ‬الليبي،‭ ‬تختزل‭ ‬العبارات‭ ‬الشعبية‭ ‬مسافات‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬التحليل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والنفسي‭. ‬عبارة‭ ‬شيط‭ ‬رزك‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬دعابة‭ ‬دارجة‭ ‬في‭ ‬مطابخ‭ ‬بنغازي‭ ‬أو‭ ‬زواياها،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬قانون‭ ‬اجتماعي‭ ‬غير‭ ‬مكتوب،‭ ‬يحمل‭ ‬في‭ ‬طياته‭ ‬دلالات‭ ‬نقدية‭ ‬حول‭ ‬الحدود‭ ‬الشخصية،‭ ‬والفضول‭ ‬الجماعي،‭ ‬وفلسفة‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بالذات‭. ‬​المطبخ‭ ‬كمختبر‭ ‬للسلوك‭ ‬الاجتماعي​إن‭ ‬استحضار‭ ‬الأرز‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬العبارة‭ ‬ليس‭ ‬عفوياً؛‭ ‬فالأرز‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬الليبية‭ ‬هو‭ ‬سيد‭ ‬الموائد‭ ‬وعمودها‭ ‬الفقري‭. ‬عملية‭ ‬طهيه‭ ‬تتطلب‭ ‬‮«‬التركيز‭ ‬الذهني‭ ‬واليدوي‮»‬،‭ ‬وأي‭ ‬غفلة‭ ‬عن‭ ‬القدر‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬الشياط‮»‬‭ ‬الاحتراق‭. ‬هنا،‭ ‬تتحول‭ ‬عملية‭ ‬الطبخ‭ ‬إلى‭ ‬استعارة‭ ‬للحياة؛‭ ‬فمن‭ ‬ينشغل‭ ‬بمتاعب‭ ‬الناس‭ ‬أو‭ ‬شؤونهم‭ ‬يغفل‭ ‬عن‭ ‬قِدره‭ ‬الخاص،‭ ‬مما‭ ‬يؤدي‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬إلى‭ ‬احتراق‭ ‬إنجازاته‭ ‬وخططه‭ ‬الشخصية‭.‬

​نقد‭ ‬الرقابة‭ ‬الاجتماعية

​من‭ ‬زاوية‭ ‬نقدية،‭ ‬تعكس‭ ‬عبارة‭ ‬شيط‭ ‬رزك‭ ‬رد‭ ‬فعل‭ ‬دفاعي‭ ‬من‭ ‬الفرد‭ ‬الليبي‭ ‬ضد‭ ‬الرقابة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬التدخل‭ ‬غير‭ ‬المبرر،‭ ‬إنها‭ ‬صرخة‭ ‬شعبية‭ ‬تطالب‭ ‬بالحرمة‭ ‬الخصوصية‭ ‬في‭ ‬مجتمع‭ ‬مترابط،‭ ‬قد‭ ‬يرى‭ ‬البعض‭ ‬في‭ ‬التدخل‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬الآخرين‭ ‬نوعاً‭ ‬من‭ ‬المودة،‭ ‬ولكن‭ ‬الموروث‭ ‬الشعبي‭ ‬في‭ ‬بنغازي،‭ ‬بذكائه‭ ‬الفطري،‭ ‬وضع‭ ‬خطاً‭ ‬فاصلاً‭ ‬يرفض‭ ‬هذا‭ ‬التطفل‭ ‬بأسلوب‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬الندية‭ ‬والسخرية‭ ‬اللاذعة‭.‬​التوازن‭ ‬بين‭ ‬الجماعية‭ ‬والخصوصية‭ ‬​تكمن‭ ‬المفارقة‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬المجتمع‭ ‬الليبي‭ ‬مجتمع‭ ‬جامعي‭ ‬بطبعه،‭ ‬حيث‭ ‬تتداخل‭ ‬العائلات‭ ‬وتتشارك‭ ‬الهموم‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬تأتي‭ ‬هذه‭ ‬العبارة‭ ‬لتعيد‭ ‬التوازن‭:‬

​التفكيك‭: ‬العبارة‭ ‬تعيد‭ ‬للفرد‭ ‬مركزيته،‭ ‬وتذكره‭ ‬بأن‭ ‬لكل‭ ‬إنسان‭ ‬قدره‭ ‬الخاص‭ ‬الذي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يحرسه‭. ‬​الوظيفية‭: ‬هي‭ ‬أداة‭ ‬ضبط‭ ‬اجتماعي‭ ‬غير‭ ‬عدوانية؛‭ ‬فهي‭ ‬تحمي‭ ‬الأفراد‭ ‬من‭ ‬التطفل‭ ‬دون‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬صدام‭ ‬مباشر،‭ ‬بل‭ ‬عبر‭ ‬إطار‭ ‬فكاهي‭ ‬مقبول‭ ‬اجتماعياً‭.‬

​فلسفة‭ ‬النضج

​إن‭ ‬عبارة‭ ‬شيط‭ ‬رزك‭ ‬ليست‭ ‬دعوة‭ ‬للانعزال‭ ‬أو‭ ‬التخلي‭ ‬عن‭ ‬قيم‭ ‬التكافل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬التي‭ ‬يتسم‭ ‬بها‭ ‬أهل‭ ‬ليبيا،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬دعوة‭ ‬إلى‭ ‬النضج‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬إنها‭ ‬نقد‭ ‬موجه‭ ‬لمن‭ ‬يستنزفون‭ ‬طاقتهم‭ ‬في‭ ‬تتبع‭ ‬مسارات‭ ‬الآخرين،‭ ‬تاركين‭ ‬أرزهم‭ ‬‮«‬أي‭ ‬أعمالهم،‭ ‬عائلاتهم،‭ ‬ومستقبلهم‮»‬‭ ‬عرضة‭ ‬للاحتراق‭. ‬​في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف،‭ ‬تبقى‭ ‬هذه‭ ‬العبارة‭ ‬دليلاً‭ ‬على‭ ‬حيوية‭ ‬اللغة‭ ‬الشعبية‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬استيعاب‭ ‬تعقيدات‭ ‬الحياة‭ ‬المعاصرة،‭ ‬وتذكير‭ ‬دائم‭ ‬بأن‭ ‬الانشغال‭ ‬بالذات‭ ‬وتطويرها‭ ‬هو‭ ‬السبيل‭ ‬الوحيد‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬طعم‭ ‬الحياة‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬مرارة‭ ‬الاحتراق‭ ‬التي‭ ‬يخلفها‭ ‬التدخل‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يعني‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى