
نعمات محمود عبيد استشارية نساء وتوليد فى مستشفى الجلاء للنساء والتوليد طرابلس تتحدث لصحيفة )فبراير( عن العقم، أو تأخر الإنجاب.
يُعرَّف تأخر الإنجاب طبيًا بأنه عدم حدوث حمل بعد مرور 12 شهرًا من العلاقة الزوجية المنتظمة من دون استخدام وسائل منع الحمل. ويُسمى التأخر أوليًا عندما لم يسبق حدوث حمل نهائيًا، بينما يُسمى ثانويًا عندما سبق حدوث حمل واحد على الأقل، حتى لو لم ينتهِ بولادة طفل حيّ ..
أما توقيت بدء الفحوصات فيعتمد بصورة أساسية على عمر الزوجة. فإذا كان عمرها أقل من 35 عامًا، يبدأ تقييم الزوجين عادة بعد مرور عام كامل دون حدوث حمل. أما إذا كان عمرها 35 عامًا، أو أكثر فيُنصح ببدء الفحوصات بعد ستة أشهر، وقد نبدأ فورًا عند وجود اضطراب واضح في الدورة، أو تاريخ مرضي مؤثر في الخصوبة، أو عند تجاوز سن الأربعين ..
ومن المهم التأكيد أن تأخر الإنجاب لا يُنسب تلقائيًا إلى المرأة؛ فقد يكون السبب متعلقًا بالزوجة، أو الزوج، أو بكليهما، وقد تكون جميع الفحوصات الأساسية طبيعية، وهو ما يُعرف بتأخر الإنجاب غير المفسَّر. ولذلك يجب تقييم الزوجين معًا منذ بداية رحلة التشخيص.
ما هي مسببات تأخر الإنجاب لدى النساء والرجال؟
أولًا: الأسباب لدى النساء
تتعدد أسباب تأخر الإنجاب عند المرأة، ومن أبرزها اضطرابات الإباضة، مثل: متلازمة تكيس المبايض، واضطرابات الغدة الدرقية، وارتفاع هرمون الحليب، ونقص مخزون المبيض، إضافة إلى الاضطرابات الهرمونية الناتجة عن الزيادة الكبيرة، أو النقص الحاد في الوزن.
كما قد يكون السبَّب مرتبطًا بالرحم، مثل وجود حاجز رحمي، أو بعض التشوهات الخلقية، أو الأورام الليفية التي تؤثر في تجويف الرحم، أو الالتصاقات داخل الرحم. وقد تؤثر هذه الحالات في انغراس الجنين، أو استمرارية الحمل.
ومن الأسباب المهمة كذلك انسداد قناتي فالوب أو تضررهما نتيجة التهابات الحوض المزمنة، أو العمليات الجراحية السابقة، أو الالتصاقات المحيطة بالأنابيب. فقناتا فالوب لا تعملان كممر ثابت فقط، بل تحتاجان إلى حركة ووظيفة طبيعية لالتقاط البويضة ونقلها إلى الرحم.
ويُعد الانتباذ البطاني الرحمي، أو ما يُعرف بالبطانة المهاجرة، من الأسباب المهمة لتأخر الحمل. وهو وجود أنسجة شبيهة ببطانة الرحم خارج تجويف الرحم، مثل المبيضين أو الحوض، وقد يؤدي إلى الالتهاب والالتصاقات واضطراب وظيفة الأنابيب والمبيض. أما وجود أنسجة البطانة داخل عضلة الرحم فيُسمى العضال الغدي، وهو حالة مختلفة قد تؤثر أيضًا في الخصوبة.
ولا يمكن الحديث عن الخصوبة لدى المرأة دون الحديث عن العمر؛ فالعمر يؤثر في عدد البويضات وجودتها معًا. وقد يبدو تحليل مخزون المبيض مقبولًا، لكنه لا يقيس جودة البويضات بصورة كاملة، ولا يلغي تأثير العمر في احتمالات الحمل والإجهاض والاختلالات الصبغية. ولهذا ننصح بعدم تأجيل الحمل لفترات طويلة متى كانت الظروف الصحية والاجتماعية مناسبة.
ثانيًا: الأسباب لدى الرجال
قد تشمل أسباب تأخر الإنجاب عند الرجل انخفاض عدد الحيوانات المنوية، أو ضعف حركتها، أو زيادة الأشكال غير الطبيعية، أو غياب الحيوانات المنوية من السائل المنوي. كما قد تنتج المشكلة عن دوالي الخصية، أو اضطرابات الهرمونات، أو الالتهابات، أو انسداد القنوات الناقلة للحيوانات المنوية، أو بعض الأمراض الوراثية.
كذلك قد تؤثر الأمراض المزمنة والسمنة والتدخين وبعض العقاقير والمنشطات الرياضية والتعرض المفرط للحرارة أو بعض المواد الكيميائية في إنتاج الحيوانات المنوية وجودتها.
ولهذا نطلب عادة تحليل السائل المنوي ضمن الفحوصات الأولية، مع تقييم العدد والحركة والأشكال الطبيعية وحجم العينة وغيرها من المؤشرات. وإذا وُجد خلل، يُحال الزوج إلى طبيب متخصص في عقم الرجال، أو أمراض الذكورة والمسالك البولية، لأن تحليلًا واحدًا قد لا يكون كافيًا أحيانًا، ولأن العلاج يعتمد على السبب وليس على النتيجة الرقمية وحدها.
هل هناك علاقة بين تأخر الإنجاب والغذاء؟
نعم، توجد علاقة واضحة بين نمط الحياة والصحة الإنجابية، ولكن يجب ألا نختزل كل حالات تأخر الإنجاب في الغذاء وحده.
الإفراط في الوجبات السريعة والسكريات والدهون والكربوهيدرات المصنَّعة قد يؤدي إلى زيادة الوزن ومقاومة الإنسولين، واضطراب الهرمونات والإباضة، خاصة لدى المصابات بتكيس المبايض. وفي المقابل قد يؤدي النقص الحاد في الوزن، أو الحميات القاسية إلى انقطاع الدورة أو ضعف الإباضة نتيجة اضطراب الإشارات الهرمونية بين الدماغ والمبيض. ويُعد مؤشر كتلة الجسم بين 18.5 و24.9 المجال الطبيعي المتعارف عليه لدى معظم البالغين، لكن تقييم الوزن يجب أن يكون فرديًا، لأن تركيب الجسم والحالة الصحية لا يُقاسان برقم واحد فقط.
تشير التقديرات إلى أن نسبة العقم المرتبط بعوامل لدى النساء قد تصل إلى نحو 45 % من الحالات، ويُعد تكيس المبايض من أبرز الأسباب المؤثرة في الخصوبة، ولا سيما عندما يترافق مع زيادة الوزن واضطرابات التبويض والتمثيل الغذائي.
وتفرض هذه النسب المرتفعة ضرورة أن تولي الدولة اهتمامًا أكبر بتطوير خدمات تشخيص وعلاج العقم، مع التركيز على تأهيل الأطباء ضمن تخصصات دقيقة ومعتمدة. إلا أن مجال التخصصات الفرعية في علاج العقم وتقنيات الإخصاب المساعد لا يزال محدودًا، الأمر الذي يدفع كثيرًا من الأطباء إلى الاعتماد على التدريب الذاتي، أو السفر إلى دول الجوار، أو المشاركة في دورات قصيرة ينظمها بعض المراكز عند استضافة خبراء زائرين.
ورغم أهمية هذه الدورات، فإن التدريب الذي يستمر لعدة أيام لا يكفي وحده لإعداد كوادر قادرة على التعامل مع الحالات المعقدة، أو مواكبة التطورات المتسارعة في طب الإنجاب. فالمجال يحتاج إلى برامج تدريبية مكثفة وطويلة المدى، تتضمن تدريبًا عمليًا متواصلًا داخل مراكز متخصصة ذات جودة عالية، وخصوصًا لأطباء الأجنة والعاملين في مختبرات الإخصاب المساعد، نظرًا لدقة هذا التخصص وارتباط نجاح العلاج بكفاءة المختبر وجودة إجراءاته.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى وضع استراتيجية وطنية متكاملة لتطوير مجال العقم، تشمل جميع مستوياته، بدءًا من التشخيص المبكر وعلاج اضطرابات التبويض، وصولًا إلى جراحات الخصوبة وتقنيات أطفال الأنابيب والحقن المجهري وحفظ الأجنة والبويضات.
كما ينبغي دعم ابتعاث الأطباء وأطباء الأجنة والفنيين إلى مراكز دولية معتمدة، وتمكينهم من حضور المؤتمرات والبرامج العلمية المتخصصة، بما يساعدهم على الاطلاع على أحدث المستجدات في التشخيص والعلاج، ونقل الخبرات وتوطينها داخل المؤسسات الصحية المحلية.
إن الاستثمار في تدريب الكوادر المتخصصة لا يمثل دعمًا لفئة طبية محددة فحسب، بل هو استثمار مباشر في صحة الأسرة والمجتمع، وخطوة أساسية نحو تحسين فرص العلاج، ورفع نسب النجاح، وتقليل اضطرار المرضى إلى السفر إلى الخارج بحثًا عن خدمات أكثر تقدمًا.

