التعليمية

نجح في الإعدادية.. ديروله عرس!

                                                                      ‬شن‭ ‬صاير‭ ‬بالضبط؟‭ ‬

معقولة‭ ‬شهادة‭ ‬إعدادية‭ ‬أصبحت‭ ‬مناسبة‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬عزومة‭ ‬ومنظومة‭ ‬وألعاب‭ ‬نارية،‭ ‬وزغاريط‭ ‬ودربوكة؟‭! ‬الواحد‭ ‬يفتح‭ ‬شباك‭ ‬الحوش،‭ ‬يسمع‭ ‬الثعالب‭ ‬النارية‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬شارع،‭ ‬والمنظومة‭ ‬تصدح،‭ ‬والدربوكة‭ ‬تضرب،‭ ‬والزغاريط‭ ‬شغالة،‭ ‬ويقول‭ ‬في‭ ‬نفسه‭: ‬‮«‬خير؟‭ ‬حد‭ ‬تزوج؟‮»‬‭ ‬يطلع‭ ‬الموضوع‮…‬‭ ‬شهادة‭ ‬إعدادية‭!‬

والله‭ ‬حاجة‭ ‬تحيّر‭. ‬الفرحة‭ ‬بالنجاح‭ ‬حق،‭ ‬وما‭ ‬فيش‭ ‬حد‭ ‬يقدر‭ ‬يقول‭ ‬غير‭ ‬ذلك‭. ‬بالعكس،‭ ‬كل‭ ‬أم‭ ‬وأب‭ ‬من‭ ‬حقهم‭ ‬يفرحوا‭ ‬بتعب‭ ‬أولادهم،‭ ‬ويشجعوهم‭ ‬ويكافئوهم‭. ‬لكن‭ ‬الفرحة‭ ‬مش‭ ‬معناها‭ ‬مهرجان،‭ ‬والنجاح‭ ‬مش‭ ‬معناه‭ ‬فخفخة‭ ‬واستعراض‭!‬

اليوم‭ ‬شهادة‭ ‬إعدادية،‭ ‬وغداً‭ ‬شن‭ ‬بنديروا؟‭ ‬شهادة‭ ‬الثانوية‭ ‬نجيبوا‭ ‬فرقة‭ ‬موسيقية؟‭ ‬والتخرج‭ ‬من‭ ‬الجامعة‭ ‬نقفلوا‭ ‬الشوارع؟‭ ‬والدكتوراه‭ ‬نعلنوا‭ ‬عليها‭ ‬عطلة‭ ‬رسمية؟‭! ‬يبدو‭ ‬أننا‭ ‬دخلنا‭ ‬في‭ ‬سباق‭ ‬غريب،‭ ‬ليس‭ ‬سباقاً‭ ‬نحو‭ ‬العلم‭ ‬والنجاح،‭ ‬بل‭ ‬سباق‭ ‬نحو‭ ‬من‭ ‬يحتفل‭ ‬أكثر،‭ ‬ومن‭ ‬يعزم‭ ‬أكثر،‭ ‬ومن‭ ‬يشعل‭ ‬ألعاباً‭ ‬نارية‭ ‬أكثر‭!‬

المشكلة‭ ‬أن‭ ‬الموضوع‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬فرحة‭ ‬عائلية‭ ‬بسيطة،‭ ‬بل‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬منافسة‭ ‬اجتماعية‭. ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬يراقب‭ ‬الثاني‭: ‬هذا‭ ‬دار‭ ‬عزومة،‭ ‬وهذا‭ ‬جاب‭ ‬منظومة،‭ ‬وهذا‭ ‬شعل‭ ‬ألعاباً‭ ‬نارية،‭ ‬وهذا‭ ‬احتفل‭ ‬ثلاثة‭ ‬أيام‭. ‬واللي‭ ‬ما‭ ‬يديرش،‭ ‬يصبح‭ ‬وكأنه‭ ‬مقصر‭ ‬في‭ ‬حق‭ ‬نجاح‭ ‬ولده‭! ‬وكأن‭ ‬قيمة‭ ‬النجاح‭ ‬أصبحت‭ ‬تُقاس‭ ‬بعدد‭ ‬المدعوين،‭ ‬وحجم‭ ‬العزومة،‭ ‬وقوة‭ ‬الصوت‭ ‬الذي‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬الحي‭.‬

والمواطن‭ ‬أصلاً‭ ‬يشكي‭ ‬من‭ ‬الغلاء،‭ ‬ومن‭ ‬قلة‭ ‬السيولة،‭ ‬ومن‭ ‬ارتفاع‭ ‬الأسعار،‭ ‬ومن‭ ‬هروب‭ ‬الكهرباء‭. ‬لكن‭ ‬في‭ ‬المناسبات،‭ ‬لازم‭ ‬‮«‬نبيّنوا‭ ‬للناس‮»‬‭ ‬أننا‭ ‬قادرون،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬اضطررنا‭ ‬للاستدانة‭ ‬أو‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬ميزانية‭ ‬البيت‭. ‬المهم‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬يقول‭ ‬أحد‭: ‬‮«‬ما‭ ‬داروش‭ ‬احتفال‮»‬‭!. ‬والأغرب‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الاحتفالات‭ ‬تحدث‭ ‬في‭ ‬أحياء‭ ‬فيها‭ ‬مرضى‭ ‬وكبار‭ ‬سن‭ ‬وأطفال،‭ ‬وفي‭ ‬وقت‭ ‬متأخر‭ ‬من‭ ‬الليل‭. ‬الكهرباء‭ ‬هاربة،‭ ‬والناس‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬ساعة‭ ‬نوم‭ ‬هادئة،‭ ‬ثم‭ ‬تبدأ‭ ‬الألعاب‭ ‬النارية‭ ‬وكأننا‭ ‬نحتفل‭ ‬بفتح‭ ‬عاصمة‭ ‬أو‭ ‬إعلان‭ ‬استقلال‭!‬

النجاح‭ ‬الحقيقي‭ ‬مش‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬الثعالب‭ ‬النارية،‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬قوة‭ ‬المنظومة،‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬حجم‭ ‬العزومة‭. ‬النجاح‭ ‬أن‭ ‬نربي‭ ‬أبناءنا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬العلم‭ ‬قيمة،‭ ‬لا‭ ‬مناسبة‭ ‬للاستعراض‭. ‬وأن‭ ‬نفرح‭ ‬بهم‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نرهق‭ ‬أنفسنا‭ ‬أو‭ ‬نزعج‭ ‬الآخرين‭.‬

افرِحوا،‭ ‬طبعاً‭ ‬افرحوا‮…‬‭ ‬لكن‭ ‬بالمعقول‭. ‬راهي‭ ‬شهادة‭ ‬إعدادية‮…‬‭ ‬شن‭ ‬خلّينا‭ ‬للثانوية‭ ‬والجامعة؟‭! ‬

لم‭ ‬تعد‭ ‬بعض‭ ‬مظاهر‭ ‬الاحتفال‭ ‬بنجاح‭ ‬الطلاب‭ ‬تعبيرًا‭ ‬عن‭ ‬الفرح،‭ ‬بل‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬سلوكيات‭ ‬مؤذية‭ ‬ومرفوضة،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬سكب‭ ‬زيت‭ ‬السيارات‭ ‬والأتربة‭ ‬على‭ ‬الطالب‭ ‬الناجح،‭ ‬وكأن‭ ‬النجاح‭ ‬مناسبة‭ ‬للإهانة‭ ‬والتشويه‭ ‬بدل‭ ‬التكريم‭ ‬والاعتزاز‭. ‬

فهل‭ ‬يعقل‭ ‬أن‭ ‬نحتفل‭ ‬بإنجاز‭ ‬أبنائنا‭ ‬بإيذائهم‭ ‬وإفساد‭ ‬ملابسهم‭ ‬ومظهرهم‭ ‬وتعريضهم‭ ‬للخطر؟‭ ‬إن‭ ‬الفرح‭ ‬الحقيقي‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬فوضى‭ ‬ولا‭ ‬إلى‭ ‬تصرفات‭ ‬غير‭ ‬مسؤولة،‭ ‬بل‭ ‬يُعبَّر‭ ‬عنه‭ ‬بالكلمة‭ ‬الطيبة،‭ ‬والتكريم،‭ ‬والاحتفاء‭ ‬الراقي‭. ‬النجاح‭ ‬لحظة‭ ‬جميلة‭ ‬تستحق‭ ‬أن‭ ‬تُحفظ‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬بكرامة،‭ ‬لا‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬مشهد‭ ‬من‭ ‬العبث‭ ‬والتجاوز‭.‬

فلنراجع‭ ‬عاداتنا،‭ ‬فليس‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬اعتدناه‭ ‬مقبولًا،‭ ‬ولا‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬نفعله‭ ‬باسم‭ ‬الفرح‭ ‬يليق‭ ‬بنا‭. ‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى